28‏/2‏/2012

أدماج النصوص الدولية في القوانين الداخلية (دراسة مقارنة)

الدكتور طارق كاظم عجيل/استاذ القانون المدني المساعد
رئيس قسم القانون الخاص
كلية القانون- جامعة ذي قار


مقدمـة
   أن تداخل العلاقات الدولية واتساع نطاقها في العصر الحديث، أدى الى تطور القانون الدولي وتقدمه بشكل أصبحت موضوعاته تشمل تلك التي كانت تعد من صميم الاختصاص الداخلي للدولة.
   فمما لا شك فيه اليوم أن اية دولة في العالم مهما بلغت من علو شِأن في كافة المجالات لا تستطيع أن تعيش منعزلة، فالدول اليوم لها مجتمع تعيش فيه، كما للافراد مجتمعهم الخاص، وتعد الدولة من اهم اشخاص المجتمع الدولي واكثرها تأثيرا، وهي تؤثر وتتأثر بما يسود هذا المجتمع من علاقات، وتأثيرها وتأثرها هذا يكون محكوما بالنصوص الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول.
   وتتعدد النصوص التي تحكم العلاقات الدولية كما تختلف أهميتها باختلاف تدرجها القانوني، وياتي في مقدمة هذه النصوص من حيث الأهمية نصوص المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وقد جاء في ديباجة اتفاقية فينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 أشارة الى أهمية هذه الأتفاقية التي تنظم عملية ابرام المعاهدات بانها تخدم مقاصد الأمم المتحدة المنصوص عليها في الميثاق، أي صيانة السلم والأمن الدوليين، وإنماء العلاقات الدولية، وتحقيق التعاون بين الأمم، وبقدر أهمية المعاهدات في تنمية التعاون بين الدول في جميع الميادين، قد تتسبب المعاهدة، في نشوب الأعمال العدائية بين الدول نتيجة الإخلال بها، وإن كان هذا بالنسبة للمعاهدات التي تحكم العلاقات بين الدول المنظمة باتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 على اساس ( العقد شريعة المتعاقدين )، فمن جهة اخرى المعاهدات التي تحكم العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية لا تقل أهمية عن العلاقات بين الدول، خصوصا أن العصر الحالي، يتميز بتعدد المنظمات الدولية، وتنوعها من حيث الاختصاصات والوظائف، وتمتعها، بشخصية قانونية ذاتية في المجتمع الدولي، بها تثبت لها أهلية الدخول في علاقات دولية مع غيرها من أشخاص القانون الدولي، تتمثل في علاقات تعاهدية أي ابرام المعاهدات الدولية، وعلاقات تمثيلية أي تبادل الممثلين لتنظيم المصالح المشتركة ورعايتها. وعلى هذا الأساس جاءت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات بين الدول والمنظمات الدولية أو بين المنظمات الدولية لسنة 1986.
   والمعاهدة هي أساس العلاقة بين أشخاص القانون الدولي، تعتمد عليها محكمة العدل الدولية أولا في حل النزاعات بين الدول وفقا للمادة 38 من نظامها الأساسي، أما فيما يخص المنظمات الدولية فلها حق طلب رأي إفتائي من محكمة العدل الدولية وفقا للمادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة التي نصت على: ( 1- لأي من الجمعية العامة أو مجلس الأمن، أن يطلب إلى محكمة العدل الدولية إفتائه في أية مسألة قانونية. 2- ولسائر فروع الهيئة والوكالات المتخصصة المرتبطة بها، ممن يجوز أن تأذن لها الجمعية العامة بذلك في أي وقت، أن تطلب أيضا من المحكمة إفتائها فيما يعرض لها من المسائل القانونية الداخلية في نطاق أعمالها. ) وهذا ما نصت عليه كذلك المادة 65 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية ونظرا لما تقوم به المنظمات الدولية على الصعيد الدولي، نجد اتجاها كبيرا ينادي بتعديل الفقرة الأولى من المادة 38 من نظام محكمة العدل الدولية بحيث يسمح للمنظمات الدولية بأن تكن طرفا في الدعاوى القضائية أمام هذه المحكمة، سيما أن البعض منها تقوم بالرقابة على تنفيذ المعاهدات المصادق عليها التي تدخل في مجال اختصاصاتها ومثال ذلك منظمة العمل الدولية أو المنظمة العالمية للصحة، أو منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة، أو هيئة الأمم المتحدة وكذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تراقب استعمال الطاقة الذرية لأغراض سلمية، ويلعب التحكيم الدولي دورا هاما في حل النزاعات التي قد تنشأ عن المعاهدات، ويتم اللجوء إليه في اتفاق سابق على النزاع أو لاحق عليه أو تنص عليه المعاهدة.   
   أن اهمية نصوص المعاهدات والاتفاقيات الدولية في تنظيم العلاقات الدولية، يثير اشكاليات قانونية كثيرة تأتي في مقدمتها اليات ابرام هذه المعاهدات، ونفاذها، وتعديلها، والانسحاب منها، والتحفظ على بعض فقراتها، وتعارضها مع القوانين الداخلية، ولما كنا محددين من حيث الوقت والكم، فسنقتصر في بحثنا هذا على موضوع ادماج النصوص الدولية في القانون الداخلي، ولغرض الأحاطة بهذا الموضوع، سوف نقسم بحثنا هذا على ثلاثة مباحث، نعالج في الأول ماهية النصوص الدولية، ونفرد الثاني لادماج النصوص الدولية بالأنظمة القانونية الداخلية، ونخصص الثالث لمدى قابلية النصوص الدولية للتطبيق المباشر، ونختم بحثنا بخاتمة نضمنها اهم النتائج والمقترحات والله الموفق.    
المبحث الاول
ماهية النصوص الدولية
   مما لا خلاف فيه أن قواعد القانون الدولي العام قواعد قانونية لها بين الدول سلطان القانون وتلزم بمراعاتها والسير على مقتضاها. ويعد من القواعد التي لها هذه الصفة كل ما استقر بين الدول من أحكام منظمة لعلاقتها وتصرفاتها ويترتب على الاخلال بها مسؤولية قانونية تعرض الدولة المخلة للجزاء.
   وتستوي في ذلك القواعد الثابتة عن طريق العرف وتلك التي تتضمنها المعاهدات والاتفاقات الدولية والقواعد المستمدة من مبادىء القانون العامة، مع ذلك الفارق فإن القواعد العرفية ومثلها المبادىء التي مرجعها القواعد القانونية العامة غالبا ما تكون لها صفة العمومية، لأن الأولى تنشأ نتيجة حاجة الجماعة الدولية لها وسير مختلف الدول على مقتضاها والثانية مستمدة من مبادىء عامة أصلا، بينما القواعد الواردة في المعاهدات لا تلزم بصفة أصلية غير اطراف المعاهدة التي وردت فيها، ما لم تكن ثابتة من قبل عن طريق العرف وكان النص عليها في المعاهدة مجرد اقرار لها.
   وهذا يعني ان نصوص المعاهدات دون غيرها من النصوص الدولية لا تكون ملزمة للدولة الا عن طريق الانضمام اليها، وهذا هو موضوع بحثنا، لذلك سنقتصر في هذا المبحث على تعريف المعاهدة وانواع المعاهدات باعتبار نصوص المعاهدات من اهم النصوص الدولية،.
   ويمكن تعريف المعاهدات بانها اتفاقات تعقدها الدول فيما بينها بغرض تنظيم علاقة قانونية دولية وتحديد القواعد التي تخضع لها هذه العلاقة([1]).
   ويترتب على الاخذ بهذ التعريف اخراج العقود التي تبرم بين دولة وفرد، أو بينها وبين شركة من الشركات الدولية، وكذلك اخراج العقود التي تبرم بين دولة ودولة بصفتها من اشخاص القانون الداخلي، كعقود التوريد مثلا، فجميعها لا تعتبر معاهدات وبالتالي تخضع لقواعد القانون الداخلي، ولا تخضع لقواعد القانون الدولي.
   وقد انتقد جانب من الفقه المعاصر التعريف المتقدم مع ما صاحبه من تحديد لنطاق المعاهدات، أذ اتجه الى أن المعاهدة قد اتسع مفهومها لتشمل انوعا من الاتفاقات كتلك المبرمة بين الدول والمنظمات الدولية، أو بين المنظمات الدولية بعضها بالبعض الآخر. ومن ثم رتب هذا الجانب من الفقه نتيجة منطقية مفادها ان المفهوم التقليدي للمعاهدة ينبغى أن يحل محله مفهوم اخر قوامه مواكبة التطورات المستحدثة في المجتمع الدولي وان شئنا الدقة في العلاقات الدولية، ولذا فان المعاهدة في نظر هذا الفقه هي كل اتفاق بين شخصين او اكثر من اشخاص القانون الدولي([2]).
   بيد أن جانبا اخر من الفقه الحديث راى أن استخدام مصطلح اتفاق كمناظر لمصطلح معاهدة يشوبه عدم الدقة، اذ لمفهوم الاتفاق مضمون اكثر اتساعا وشمولا، فيفيد في بعض الاحيان تقارب فكرة حول نقطة بعينها، أو مسألة ما. فيقال اتفقنا بمعنى أن لنا ذات الفكرة والفكر، وهو بهذا المنظور المتطور عمل ذهنى، كما ان للاتفاق مفهوما آخر بمعنى التصرف الذي يتم بين شخصين أو اكثر من اشخاص القانون الدولي بإرادتهما المشتركة مستهدفا ترتيب الأثار القانونية المبتغاة.
   وأيا ما كان الخلاف السابق فقد تولت اتفاقية فينا للمعاهدات لعام 1969 تحديد هذا المفهوم حيث نصت المادة الثانية منها تحـت عنوان " تعريفات " علـى أن الغرض من هذه الاتفاقية ( معاهدة ) تعني اتفاق دولي يعقد بين دولتين أو اكثر كتابة ويخضع للقانون الدولي سواء تم في وثيقة واحدة او اكثر، وايا كانت التسمية التي تطلق عليه([3]).    
   ومن التعريف السابق يمكن ايراد الملاحظات الاتية:
1- ان المعاهدة التي أشارت اليها اتفاقية فيينا هي تلك المبرمة بين الدول، ومن ثم لا تدخل في عداد المعاهدات الدولية تلك التي تبرمها الدول مع شخص من أشخاص القانون الداخلي، واذا كانت اتفاقية فيينا قد نصت على المعاهدات الدولية التي تبرمها الدول، فإن ذلك يمكن أن ينسحب كذلك على المنظمات الدولية باعتبارها أحد اشخاص القانون الدولي العام وفقا للرأي الراجح في فقه القانون الدولي([4]).
   واذا كانت اتفاقية فينا لم تنص على اعتبار المنظمات الدولية من بين من لهم حق ابرام المعاهدات الدولية الا ان نص المادة الثالثة من الاتفاقية سالفة الذكر قد نصت على ان استبعاد الاتفاقات الدولية المبرمة بين اشخاص القانون الدولي من غير الدول من نطاق تطبيق المعاهدة المذكورة لا يخل بما تتمتع به تلك الاتفاقات من قوة ملزمة وفقا لقواعد القانون الدولي العام.
2- أن اتفاقية فينا تطلبت في المعاهدة اجراءات معينة أهمها الكتابة التي تعد شرطا شكليا لابد منه، كما يدخل في عداد الاجراءات التي تطبقها الاتفاقية تصديق الجهة التي يخولها دستور الدولة سلطة ابرام المعاهدات.
3- أن المعاهدة وفقا لما تم ايضاحه تختلف عن الاتفاق التنفيذي وهو عبارة عن اتفاق دولي بالمعنى الصحيح، لا يشترط لابرامه اتباع إجراءات شكلية معينة، كما لا يشترط التزام الدولة به أن يتم التصديق عليه من السلطة المختصة بعمل المعاهدات بل يصبح نافذا وملزما للدولة بمجرد التوقيع عليه. فالفارق بين المعاهدة والاتفاق التنفيذي يبين فيما اذا كان التصديق ضروريا لنفاذ المعاهدة من عدمه، فاذا تطلبنا التصديق كنا بصدد معاهدة، اما اذا لم يشترط التصديق مع الاكتفاء بالتوقيع كان الاتفاق تنفيذيا.
   وقد عرف قانون عقد المعاهدات العراقي رقم 111 لسنة 1979 المعاهدة في الفقرة الثانية من المادة الاولى منه بنصه ( يقصد بالمعاهدة توافق ارادات مثبت بصورة تحريرية بين شخصين او اكثر من الاشخاص القانونية الدولية المذكورة في الفقرة 1 من هذه المادة لغرض احداث اثار قانونية تخضع لاحكام القانون الدولي، بصرف النظر عن تسمية الوثيقة او عدد الوثائق التي يدون فيها احكام التوافق كالمعاهدة، او الاتفاق، او الاتفاقية، او البروتوكول، او المذكرات، او الرسائل او الكتب المتبادلة، او غير ذلك من التسميات ما دامت الشروط المذكورة في هذه الفقرة متوفرة فيها )([5]).
   ويذهب فقهاء القانون الدولي العام وشراحه الى تقسيم المعاهدات وتصنيفها مذاهب شتى منها تقسيمها تبعا لعدد الدول المساهمة فيها الى معاهدات ثنائية أو خاصة ومعاهدات جماعية أو عامة، ومنها تقسيمها تبعا لمدتها الى معاهدات محددة المدة أو مؤقتة ومعاهدات غير محددة المدة أو مستديمة، ومنها تقسيمها تبعا لطبيعتها الى معاهدات شارعة ومعاهدات عقدية، ومنها تقسيمها تبعا لموضوعها الى معاهدات سياسية ومعاهدات اجتماعية أو اقتصادية، الى غير ذلك من التقسيمات التي لا يتسع المجال هنا لتعدادها جميعا([6]).
   وقيمة هذه التقسيمات المختلفة فقهية قبل كل شيء، فلا أثر لها في القانون الوضعى ولا تتبعها نتائج عملية خاصة. ولذا فسوف لا نقف عندها أكثر من الأشارة المتقدمة إليها.
المبحث الثاني
      في ظل الانظمة الدكتاتورية لرئيس الدولة سلطة مطلقة في التصديق أو عدم التصديق على المعاهدات، فضلا عن التفاوض بشأنها والتوقيع عليها ونشرها، وبعد انتشار أنظمة الحكم الديمقراطية وشيوع مبدأ الفصل بين السلطات، وتأكيد الرقابة البرلمانية على اعمال السلطة التنفيذية، أخذت انظمة الحكم في التوجه نحو منح السلطة التشريعية دورا في التصديق على المعاهدات الى جانب السلطة التنفيذية، ومن أوائل الدساتير العالمية التي سارت في هذا الاتجاه الدستور الامريكي لعام 1787 كمثال على النظام الرئاسي، وكذلك الدستور البلجيكي لعام 1831 كمثال على النظام البرلماني، يذكر أن بعض دول العالم الثالث وانظمة الحكم الشمولية ما زالت تحصر مسألة ابرام المعاهدات الدولية بكافة مراحلها في رئيس الدولة، وتتجنب منح السلطة التشريعية أية صلاحيات بهذا الخصوص.
   تتعدد جهات الاختصاص في التصديق على المعاهدات في الدول المختلفة، فتمنح بعضها صلاحيات واسعة للسلطة التشريعية، بحيث تعطيها الحق في التصديق على كافة المعاهدات، في حين لا تملك السلطة التشريعية في دول اخرى صلاحية التصديق الا على بعض المعاهدات ذات الأهمية الخاصة، فيما يقوم رئيس الدولة بالتصديق على باقي المعاهدات، وفي الدول التي تتكون سلطتها التشريعية من مجلسين، يتولى التصديق على المعاهدات أحد المجلسين في بعض الدول، وكلا المجلسين في دول أخرى.
   وتتعدد ايضا اليات التصديق على المعاهدات من قبل السلطة التشريعية من دولة الى اخرى، فبينما يتم ذلك بقرار برلماني في بعض الدول، فإنه يتم بقانون يسنه البرلمان في دول أخرى، ويكون ذلك من خلال تحويل المعاهدة الى قانون داخلي، الأمر الذي يعني منح اختصاصات أوسع للسلطة التشريعية.
   يمكن حصر توجهات الدول المختلفة وما تبنته دساتيرها بخصوص المعاهدات التي يتم التصديق عليها من البرلمان في ثلاثة انواع هي التالية:
النوع الأول: تصديق السلطة التشريعية على كافة المعاهدات.
   تعطي دساتير بعض الدول للسلطة التشريعية الحق في التصديق على كافة المعاهدات التي تبرمها السلطة التنفيذية. مثلا، منح الدستور الأمريكي في المادة الثانية منه رئيس الجمهورية سلطة عقد المعاهدات، لكنه اشترط موافقة مجلس الشيوخ على المعاهدة بأغلبية ثلثي اعضائه. فرغم أن الرئيس في النظام الرئاسي يتمتع بصلاحيات واسعة، الا ان ابرام المعاهدات مع الدول الأخرى يتطلب موافقة البرلمان.
   من الواضح أن مجلس النواب ليس مختصا بالتصديق على المعاهدات حسب الدستور الأمريكي، وأن مجلس الشيوخ وحده، من بين مجلسي الكونغرس، هو صاحب الاختصاص في ذلك، قد يعود هذا الأمر لأسباب تاريخية ترجع الى نشأة الاتحاد الأمريكي نفسه، فمقابل قبول الولايات المتحدة الامريكية بالدخول في الاتحاد والتنازل عن ممارسة شؤون العلاقات الدولية، ارادت ان تحتفظ بحقها في الرقابة على ابرام المعاهدات الدولية، وبما أن مجلس الشيوخ يمثل الولايات، فقد احيلت هذه الرقابة اليه.
   وتعد الرقابة البرلمانية على المعاهدات التي تبرمها السلطة التنفيذية في النموذج الامريكي رقابة مشددة، أذ ان تصديق مجلس الشيوخ ضروري ازاء كافة المعاهدات اولا، ويتطلب التصديق موافقة اغلبية الثلثين ثانيا، وهذه اغلبية مرتفعة، وليس من السهل تحقيقها الا بعد مناقشات بين الرئيس واعضاء المجلس، لذلك شهدت الحياة السياسية الامريكية العديد من المعاهدات التي رفضها مجلس الشيوخ رغم موافقة الادارة الامريكية عليها([7]).
   ويتجه الدستور الفرنسي الى اتجاه مماثل للدستور الامريكي، فهو يشترط موافقة مجلس النواب على كافة المعاهدات التي تعقدها الحكومة، فقد نصت المادة 32 منه على انه ( المعاهدات لا تصبح نافذة المفعول الا بعد المصادقة عليها، والمصادقة المقصودة تتم بمقتضى قانون، والقانون يسنه مجلس النواب ).
النوع الثاني: تصديق السلطة التشريعية على بعض المعاهدات.
   تمنح دساتير بعض دول العالم السلطة التشريعية الحق في التصديق على بعض انواع المعاهدات، وتأخذ بهذا النموذج معظم دول العالم، اذ تمنح دساتير معظم الدول رئيس السلطة التنفيذية حق التوقيع على المعاهدات وتصديقها، باستثناء بعض المعاهدات ذات الأهمية الخاصة والتي تنطوي على التزامات سياسية أو مالية، أو تتعلق بسيادة الدولة أو الوضع القانوني لأراضيها ومواطنيها، حيث تشترط في هذه الحالات أن تتم المصادقة من السلطة التشريعية.
   وعلى الرغم من وضوح اختصاصات كل من البرلمان ورئيس الدولة في النظم الديمقراطية بشأن المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، الا ان بعض الخلافات تحدث بينهما بشأن صلاحية التصديق. فقد يرى رئيس الدولة أن المعاهدة ليست ضمن المعاهدات التي يوجب الدستور تصديق البرلمان عليها، في حين يصر البرلمان على انها من اختصاصه، ويرجع الخلاف احيانا الى اسباب جوهرية تتعلق بالتحفظات التي يمكن أن يبديها على المعاهدة، فالبرلمان قد يبدي تحفظا على نص معين، لكن الحكومة لا تؤيد هذا التحفظ ، وذلك لأسباب سياسية تتعلق بسياستها الخارجية، أو لغير ذلك من الأسباب. يذكر في هذا الصدد أن المجلس الدستوري الفرنسي كثيرا ما كان يدعى للفصل في الخلافات بين الحكومة والبرلمان حول اختصاص كل منهما في مجال المعاهدات الدولية([8]).
   ويعتبر الدستور البلجيكي لعام 1831 أول الدساتير التي حددت قائمة بأنواع المعاهدات التي يجب أخذ موافقة البرلمان عليها. فرغم أن الملك هو الذي يعقد المعاهدات بموجب المادة 167 من الدستور، دون حاجة لموافقة البرلمان، الا انه يستثنى من ذلك المعاهدات التي ذكرت في المادة 168، والتي تشتمل على: معاهدات الصلح والتحالف والتجارة والملاحة، والمعاهدات التي يترتب عليها تعديل في اراضي الدولة سواء بالضم أو التنازل، والمعاهدات التي تنتقص من سيادة الدولة، كتلك التي تسمح بإقامة قواعد عسكرية على اراضيها، أو التي تمنح تسهيلات بحرية للأساطيل الأجنبية، والمعاهدات التي تحمل خزينة الدولة نفقات غير واردة بقانون الميزانية، والمعاهدات المتعلقة بحقوق المواطنين وأملاكهم في الخارج، والمعاهدات المنشئة لمنظمات دولية دائمة مزودة بسلطة اصدار قرارات قد تؤثر أو تحد من اختصاصات الدولة.
   ولا يختلف الأمر في فرنسا كثيرا، فالمادة 53 من الدستور عددت انواع المعاهدات التي لا يجوز تصديقها أو الموافقة عليها الا بقانون يسنه البرلمان، وهي معاهدات الصلح والتجارة، والمعاهدات أو الاتفاقات الخاصة بالتنظيم الدولي، والمعاهدات التي تحمل خزينة الدولة عبئا من النفقات، والمعاهدات التي يكون فيها تعديل للنصوص القانونية، والمعاهدات الخاصة بحالة الأشخاص، والمعاهدات التي تقضي بالتنازل عن اراض أو ابدال اخرى بها أو ضمها.
   أن التصديق على المعاهدات بقانون يعني انها لا تتم الا بموافقة كل من الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ الفرنسيين، إذ أن اقرار التشريعات في فرنسا يتم عن طريق كلا المجلسين ووفق اجراءات محددة، لكن الدستور الفرنسي أضاف مسألة الاستفتاء الشعبي العام بشأن بعض المعاهدات. وبهذا ينفرد الدستور الفرنسي في اضافة رقابة شعبية الى جانب الرقابة البرلمانية، خاصة في حالة المعاهدات التي تتعلق بأراضي الدولة، اذ يتطلب التصديق على المعاهدة موافقة السكان ذوي الشأن، أي المعنيين بالأرض نفسها. تنص المادة 53 بشأن المعاهدات التي لا يتم التصديق عليها الا بقانون، على أن كل تنازل أو بدل أو ضم لأي أرض من الأراضي لا يكون صحيحا ما لم يقره السكان ذوو الشأن.
   وفي مصر يقوم رئيس الجمهورية بإبرام المعاهدات حسب المادة 151 من الدستور، ويحيلها لمجلس الشعب مشفوعة بما يناسبها من بيان، أي أن دور مجلس الشعب المصري يقتصر على العلم بها. ولكن يستثنى من ذلك معاهدات الصلح والتحالف والتجارة والملاحة، وجميع المعاهدات التي يترتب عليها تعديل في أراضي الدولة، أو التي تتعلق بالسيادة، أو التي تحمل خزانة الدولة أعباء مالية غير واردة في الموازنة العامة، حيث يشترط الدستور موافقة مجلس الشعب على تلك المعاهدات قبل ابرامها من قبل رئيس الجمهورية.
   وحصر الدستور الأردني المعاهدات التي تحتاج الى موافقة مجلس الأمة في نوعين فقط، فالملك حسب المادة 33 هو الذي يبرم كافة المعاهدات، باستثناء المعاهدات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة أعباء مالية، أو مساس بحقوق الأردنيين العامة أو الخاصة([9]).
النوع الثالث: الاتفاقيات التنفيذية أو المبسطة.
   يعرف فقهاء القانون الاتفاقيات التنفيذية بأنها تلك الإتفاقيات التي تبرم وتعتبر نافذة من لحظة التوقيع عليها، دون الحاجة الى عرضها على البرلمان لتصديقها أو قبولها، فيتم اختزال خطوات التوقيع والتصديق في خطوة واحدة، فيؤدي التوقيع وظيفة التصديق، لذلك يطلق عليها ايضا الاتفاقيات المبسطة([10]).
   ورغم أن الاتفاقيات التنفيذية أو المبسطة هي في الحقيقة معاهدات دولية، الا أن العديد من الدول لجأت الى هذا النوع من المعاهدات بسبب تنوع العلاقات الدولية وسرعة الأحداث، بحيث تجد الدول فيها وسيلة سهلة، وآلية سريعة للتوقيع والتصديق. كما قد تهدف الحكومات من ابرام مثل هذه الاتفاقيات الى التهرب من رقابة البرلمان، خاصة تلك المعاهدات المتعلقة بشؤون السياسة الخارجية. ويكثر هذا النمط في الدول التي تشترط دساتيرها موافقة البرلمان على كافة المعاهدات.
   يتبنى الدستور التركي هذا النموذج، فهو يجمع بين توجه الدستور الأمريكي في مصادقة مجلس الشيوخ على كافة المعاهدات، وبين توجهات الدساتير الأخرى في مصادقة البرلمان على المعاهدات الهامة فقط. فمن ناحية، لابد حسب المادة 65 من الدستور التركي، من موافقة البرلمان على كافة المعاهدات التي تعقد باسم الجمهورية التركية. ومن ناحية ثانية، يجب أن تتم هذه المصادقة من قبل مجلسي ( المجلس الوطني الكبير)، أي الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ. ولكن، من جهة ثالثة، ينص الدستور التركي على الإتفاقيات التنفيذية التي لا تحتاج الى مصادقة البرلمان، وقد حددها بالإتفاقيات المنظمة لعلاقات اقتصادية أو تجارية أو فنية لا تزيد مدة نفاذها عن سنة واحدة، وكذلك الإتفاقيات التنفيذية المستندة الى اتفاقيات دولية. الا أن الدستور اشترط في حالة الإتفاقيات التنفيذية الا ترتب التزامات مالية على الدولة، والا تمس الأحوال الشخصية أو حقوق ملكية الأتراك في الخارج، ففي مثل هذه الحالات يلزم موافقة المجلس الوطني الكبير. فالدستور التركي يشترط لنفاذ أي معاهدة أذن أن يتم تصديقها من قبل مجلسي (المجلس الوطني الكبير)، باستثناء ما يسمى بالإتفاقيات التنفيذية، التي يصادق عليها رئيس الجمهورية منفردا.
   واذا كان الدستور التركي قد نص على الإتفاقيات التنفيذية بشكل صريح، الا أن دولا أخرى تلجأ الى هذا النوع من المعاهدات دون أن تنص دساتيرها على ذلك صراحة، مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، رغم أنهما تخضعان لرقابة برلمانية مشددة على المعاهدات الدولية التي تبرمها السلطة التنفيذية. ففي الدستور الفرنسي إشارة الى اتفاقيات لا تحتاج الى تصديق، دون تعريفها أو تحديد أنواعها. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد تزايد اختلاف وجهات النظر بين مجلس الشيوخ والرئيس، وتعطيل بعض المعاهدات كما بينا اثناء تناول النموذج الأول، فقد لجأ الرؤساء الأمريكيين الى الإتفاقيات التنفيذية، خاصة الإتفاقيات السياسية التي تعتبر من اختصاص السلطة التنفيذية. لكن يرى بعض فقهاء القانون أن الدستور الأمريكي لا يتضمن مثل هذا النوع من الإتفاقيات، وانما يتطلب عرض كافة المعاهدات، أيا كانت التسمية التي تحملها، على مجلس الشيوخ.
   وتحفل الممارسات الدولية بالعديد من الإتفاقيات التي وقعها رؤساء الدول دون عرضها على البرلمان للتصديق عليها، وذلك باعتبارها اتفاقيات تنفيذية لا تحتاج الى تصديق، ويغلب على هذه الاتفاقيات الطابع السياسي أو انها متعلقة بشؤون العلاقات الدولية، مثل اتفاقية يالطا عام 1945 التي أنهت الحرب العالمية الثانية، واتفاق مالطا عام 1989 بشأن الغاء الحرب الباردة، لقد وقع هذان الاتفاقان من قبل الرئيس الأمريكي دون عرضهما على مجلس الشيوخ، رغم أهمية النتائج المترتبة على كل منهما([11]).  
   يتضح من هذا العرض للاتفاقيات وآليات المصادقة عليها أن النموذج الثاني هو الأكثر شيوعا، حيث أن معظم الدول، ولأسباب تتعلق بتصوراتها بشأن صلاحيات السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبطبيعة نظام الحكم فيها، تتجه الى تحديد المعاهدات التي يتوجب مصادقة السلطة التشريعية عليها. وباستعراض هذه المعاهدات يتبين انها تمثل المعاهدات الهامة التي تعالج قضايا جوهرية. وفيما يلي تصنيف لهذه المعاهدات:
المعاهدات السياسية، كمعاهدات الصلح والسلام والصداقة والتحالف، والمعاهدات المتعلقة بالانضمام الى المنظمات الدولية.
المعاهدات المتعلقة بالمسائل المالية، وخاصة التي يترتب عليها التزامات على خزينة الدولة، أو نفقات غير واردة في الموازنة، أو تتعلق بالضرائب والقروض.
المعاهدات المتعلقة بسيادة الدولة، كتعديل الحدود، أو ضم الأراضي أو التنازل عنها.
المعاهدات الاقتصادية، كمعاهدات التجارة والملاحة.
المعاهدات المتعلقة بحقوق المواطنين وأملاكهم، ويشمل المواطنين في الخارج.
المعاهدات التي تتطلب تعديلا على القوانين الداخلية.
المعاهدات المتعلقة بالقضاء الدولي، كالتحكيم والتنظيم القضائي والدعاوى القضائية.
- موقف النظام القانوني العراقي.
   عالج المشرع العراقي في ظل دستور 1970 المؤقت ( الملغى ) موضوع انضمام العراق الى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والجهات المختصة بالتفاوض وابرام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية واجراءات المصادقة والنفاذ بموجب قانون عقد المعاهدات رقم 111 لسنة 1979 وبالرجوع الى نصوص دستور عام 1970 المؤقت ( الملغى ) ونصوص قانون عقد المعاهدات رقم 111 لسنة 1979 نجد أن المشرع العراقي رسم الية للتفاوض وابرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية ونفاذها يمكن تلخيصها على النحو الاتي:
1- نصت المادة 43 من دستور 1970 على انه:
يمارس مجلس قيادة الثورة بأغلبية أعضائه الصلاحيات التالية : -
بأعلان التعبئة العامة جزئياً أو كلياً وأعلان الحرب وقبول الهدنة وعقد الصلح .
دالمصادقة على المعاهدات والإتفاقات الدولية .
- كما نصت المادة 58 على انه:
يمارس رئيس الجمهورية مباشرةً الصلاحيات التالية : -
(ح) - إجراء المفاوضات وعقد المعاهدات والإتفاقات الدولية .
2- يختص مجلس قيادة الثورة ( المنحل ) بموجب أحكام الفقرة الثانية من المادة الاولى من قانون عقد المعاهدات رقم 111 لسنة 1979 بالتصديق على المعاهدات حيث نصت علـــى انه ( التصديق: الاجراءات القانونية التي يثبت بموجبها مجلس قيادة الثورة في الجمهورية العــــراقية على الصعيد الدولي موافقته النهائية على الالتزام بمعاهدة سبق التوقيع عليها عن الجمهورية العراقية او عن حكومتها او سبق اقرارها من منظمة دولية او مؤتمر دولي ).
3- اشترط قانون المعاهدات رقم 111 لسنة 1979 لاهمية بعض المعاهدات لنفاذها في العـــــراق مصادقة مجلس قيادة الثورة ( المنحل ) ابتداءا، حيث نصت المادة 19
منه على انه ( يخضع الالتزام ابتداءا للجمهورية العراقية المعاهدات التي تتناول احكامها احدى المسائل المذكورة في فقرات هذه المادة لشرط التصديق وفق الاجراءات المنصوص عليها في هذا القانون.
1- معاهدات الحدود والمعاهدات التي تمس السيادة الاقليمية.
2- معاهدات الصلح والسلام.
3- المعاهدات التي تتعلق بانشاء المنظمات الدولية ).
   أما في ظل دستور العراق الدائم لعام 2005 فقد عالج المشرع مسألة التفاوض، والابرام، والمصادقة والنفاذ على النحو الاتي:
1- الجهة المختصة بالتفاوض:
   يختص مجلس الوزراء باجراءات التفاوض في ابرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية حيث نصت المادة 80 من الدستور على انه ( يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات الآتية : - سادسا: التفاوض بشأن المعاهدات والإتفاقيات الدولية ، والتوقيع عليها أو من يخوله ) .
2- الجهة المختصة بالتصديق (Ratification  ).
   يختص مجلس النواب العراقي بالتصديق على المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تعقدها الحكومة حيث نصت المادة 61 من الدستور على انه (يختص مجلس النواب بما يأتي : رابعاً : تنظيم عملية المصادقة على المعاهدات والإتفاقيات الدولية ، بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب ) .
   كما نصت المادة 73 من الدستور على انه (يتولى رئيس الجمهورية الصلاحيات الآتية:       ثانياً : المصادقة على المعاهدات والإتفاقيات الدولية ، بعد موافقة مجلس النواب ، وتعد مصادقاً عليها بعد مضي خمسة عشر يوماً من تاريخ تسلمها ).
   يتبين لنا أن دستور العراق الدائم لسنة 2005 اعطى لمجلس النواب الكلمة العليا في المصادقة أو عدم المصادقة على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تتفاوض على ابرامها الحكومة، دون أن يكون لرئيس الجمهورية صلاحية رفض التصديق على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بعد مصادقة مجلس النواب عليها اذ تعتبر مصادق عليها بعد مضي خمسة عشر يوما من تاريخ تسلمها ).
3- الجهة المختصة بالاصدار (  Promulgation ).
   اصدار التشريع من اختصاص السلطة التنفيذية وفقا للقواعد العامة في التشريع لذلك اناط دستور العراق هذه المهمة برئيس الجمهورية بموجب المادة 73 من الدستور، وبعد المصادقة يتم نشر المعاهدات والاتفاقيات الدولية في الجريدة الرسمية.
   ولم يصدر لحد الان قانون جديد يحل محل قانون عقد المعاهدات رقم 111 لسنة 1979 الذي يرسم اجراءات نفاذ المعاهدات والاتفاقيات الدولية الى حيز التطبيق، لذلك تكون نصوص هذا القانون هي الواجبة التطبيق في الحدود التي لا تتعارض فيها مع الدستور الجديد والنصوص القانونية النافذة. وأهم هذه الأجراءات التي تتبع في الوقت الحاضر هي التي رسمتها النصوص الاتية :
1- نصت المادة 28 من قانون عقد المعاهدات على انه:
تتولى وزارة الخارجية بناء على طلب من الجهات المختصة اعداد وثائق التفويض والتفويض بالتوقيع والاجازة اللاحقة بالتفويض بالتوقيع ووثائق التصديق او الموافقة ووثائق التفويض بتبادل وثائق التصديق ومحاضر تبادل وثائق التصديق والمذكرات المؤيدة للتصديق او الموافقة ووثائق الانضمام للاغراض المحددة في هذا القانون.
مادة 29
تقوم الوزارة او المؤسسة المختصة بترجمة نصوص المعاهدات المحررة بلغة اجنبية الى اللغة العربية وتعرض الترجمة على وزارة الخارجية لتاييدها بعد التاكد من صحة الترجمة ومطابقتها للاصل.
مادة 30
1 – تقوم الوزارة او المؤسسة المختصة بارسال عدد كاف من النسخ باللغة العربية من المعاهدة الثنائية الخاضعة للتصديق الى وزارة الخارجية مع عدد مماثل من اللائحة القانونية والاسباب الموجبة لقانون التصديق موقعة من الموظف المختص ومختومة بالختم الرسمي للوزارة او المؤسسة وصورتين مختومتين من وثيقة التفويض بالتوقيع.
وتقوم وزارة الخارجية بعد تدقيق الوثائق المرسلة اليها بموجب الفقرة 1 من هذه المادة برفعها الى رئاسة ديوان رئاسة الجمهورية للنظر في قبولها من رئيس الجمهورية والتصديق عليها من مجلس قيادة الثورة.
2 – تتولى وزارة الخارجية اتخاذ جميع الاجراءات اللازمة للموافقة على المعاهدات متعددة الاطراف بعد الاتفاق مع الجهات العراقية المعنية بالمعاهدة وذلك طبقا لاحكام هذا القانون.
مادة 31
تتولى وزارة الخارجية طبقا لاحكام هذا القانون الاجراءات اللازمة لدخول المعاهدات حيز التنفيذ وابلاغ ذلك الى مجلس قيادة الثورة – مكتب امانة السر ورئاسة ديوان رئاسة الجمهورية والوزارات والمؤسسات المختصة. كما تقوم بتحديد تاريخ دخول المعاهدات حيز التنفيذ وتصدر بيانا بذلك ينشر في الجريدة الرسمية.
مادة 32 – تودع النسخة الاصلية للمعاهدات والوثائق الاصلية المتعلقة بها كوثائق التفويض والتفويض بالتوقيع والاجازة اللاحقة بالتفويض بالتوقيع ووثائق التصديق ومحاضر تبادل وثائق التصديق والمذكرات المؤيدة للتصديق او الموافقة لدى وزارة الخارجية لحفظها في خزانة المعاهدات وتحتفظ الوزارة او المؤسسة المعنية بصورة منها.
مادة 34
تنشر المعاهدة مع قانون تصديقها او الانضمام اليها في الجريدة الرسمية.













المبحث الثالث
   ذهب جانب من فقه القانون الدولي العام الى قابلية بعض النصوص الدولية للتطبيق المباشر، ويقصد بذلك تلك المعاهدات التي تتضمن نصوصا قانونية محددة تقبل التطبيق بذاتها أمام القاضي الوطني، دون حاجة الى إصدار تشريع اخر يكملها أو يزيدها تحديدا، بمعنى أن تكون واضحة، ومحددة تسمح بتطبيقها مباشرة، ويطلق الفقه الانجلو سكسوني تسمية المعاهدات النافذة بذاتها Self Executing traities على هذا النوع من المعاهدات، ومن الملاحظ، انه نادرا ما تكون نصوص المعاهدة كلها قابلة للتطبيق الذاتي، وكقاعدة عامة، فإنها تضم الى جانب القواعد الملزمة في القانون الداخلي قواعد اخرى تخاطب الاجهزة القائمة على العلاقات الخارجية في الدولة، ويضاف ايضا، ان صياغة المعاهدات لا يتم عادة بدرجة العناية والدقة التي تصاغ عليها التشريعات الداخلية، فهي تأتي نتيجة لمحاولات التوفيق بين المواقف المتعارضة لاطرافها حول موضوع معين([12]).
   ويعد بعض الفقهاء أن مسألة التطبيق الذاتي للمعاهدات في النظام الداخلي عندما تمنح احكام المعاهدات حقوقا وواجبات للمتقاضين، وفي رأي فقهي اخر، يمكن للمعاهدة أن تطبق مباشرة في القانون الداخلي بدون تدخل الدولة، وعليه تكون المعاهدة قابلة للتطبيق المباشر بناء على الاحكام الدستورية،  فالتصديق على المعاهدة يعد كذلك على الصعيد الدولي كاف للقواعد الدولية ان تكتسب قوتها الالزامية، وحسب العمل التطبيقي للقانون الدولي، يعتبر حكم معاهدة قابلة للتطبيق بذاته اذا لم يتطلب اعمالا اضافية صادرة عن السلطة التنفيذية للدولة المتعاقدة، وبهذا لكي يكون حكم المعاهدة قابل للتطبيق بذاته أن يتضمن حقوقا وواجبات للأفراد، ويطبق بأثر فوري، ومعظم الفقهاء يرفضون طبيعة التطبيق الذاتي للمعاهدة المتضمنة حقوقا وواجبات للأفراد اذا كانت هذه المعاهدة تحيل الى اجراءات تقوم بها الدولة لضمان تنفيذ المعاهدة، والبعض الآخر من الفقهاء يميزون بين قابلية التطبيق المباشر والتطبيق الفوري للمعاهدة، وتركوا هذه المسألة لقضاة المحاكم.
   وترك مسألة التمييز بين قابلية التطبيق المباشر، وقابلية التطبيق الفوري للمعاهدة حسب بعض الفقه مهمة صعبة للقاضي الوطني، لأن ذلك يؤدي الى تفسير نية الأطراف المتعاقدة.
   ويقول جانب من الفقه فيما يخص التطبيق المباشر للمعاهدة، أن هذه الاخيرة قابلة للتطبيق مباشرة عندما تتولد عنها في القانون الداخلي حقوقا لمصلحة الاشخاص الخاصة الطبيعية والمعنوية، ويمكن لهؤلاء مطالبة السلطات العامة او المحاكم بتطبيقها، ومسألة التطبيق هذه نفسها مرتبطة بما اخذ به دستور الدولة في علاقة النظام القانوني في الدولة بالنظام القانوني الدولي، في حين، حتى وان فتحت الدولة نظامها القانوني الداخلي للقواعد القانونية الدولية الاخيرة ليست بالضرورة قابلة للتطبيق المباشر، ولا يمكن للقاعدة القانونية الدولية صفة القابلية للتطبيق الذاتي الا اذا احتوت على ميزيتين جوهريتين، احدهما ذاتية، واخرى موضوعية، أما فيما يخص الشرط الموضوعي لمسألة قابلية التطبيق المباشر للمعاهدة، هو نتيجة الشرط الذاتي، بمعنى نية الأطراف في التطبيق المباشر للمعاهدة والمطالبة بتطبيقها أمام المحاكم متى اقتضى الأمر ذلك، ويجب بالإضافة الى الشرط الذاتي الشرط الموضوعي لقابلية التطبيق للمعاهدة، أن تحتوي القاعدة نفسها على نصوص واضحة، ومحددة، ولا تتطلب في تطبيقها إتخاذ إجراءات داخلية أو دولية، وتجدر الإشارة، أن القانون الدولي في مسألة محتوى القاعدة القانونية الدولية، لا يحتوي على معيار شكلي لقابلية التطبيق لمثل هذا النوع من الأحكام في القانون الداخلي([13]).
   وما يلاحظ، حاليا أن مسألة قابلية التطبيق المباشر في تزايد بتزايد المعاهدات التي تتضمن حالة الأشخاص، وهي كذلك في تزايد في المطالبة بتطبيقها أمام المحاكم الوطنية.
   وتتمثل الميزة الذاتية في نية الاطراف المتعاقدة منح المعاهدة قابلية التطبيق المباشر، فهذا المعيار توصلت اليه محكمة العدل الدائمة في رأيها الاستشاري في 3 مارس 1928 عندما تفحصت الاتفاق المبرم بين بولونيا ومدينة دانزينغ الحرة لسنة 1921 والمتعلق بموظفي السكك الحديدية لمدينة دانزينغ ان كان هذا الاتفاق يتولد عنه حقوقا مباشرة، يطالب بها الموظفون المعنيون امام محاكم مدينة دانزينغ، وخلصت محكمة العدل الدائمة في رأيها الاستشاري هذا من خلال تفسيرها لاحكام الاتفاقية، ان نية الطرفين المتعاقدين اتجهت الى ترتيب حقوقا مباشرة لموظفي السكك الحديدية لموظفي مدينة دانزينغ، وبالتالي المطالبة بتطبيقها امام محاكم هذه المدينة.
   ومن خلال ذلك، ماذا يفعل القاضي الوطني امام معاهدة دولية هل يمكن له ان يرفض تطبيقها بسبب ان اثرها لا يتعدى الى الافراد، وانما تهم او تخاطب الدولة فقط، هذا من جهة، ومن جهة اخرى، حتى وان كانت المعاهدة ترتب حقوقا وواجبات للافراد هل يمكن للقاضي رفضها بحجة انها تحتاج اجراءات تشريعية او تنظيمية محددة لضمان تنفيذها، وتجدر الاشارة في هذا الصدد، أن المشرع الدستوري الوطني لم يميز بين المعاهدات القابلة للتطبيق بذاتها او غير القابلة لذلك.
   أما عن موقف االقضاء الوطني، فقد شهد القضاء الفرنسي مسألة قابلية التطبيق المباشر للمعاهدات ومن الامثلة على ذلك في سنة 1993 طرحت في هذه المسألة قضية تتعلق وحدها بقابلية تطبيق أربعة إتفاقيات دولية، تتمثل في اتفاقية فينا لـ 24 أفريل 1963 الخاصة بالعلاقات القنصلية، والإتفاقية الخاصة بالتعاون القضائي بين فرنسا والنمسا لسنة 1979، واتفاقية لاهاي لأول مارس 1954 المتعلقة بالاجراءات المدنية والمساعدة القضائية وأخيرا الاتفاقية الأوربية لحقوق الانسان لسنة 1950، في هذه القضية طلب شخص من مجلس الدولة الفرنسي إلغاء قرارات السلطات الفرنسية التي رفضت له طلب المساعدة القضائية المجانية من النمسا، وكذلك رفض تمثيله أمام محاكم هذه الدولة، فرفع المنازعات لمجلس الدولة الفرنسي اعترف باختصاص القاضي الإداري الفرنسي لفحص شرعية أعمال السلطات الفرنسية المتعلقة بالحماية الديبلوماسية، مع إمكانية الطعن فيها أمام المحاكم الفرنسية، وفيما يخص أحكام اتفاقية 1963 المتعلقة بالعلاقات القنصلية التي هدفها حماية ومساعدة السلطات الفرنسية لمواطنيها والتي احكامها بغاية الدقة مما ادى الى استبعاد من حيث النوع طلب المدعي لإن الوظائف القنصلية لا تشمل تمثيل المواطنين الفرنسيين أمام المحاكم الأجنبية وفيما يخص احكام الاتفاقية الاوربية لحقوق الانسان، سيما المادة السادسة الفقرة الأولى منها المتعلقة بحق الفرد في الاستماع الى قضيته بطريقة عادلة وعلنية، وفي أجل معقول هي الأخرى لا تجد تطبيق لها من حيث النوع عند القيام باجراءات قضائية من طرف فرنسي أمام محكمة أجنبية، واعتبر مجلس الدولة الفرنسي في قراره بتاريخ 29 جانفي 1993 في هذه القضية فيما يخص قابلية التطبيق المباشر أن احكام اتفاقية لاهاي للاول من مارس سنة 1954 المتعلقة بالإجراءات المدنية، واحكام اتفاقية فيينا لـ 27 فيفري سنة 1979 المتعلقة بالتعاون القضائي الفرنسي النمساوي خاصة أن هذه الأخيرة، تنص على الإنابة القضائية التي ترسل بواسطة وزيري العدل للدولتين ان هاتين الاتفاقيتين غير قابلتين للتطبيق المباشر على الافراد لانهما ترتبان التزامات بين الدول الأطراف.
   وفي مثال أخر لمسألة التطبيق المباشر، طرحت مشكلة الأثر المباشر لأحكام أو بعض أحكام اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989، فالمحكمة الادارية لمدينة ليون رفضت الأثر المباشر للمواد ( 8، 9، 10 ) من هذه الاتفاقية، التي تنص على تعهد الدول الأطراف المتعاقدة باحترام حقوق الطفل، في الإحتفاظ بعلاقاته العائلية والسهر على عدم فصل الطفل عن والديه بدون رضاهما، واحترام حقوق الطفل ووالديه في مغادرة أي بلد بما في ذلك بلدهم والعودة اليه، وبنفس الشيء حكم مجلس الدولة الفرنسي في قراره المؤرخ في 29 جويليه 1994 مع التوضيح أن خرق المادة التاسعة من اتفاقية حقوق الطفل، بعمل اداري يتضمن الطرد، لا يتمكن التذرع بها على أساس تجاوز للسلطة.
   أما على مستوى القضاء العادي، فقد اعترفت محكمة استئناف باريس بالأثر المباشر لاتفاقية حقوق الطفل، ولكن محكمة النقض الفرنسية أنكرت ذلك على الأفراد فيما يخص كافة احكام اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989، وأسست المحكمة حكمها على المادة الرابعة من هذه الاتفاقية التي تلزم الدول اتخاذ التدابير التشريعية والإدارية لتطبيق هذه الاتفاقية، وعليه في حالة غياب هذه التدابير لا يمكن للفرد المطالبة بتطبيقها أمام القضاء الفرنسي.
   وفي تقريرها للجنة حقوق الطفل صرحت المانيا الفيدرالية أن اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 لا تطبق مباشرة على الصعيد الداخلي، وهذه الاتفاقية تفرض على الدول التزامات متعلقة بالقانون الدولي التي تعمل بها المانيا الفدرالية تطبيقا للتشريع الوطني المطابق للاتفاقية.
   واوضح تقرير الولايات المتحدة الامريكية لسنة 1994 حول تطبيقها لاتفاقيات حقوق الأنسان، مسألة قابلية التطبيق المباشر فيما يخص معاهدات حقوق الأنسان، حيث جاء في هذا التقرير أنه يمكن للأشخاص المطالبة بتطبيق المعاهدة مباشرة امام المحاكم الداخلية، وبدون صدور قانون داخلي لتطبيقها، وفي هذه الحالة، تكون المعاهدة او بعض احكامها المطالب بتطبيقها قابلة للتطبيق بذاتها، كما يمكن الا تطبق مباشرة امام المحاكم الداخلية، لكون احكامها لا تقبل التطبيق الذاتي، وفي هذه الحالة اذا صادقت عليها الولايات المتحدة الامريكية، وهناك قانون داخلي يتماشى مع احكام هذه المعاهدة، ففي هذه الحالة لا تصدر الولايات المتحدة قانونا داخليا لتطبيقها، لأن اثر هذه المعاهدة موجود على المستوى الداخلي، أما اذا رأت ضرورة إصدار قانون لتطبيق هذه المعاهدة، فتصدر ذلك وتصادق على المعاهدة.
   أما في بلجيكا، فمن المستقر عليه هناك ان المعاهدة اذا لم توضح صراحة انها أو بعض أحكامها لها أثر مباشر، فالقاضي هو الذي يقرر أن كانت المعاهدة أو بعض أحكامها تطبق مباشرة، ويتعلق الأمر هنا بتفسير القاضي المستوحى من المواد 31 الى 33 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969، وفيما يخص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، الذي لم يوضح صراحة إن كانت احكامه لها طابع مباشر في تطبيقها حسب تقرير بلجيكا حول تطبيقها لاتفاقيات حقوق الانسان سنة 1995، وحكمت محكمة النقض البلجيكية في قرارها بتاريخ 17 جانفي 1984 أن المادة التاسعة الفقرة الثانية منها من هذا العهد، لها اثر مباشر على الأشخاص، ومنذ ذلك الحين اكدت نفس المحكمة الطابع المباشر لعدة احكام أخرى من هذا العهد.
   وفي هولندا، لاحظت لجنة حقوق الأنسان، أن معظم اتفاقيات حقوق الأنسان تطبق مباشرة في هذا البلد،في حين فيما يخص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 الذي يمكن بطبيعته توسيع الحقوق المذكورة فيه الى الكل وقابليته للتطبيق يرجع الى المحاكم للفصل ان كانت هذه الحقوق تطبق مباشرة على الأفراد بدون اتخاذ تشريع خاص بها.
   ويذهب جانب من الفقه فيما يخص المعاهدات المتعلقة بالتجريم والعقاب([14])، حيث يتعلق الأمر بحقوق الأفراد وحرياتهم، فتطبيق مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يقتضي أن تكون صياغة النصوص الجنائية دقيقة وواضحة، فلا يكفي حصر الأفعال التي تعتبر جرائم وأنما ينبغي تعريف كل جريمة، وتحديد أركانها، وعناصرها، وأن يراعي عند تحديد الجزاء الجنائي تبيان نوعه، وماهيته، وكيفية تقديره، والقانون الجنائي هو قانون جزائي له نظام قانوني مستقل عن غيره من النظم القانونية، له اهدافه الذاتية، ويرمي من وراء العقاب، الى الدفاع عن أمن الدولة، ويمكن تحديد موضع المعاهدات الدولية بالنسبة لمصادر القانون الجنائي، بالتمييز بين القواعد المتعلقة بالتجريم والعقاب، والقواعد المتعلقة بإزالة صفة التجريم.
   فبالنسبة لقواعد التجريم والعقاب، يلاحظ أن المعاهدات الدولية لا تصاغ قواعدها في الغالب بطريقة دقيقة ومحددة، وفي هذا الصدد، قضت محكمة النقض المصرية في 28 مارس 1971، أن الاتفاقية الدولية للمخدرات الموقعة في نيويورك سنة 1961 هي مجرد دعوة من الدول بصفتهم من أشخاص القانون الدولي العام، الى القيام بعمل منسق لضمان فعالية التدابير المتخذة ضد إساءة استعمال المخدرات، ويتبين من نصوص هذه الاتفاقية، انها لم تلغ ولم تعدل صراحة، أو ضمنا، احكام قوانين المخدرات المعمول بها في الدول، حيث نصت المادة 36 منها على الأحوال التي تدعوا الدول الى تجريمها والعقاب عليها دون أن تتعرض الى تعريف الجرائم وإجراءات المحاكمة، وتوقيع العقاب، وتركت ذلك الى القوانين الداخلية للدول المنظمة اليها، ويؤكد ذلك ما جاء في الفقرة الرابعة من المادة المذكورة، انه " لا تتضمن هذه المادة اي حكم يخل بمبدأ تعريف الجرائم التي ينص عليها ومحاكمة مرتكبيها ومعاقبتهم ، وفقا للقوانين المحلية في الدول الاطراف المعينة "، ونفس الشيء، كذلك ما جاء في الاتفاقية الدولية لمكافحة الاتجار في الاشخاص واستغلال بغاء الغير لسنة 1950 فحددت هذه الاتفاقية الافعال التي تخضع للتجريم في المادتين الاولى والثانية منها، فنصت الاولى على ان " توافق اطراف هذه الاتفاقية على معاقبة كل شخص يرتكب مايأتي اشباعا لشهوات الغير : اولا، استخدام او استدراج او اغواء شخص اخر ولو برضائه بقصد البغاء. ثانيا، استغل شخص اخر، ولو برضاه ". كما نصت المادة الثانية من هذه الاتفاقية على انه " توافق اطراف هذه الاتفاقية على عقاب كل شخص : اولا، فتح او ادار بيت للبغاء، او موله او اسهم في تمويله مع علمه بذلك. ثانيا، اجر او استأجر بناءا او مكانا اخر، او جزءا من بناء او مكان بقصد بغاء الغير ". فهاتين المادتين، وان حددتا بعض الافعال التي تعتبر جرائم، فلم تنصا على تحديد الجزاء الجنائي لهذه الجرائم فالامر متروك للدول الاطراف في الاتفاقية، ونفس الشيء بالنسبة لاتفاقيات جنيف لسنة 1929 و 1949 الخاصة بمعاملة اسرى وجرحى الحرب، فمنعت كل صور الاعتداء عليهم دون تحديد للجزاء الخاص لكل صورة من صور هذا الاعتداء، فمن الضروري تدخل التشريعات الوطنية في هذه الاتفاقية وهو ما فعله المشرع المصري عندما اضاف المادة 251 مكرر الى قانون العقوبات لتقرير ظرف مشدد لعقوبة جريمة القتل، والجرح، والضرب واعطاء المواد الضارة، حتى ولو وقعت اثناء الحرب على جرحى الاعداء.
   وتجدر الاشارة الى ان المسائل المتعلقة بالقانون الدولي الانساني، من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية التي انشأتها اتفاقية روما لسنة 1998 ودخلت حيز التنفيذ في  الاول من سنة 2002 بعد تصديق ستين دولة عليها، ومقر هذه المحكمة مدينة لاهاي، وتختص بالنظر في جرائم الابادة والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب.
   أما بالنسبة لدور المعاهدات الدولية في مجال ازالة صفة التجريم، او العقاب عن افعال مجرمة، فالأمر يختلف عن المعاهدات التي تتطلب إتخاذ التشريع لتوقيع الجزاء، فيكفي أن تنص المعاهدة على اعتبار الفعل المجرم حقا من الحقوق وكان هذا الحق محظورا من قبل فالمعاهدة أو النص يزيل صفة التجريم عن استخدام هذا الحق، وهذا ما حكمت به محكمة أمن الدولة العليا طوارىء (1) سنة 1987 في قضية اضراب عمال سكك الحديد، حيث قضت في حكمها بالبراءة من جريمة الإضراب تطبيقا للإتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة الثامنة منها، التي تنص على " تتعهد الدول الأطراف في الإتفاقية الحالية بأن تكفل ... الحق في الإضراب على أن يمارس طبقا لقوانين القطر المختص ".
   وقد يترتب على تطبيق نصوص المعاهدة محو الجزاء الجنائي فقط، مثل ما نصت عليه الإتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية في المادة الحادية عشر بقولها " لا يجوز سجن إنسان على أساس عدم قدرته بالتزام تعاقدي فقط ".
   أما في العراق فأن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي يصادق عليها العراق وتنشر في الجريدة الرسمية فتعد جزءا من القانون الداخلي دون أن تكون لها اية علوية على القانون الداخلي وانما تعامل معاملة التشريعات الداخلية، أما اذا وجد تعارض بينها وبين القوانين الداخلية، فأن القاضي الوطني ملزم بتطبيق قواعد التفسير التي تزيل هذا التعارض بالاستعانة بالقاعدتين الاتيتين:
الخاص يقيد العام.
اللاحق يلغي أو يعدل أو يقيد السابق.
    وبالاستعانة بهذه القواعد يمكن للقاضي الوطني تطبيق نصوص الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، مالم تكن نصوص الاتفاقية غير قابلة للتطبيق لعدم وضوحها أو لانها بحاجة الى قانون يصدر لتسهيل تطبيق نصوصها، فيلتزم مجلس النواب باصدار التشريعات اللازمة لتسهيل تطبيق الاتفاقية.    
خلاصة القول.         
   تبين لنا من خلال البحث اختلاف النظم القانونية في تحديد الجهة المسؤولة عن ابرام المعاهدات والمصادقة عليها، فهناك من حصرها بالسلطة التنفيذية متمثلة برئيس الدولة، ومنها حصرها بالسلطة التشريعية، ومنها من جعلها مناصفة بين السلطة التنفيذية والتشريعية.
   وبالرجوع الى التظام القانوني في العراق، نجد أن السلطة التنفيذية التي كانت تتمثل في النظام السابق برئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس الجمهورية هو من كان بيده زمام المبادرة في عقد المعاهدات والمصادقة عليها، ولكن الامر اختلف في ظل دستور العراق الجديد، فنجد السلطة التشريعية التي تعد الممثل الحقيقي للشعب العراقي هي المختصة من الناحية القانونية في التصديق على المعاهدات التي تبرمها الحكومة، ويقتصر دور رئيس الجمهورية على اصدار المعاهدات التي تصادق عليها السلطة التشريعية بقانون ينشر بالجريدة الرسمية.
   كما وجدنا أن قانون عقد المعاهدات رقم 111 لسنة 1979 لازال نافذا لعدم اصدار القانون الجديد الذي يجب لصدوره موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب، لذلك ندعو المشرع العراقي الى الاستعجال في اصدار هذا القانون لاكمال النظام القانوني وازالة التعارض الذي قد يحدثه تطبيق قانون عقد المعاهدات رقم 111 لسنة 1979.
   أما فيما يتعلق بالقيمة القانونية لنصوص المعاهدات الدولية، فقد تبين لنا أن النظام القانوني العراقي لا يعطى لنصوص المعاهدات التي يتم المصادقة عليها ونشرها في الجريدة الرسمية سوى قيمة التشريعات الداخلية، وهذا يعني أن لا علوية لنصوص المعاهدات على نصوص التشريعات الداخلية في القانون العراقي.  
  


1- أنظر في تعرف المعاهدة: د. علي صادق ابو هيف، القانون الدولي العام، منشأة المعارف، ط9، الأسكندرية، 1971، ص559 – 560، د. اسماعيل الغزال، القانون الدولي العام، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، بيروت، 1986، ص21، د. مصطفى أحمد فؤاد، القانون الدولي العام، القاعدة الدولية، دار الكتب القانونية، مصر، 2004، 245.
2- انظر: د. مصطفى أحمد فؤاد، مصدر سابق، 247-248.
3- Art (2) ( Treaty means an international agreement concluded between states in written from and governed by internationallaw ).
4- خاصة بعد الفتوى الشهيرة لمحكمة العدل الدولية التي قضت فيها بأحقية المنظمات الدولية في طلب التعويضات عن الاضرار التي تلحق بالعاملين أثناء توليهم أعمالهم.
5-  نصت الفقرة الاولى من المادة الاولى على انه ( يسري هذا القانون على المعاهدات الدولية التي تعقد باسم الجمهورية العراقية او حكومتها مع دولة او دول اخرى او حكوماتها او منظمة دولية او اي شخص قانوني دولي اخر تعترف به الجمهورية العراقية ).
6- انظر: د. علي صادق أبو هيف، مصدر سابق، ص 457.
4- من ذلك معاهدة القضاء على تجارة الرقيق مع بريطانيا وكولومبيا عام 1824، ومعاهدة ضم ولاية تكساس عام 1844، ومعاهدة تبادل المطلوبين مع بلجيكا عام 1853، ومعاهدة فرساي عام 1919، والتي أدى عدم تصديق مجلس الشيوخ عليها الى عدم دخول الولايات المتحدة الأمريكية في عصبة الأمم. انظر: جيرهارد فان غلان، القانون بين الأمم، ترجمة عباس العمر، دار الجبل، بيروت، 1990، ص177. 
9- انظر: عزيز كايد، الرقابة البرلمانية على المعاهدات التــي تبرمها السلطة التنفيذية، سلسلـــــة التقارير القانونية ( 29 )، الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، رام الله – آذار، 2002، ص21 وما بعدها.
10- د. علي ابراهيم، مصدر سابق، ص303. 
11- المصدر نفسه، ص304.
12- انظر: د. عبد القادر القهوجي، المعاهدات الدولية أمام القاضي الجنائي، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 1997، ص 17-18.
13- انظر: زيوي خير الدين، إدماج المعاهدات الدولية في النظام القانوني الداخلي الجزائري طبقا لدستور لسنة 1996، رسالة ماجستير، ( كلية الحقوق- جامعة الجزائر )، 2003، ص 75-76.
14- انظر: د. عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص17- 23.

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 5:04 م
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi