10‏/2‏/2012

عولمة الفقر في الدول النامية


عولمة الفقر في الدول النامية
اصبح من المسلم به ان العولمة ظاهرة موجهة بسياسات مرسومة في الدول الصناعية الممثلة بالولايات المتحدة الأميركية كرمز وقائد للرأسمالية، لذا فهي حتمية لا مفر منها بالنسبة للدول النامية والفقيرة. وتعني العولمة، بمنظورها الشامل، انه لا حدود لانتقال رؤوس الاموال والاستثمارات المباشرة والتكنولوجيا والخبرات والمعلومات بين الدول لتحسين الأداء الاقتصادي العالمي من خلال التكامل الاقتصادي، وهذه فلسفة نقبلها بلا شك عندما تكون مبنية على اسس قوية من العدل والمساواة بين جميع دول العالم، لكننا نرى تناقضا صريحا في توجهها واهدافها من خلال تدفق الاستثمارات وحجمها من والى الدول الصناعية المتقدمة او دول الشمال الغنية، ومن والى الدول النامية والفقيرة او دول الجنوب الفقيرة.

ولأن العولمة ظاهرة تؤثر في العالم بأجمعه فان الكثير من الشعوب النامية والفقيرة تنتظر مصيرها في ظلها بخوف من مستقبلها، بل انها اشبه بالمتفرج في حلبة رياضية يتنافس فيها اللاعبون، لكن المتفرجين لا يعرفون قوانين واحكام اللعبة. وتحاول الدول النامية والفقيرة الاستفادة من العولمة التي تسيطر على حديث مجال المثقفين وعامة الناس لما تعنيه من فرص وتحديات، فالذين ينظرون لها بمنظار ايجابي يرون فيها فرصا للنمو، بينما يراها بمنظار اسود قاتم الذين يخافون من عواقبها لأنهم لا يمتلكون عناصر القوة العالمية لمواكبتها، فهي تعتبر تحديا لهم.

وبالرغم من ان الدول الصناعية المتقدمة تسوق وتروج للعولمة لاستغلالها في التوسع في الاسواق العالمية الا اننا نرى جماعات في هذه الدول تندد بها لأنها تفقدها الكثير من الوظاف عندما تفتح هذه الدول اسواقها لمنتجات الدول النامية والفقيرة التي تتصف برخص اسعارها.
 ويعود الفقر في الدول المتقدمة للعولمة، حسب اعتقاد الجماعات المناهضة لها، وذلك لأنها، حسب تصورهم المبني على حقائق وارقام احصائية غربية متحيزة ضد الدول النامية والفقيرة، تزيد من مستوى البطالة عندما تخفض الشركات في الدول الصناعية المتقدمة مواردها البشرية للتكيف مع الوضع الجديد، لذا يرون في تسريحها لبعضهم زيادة في مستوى الفقر. وهذا الافتراض صحيح الى حد ما بالنسبة للشركة الصغيرة في الدول المتقدمة، لكنه اكثر صحة بالنسبة للدول النامية والفقيرة وشركاتها المختلفة الحجم والمنتجات، حيث تمشي مع التيار ببطء شديد وبلا رؤية واضحة لمصيرها ونصيبها من العولمة المحمومة التي تخدم الدول المتقدمة. والحقيقة اما ان تجلب العولمة الفقر معها لتعولمه في الدول النامية والفقيرة التي لا تمتلك عناصر نجاح العولمة او انما تفتقر للآليات المناسبة التي تحقق لهذه الدول الخروج من مأزق الفقر، وتجلب لها وسائل النهضة الاقتصادية من تكنولوجيا وخبرات، اذاً فهي عولمة للفقر وفقر العولمة.

وسيزيد الفقر في الدول النامية والفقيرة نتيجة للانفتاح غير المسبوق في تاريخ الاقتصاد العالمي، بل ستفقد هذه الدول زمام الامور السياسية والاجتماعية لتفاقم الفقر فيها.
 ولندع الاحصائيات تتحدث عن سلبيات العولمة في الدول النامية والفقيرة، حيث تضاعفت الفجوة بين أفقر 20 في المائة من دول العالم واغنى 20 في المائة من الدول خلال الاربعين سنة الماضية، أي منذ بداية الستينات من القرن العشرين. وتصنف الأمم المتحدة الدول الاقل تطورا في العالم على انها دول لا يتجاوز دخل الفرد فيها 320 دولار في السنة، ويبلغ عدد هذه الدول 48، منها 42 دولة في القارة الأفريقية.
وحسب احصائيات الأمم المتحدة، يعيش حوالي 570 مليون نسمة في القارة الأفريقية، أي اكثر من 12 في المائة من سكان العالم. والمغالطة التي تحاول الدول الصناعية الغربية اقناع الدول النامية والفقيرة بها، هي ان الاخيرة ستستفيد بدرجة كبيرة من العولمة، لكن المعلومات الاحصائية تشير الى ان 46 دولة من اكثر دول العالم فقرا كانت تساهم بنسبة تقدر بحوالي 1.46 في المائة من التجارة السلعية العالمية في عام 1960، انخفضت الى حوالي 0.6 في المائة في بداية التسعينات من القرن العشرين والى 0.4 في المائة منذ بداية التسعينات الى 1995. وقدرت مساهمة 102 دولة من اكثر الدول فقرا في التبادل السلعي بحوالي 8 في المائة من اجمالي التجارة العالمية في عام 1980، لكنها انخفضت الى 1.4 في المائة في عام 1990.
 وهذه الارقام الاحصائية جاءت من الدول الصناعية الغربية نفسها والهيئات الدولية التي تسيطر عليها، وربما تكون معلومات متحفظة الى درجة كبيرة لترغيب الدول النامية والفقيرة في العولمة.

وأضيف الى ما سبق هذا الاستعراض الزمني للتدفقات الاستثمارية الرأسمالية على المستوى العالمي، حيث كان حوالي 80 في المائة من هذه التدفقات يتحرك في الاقتصاد الأميركي والأوروبي الغربي ودول جنوب شرق آسيا التي انهكتها المنافسة الغربية الشرسة، ما جعل بعضها يهاجر الى الدول الصناعية الغربية بعد الازمة الاقتصادية الآسيوية في 1997. اما الدول الاقل تطورا فقد انخفضت التحركات الاستثمارية فيها من 14 في المائة في عام 1982 الى الصفر في عام 1989. وتعتبر القارة الأفريقية مثالا واضحا على ضعف تدفق الاستثمارات، حيث جذبت حوالي 3 مليارات دولار في عام 1993، لكن الاموال المهاجرة منها كانت اكثر من الاموال القادمة اليها.

ويستحوذ حوالى 360 مليونيرا عالميا على ثروة بما يملكه 3 مليارات نسمة، أي حوالي ما يملكه نصف سكان العالم. واكثر هؤلاء الاثرياء يعيشون في الدول الصناعية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. ولقد زادت فجوة الدخل بين الدول الفقيرة والدول الغنية، حيث كان دخل الفرد في الدول السبع الصناعية المتقدمة حوالي 20 ضعف دخل الفرد في الدول الاكثر فقرا عام 1965، بينما كانت هذه العلاقة حوالي 40 ضعفا في عام 1995. وبمقارنة بسيطة نجد ان 20 في المائة من الاغنياء في الدول الصناعية المتقدمة يملكون حوالي 150 ضعف ما يملكه حوالي 20 في المائة من الدول الاكثر فقرا.

اذاً ماذا عن الحلول الاستراتيجية للتكيف مع العولمة وآلياتها؟.
 الحقيقة ان الدول النامية والفقيرة بحاجة ملحة لاعادة هيكلة اقتصاداتها بما يتوافق مع مصالحها القومية، وكذلك مع التغيرات العالمية الشائكة. ويشاركها في هذه المسؤولية الجسيمة الدول الصناعية التي تمتلك مقومات المنافسة من تكنولوجيا ومال وخبرات. فالتكنولوجيا بحد ذاتها مشكلة كبيرة تواجه الدول النامية والفقيرة لأنها لا تستطيع امتلاكها لأسباب تكمن في الدول الصناعية مثل حماية الأمن القومي. والدول النامية والفقيرة تواجه نقصا في تمويل التكنولوجيا التي تسمح الدول الصناعية بنقلها لهذه الدول، ناهيك من ارتفاع تكاليف التدريب على استخدامها من قبل الأيدي العاملة في هذه الدول. واذا كانت الدول الصناعية مخلصة وصادقة في نواياها من العولمة فانه يتوجب عليها تسهيل الحصول على التكنولوجيا الحديثة للنهوض باقتصادات الدول النامية والفقيرة لكي تساهم في النقد الدولي والبنك الدولي والهيئات الانمائية للأمم المتحدة وتقع على عاتق هذه الهيئات مسؤولية كبيرة لمساعدة الدول النامية والفقيرة للنهوض باقتصاداتها وبالتالي الاقتصاد العالمي.

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 4:47 م
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi