19‏/7‏/2011

التكامل الاقتصادي


المطلب الأول: نشأة التكامل

يعتبر التكامل الاقتصادي سمة من سمات التنمية الاقتصادية والتطلع للوحدة الاقتصادية في الوقت الراهن، وهذا لما تتطلبه مقتضيات البيئة الاقتصادية الدولية المتنامية باستمرار، فمن الناحية التاريخية ترجع فكرة التكامل الاقتصادي وأساسياته إلى الاقتصادي » فاينر « سنة1950، حيث بين أن شكل أو درجة من درجات التكامل تجمع بين أسس نظرية التجارة، الحرية أو الحماية. لذا تأكدت أهمية التكامل في النصف الثاني من القرن العشرين، وأصبح جليا أن عملية النهوض بالاقتصاديات نحو التقدم لن يتحقق بالسرعة والشكل المطلوبين دون تكامل اقتصاديات الدول المعنية في شكل اتحادات جمركية أو مناطق تجارة حرة…إلخ، كما استخدم التكامل في تلك الفترة وجهة محددة بحيث أخذت الدراسات الاقتصادية انطلاقا من الثمانينات من القرن الماضي لتربط التكامل الاقتصادي بمبدأ الكفاية الإنتاجية من خلال استغلال الإمكانات البشرية، والموارد المادية بصورة مشتركة ضمن منطقة اقتصادية لا تتعدى الحدود الوطنية. وقد أخذت الدعوة للتكامل الاقتصادي تتوسع وتزداد أهميتها في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، فازداد عدد الدول التي اعتمدت سياسة التكامل الاقتصادي في العالم سواء كانت هذه الدول متقدمة أو دول نامية.

المطلب الثاني: تعريف التكامل الاقتصادي

هناك اختلاف كبير بين الاقتصاديين حول تحديد مصطلح التكامل الاقتصادي، فالبعض منهم استعمل مصطلح الاندماج والبعض الآخر استعمل مصطلح التعاون وآخرون استعملوا مصطلح التكتل. ويرجع هذا الاختلاف بوجه عام إلى التباين في وجهة نظر هؤلاء الاقتصاديين حول التكامل المقترح بين مجموعة من الدول، هل هو في شكل اتفاقيات ثنائية أو تعاون بين دولتين أو في شكل تكامل إقليمي بين مجموعة من الدول من أجل إنشاء كتلة اقتصادية، هنا تجدر الإشارة إلى أن الاقتصاديين يستخدمون مصطلح التكامل لنقل معنى التعبير الإنجليزي Intégration) ( وفي اللغة الإنجليزية اشتق هذا اللفظ من ( Enteger) الذي يعني الشيء المتراكب عضويا في كل لا يتجزأ، مثل ما يسمى في الرياضيات الواحد الصحيح. كما أن بعض الاقتصاديين الذين كتبوا في هذا المجال يعرفون التكامل الاقتصادي أحيانا حسب أسبابه وأحيانا أخرى حسب أهدافه، لهذا نرى أن مصطلح التكامل لم يحظ باتفاق عام بين مختلف الكتاب الاقتصاديين شأنه شأن المفاهيم والتعريفات الأخرى التي تخص العلوم الاقتصادية، وتماشيا مع هذه الملاحظة، نحاول تقديم بعض التعريفات الخاصة بمصطلح التكامل الاقتصادي التي قام بها مجموعة من رواد الفكر الاقتصادي التكاملي، كما يلي:
يعرف » بيلا بلاسا « التكامل الاقتصادي على أنه عملية وحالة، فبوصفه عملية فإنه يشمل الإجراءات والتدابير التي تؤدي إلى إلغاء التمييز بين الوحدات المنتمية إلى دول قومية مختلفة، وإذا نظرنا إليه على أنه حالة فإنه في الإمكان أن تتمثل في انتفاء مختلف صور التفرقة بين الاقتصاديات القومية. انطلاقا من هذا التعريف نلاحظ أن » بيلا بلاسا « يعتمد على مناقشة قضية التمييز أو التدخل الحكومي وعلاقتها بسياسة تحرير التجارة الدولية، إذ يذهب هذا الاقتصادي إلى اعتبار أن اختفاء التمييز أو التدخل الحكومي يعد شرطا منطقيا ومدخلا طبيعيا لتحرير التجارة بين مجموعة الدول الأعضاء في التنظيم التكاملي.
أما الاقتصادي » ميردال « ، فيرى أن مفهوم التكامل لا بد أن يشمل العمل على زيادة الكفاءة الإنتاجية ضمن الكتلة الاقتصادية المشكلة، وذلك مع إعطاء الفرص الاقتصادية المتساوية للأعضاء في هذا التكتل بغض النظر عن سياساتهم.
يرى الاقتصادي » ماخلوب « أن التعريف الأكثر ملائمة لهذا المصطلح ينصرف إلى أن فكرة التكامل الاقتصادي التام تنطوي على الإفادة الفعلية من كل الفرص التي يتبعها التقسيم الكفء للعمل، وهنا يناقش » ماخلوب « التعريف الذي يصدق على مفهوم التكامل الاقتصادي، فيضيف أنه في نطاق أية منطقة تكاملية يتم استخدام عوامل الإنتاج والسلع كما يتم تبادلها بالدرجة الأولى على أساس حساب الكفاءة الاقتصادية البحتة وبصفة أكثر تحديدا دون تمييز وتحيز متعلقين بالمكان الجغرافي الذي نشأت فيه هذه السلعة.
أما الاقتصادي » هوفمان « يقول بأن قيام تكامل اقتصادي لا بد من وجود تساوي في أسعار السلع وعناصر الإنتاج في المنطقة التكاملية.
يعرف » تنبرجن « التكامل على أساس احتوائه على جانبين سلبي وإيجابي فيسير التكامل في جانبه السلبي إلى إلغاء واستبعاد أدوات معينة في السياسة الاقتصادية الدولية، أما الناحية الإيجابية منه فتشير إلى الإجراءات التدعيمية التي يراد بها إلغاء عدم الاتساق في الضرائب والرسوم بين الدول الرامية إلى التكامل، وبرامج إعادة التنظيم اللازمة لعلاج مشاكل التحول والانتقال.


وقد اقترح أحد الباحثين مفهوما شموليا بحيث يرى في التكامل الاقتصادي عملا إيراديا من قبل دولتين أو أكثر، يقوم بإزالة كافة الحواجز أمام المعاملات التجارية وانتقالات عوامل الإنتاج فيما بينها. كما أنه يضمن تنسيق السياسات الاقتصادية، وإيجاد نوع من تقسيم العمل بين الدول الأعضاء بهدف زيادة الإنتاجية العامة مع وجود فرص متكافئة لكل دولة عضو. ويبقى التكامل الاقتصادي في مفهومه الحديث عملية سياسية اقتصادية واجتماعية مستمرة باتجاه إقامة علاقات اندماجية متكافئة بخلق مصالح اقتصادية متبادلة وتحقيق عوائد مشتركة متناسبة من خلال خلق مزيد من التداخل بين هياكلها الاقتصادية والاجتماعية، وأمام تعدد المفاهيم المقدمة لمصطلح التكامل الاقتصادي يمكن القول بأن التكامل الاقتصادي هو عملية إلغاء كافة الحواجز الجمركية وغير الجمركية بين مجموعة من الدول المتكاملة، مع تنسيق السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية مما يؤدي إلى خلق تكتل اقتصادي جديد يحل محل الاقتصاديات الوطنية في المنطقة التكاملية.
انطلاقا من هذه التعريفات يتضح أن التكامل الاقتصادي عملية ليست بسيطة بل هي عملية على درجة عالية من التعقيد والشمول ومن بعد المدى في العلاقات الاقتصادية والسياسية. كما أنها ترتبط بتحقيق تغيرات وأثار شكلية في الاقتصاد الوطني لأطراف عملية التكامل، فهناك اتجاهين رئيسين يمكن التمييز بينهما:
الاتجاه الأول: اتجاه عام يعرف التكامل على أنه أي شكل من أشكال التعاون أو التنسيق بين الدول المختلفة دون المساس بسيادة أي منهما. وينتقد هذا التعريف لاتساعه، الأمر الذي يجعل العلاقات ذات الطابع التعاوني بمثابة علاقات تكاملية وهو ما يجعل من التكامل مفهوم لا معنى له. كما أنه يغفل التمييز بين التكامل من ناحية والتعاون والتنسيق من ناحية أخرى.
الاتجاه الثاني: فهو اتجاه أكثر تحديدا يعتبر التكامل عملية لتطوير العلاقات بين الدول وصولا إلى أشكال جديدة مشتركة بين المؤسسات التفاعلات التي تؤثر على سيادة الدولة.
إذن فتعدد التعريفات لاصطلاح التكامل الاقتصادي يضع عقبة للوصول إلى صيغة موحدة تلقى قبولا عاما بين مختلف الباحثين في المجال الاقتصادي. وفي هذا الخصوص يمكن القول أن اصطلاح التكامل الاقتصادي يشمل مجموعة من العناصر التالية:
-
ينظر إلى التكامل على أنه حالة تقود الدول الأعضاء في المنطقة التكاملية إلى وضع يتجه نحو التخصيص الأمثل للموارد الاقتصادية، كما يتجه إلى إذابة الاقتصاديات القومية في كيان جديد
يعرف عادة بمرحلة » التكامل الاقتصادي التام « كهدف نهائي تتجه إليه جهود الدول الأعضاء وتعمل على تحقيقه.
-
تغذية الدول الأعضاء بالإجراءات والتدابير الضرورية والكافية لإحداث التغييرات المطلوبة في الهياكل الاقتصادية للدول الأعضاء في المنطقة التكاملية.



المطلب الثالث: إجراءات التكامل الاقتصادي
يقصد بالتكامل الاقتصادي عادة مجموعة من الدول المتقاربة في المصالح الاقتصادية أو في الموقع الجغرافي على إلغاء القيود على حركة السلع والأشخاص ورؤوس الأموال فيما بينها مع قيامها بالتنسيق بين سياساتها الاقتصادية لإزالة التمييز الذي قد يكون راجعا إلى الاختلافات في هذه السياسات .
إلغاء القيود على حركة السلع :
إن الدافع الأساسي للتكامل الاقتصادي هو عادة ضيق السوق المحلية وعدم قدرتها على امتصاص كل كمية السلع التي تنتجها المشروعات الإنتاجية في الدولة. ومن ثم فان هذه السلع إن لم تجد لها سوقا خارجية لتصريفها لترتب على ذلك تكدسها وعدم تصريفها , ولنتج عن ذلك خسائر وأضرار جسيمة بالنسبة للاقتصاد القومي. لذا يصبح من الضروري البحث عن وسيلة لتوسيع نطاق السوق, وخلق طلب إضافي جديد للسلع التي تنتجها المشروعات الإنتاجية المختلفة في الدولة.
إلغاء القيود على حركة الأشخاص :
المقصود بإلغاء القيود على حركة الأشخاص هنا هو فتح أبواب الهجرة بين الدول المتكاملة بحيث يستطيع الأفراد في أي دولة منها المهاجرة إلى الدول الأخرى سعيا وراء العمل المناسب وطلبا للأجور العالية. والواقع إن التكامل الاقتصادي يعتبر من أهم العوامل المؤدية إلى إعادة توزيع السكان في البلدان المعنية بما يحقق قدر اكبر من التناسب بين عددهم وبين الموارد المتاحة. فمن ناحية نجد إن إطلاق حرية التنقل للأفراد داخل الدول التكامل المختلفة يكون من شانه التعجيل بانتقال العدد الفائض من السكان للدولة المكتظة إلى الدول التي تعاني من نقص في عدد السكان , وبذلك يخف الضغط عن الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة , وتتلاشى حدة النقص في الدول ذات الكثافة السكانية المنخفضة . وينتج عن هذا التعديل في توزيع السكان تحقيق الانسجام والتناسب بين الموارد البشرية والموارد الأخرى مما يقضي على مشاكل البطالة وانخفاض مستويات المعيشة في الدول المتكاملة. ومن ناحية أخرى تستطيع الدول التي تعاني من نقص في الأيدي العاملة المدربة, وفي الفنيين المتخصصين إن تجد العدد الكافي منهم مما يمكنها من استغلال مواردها بأكبر كفاءة ممكنة ومما يزيد من درجة تخصصها الإنتاجي بوجه عام. ومثل هذه المزايا كلها يتعذر تحقيقها في ظل القوانين والتشريعات التي تنتهجها الدول في الوقت الحاضر , والتي تمنع هجرة الأجانب إلى أراضيها إلا في أحوال معينة , والتي تحرم عليهم العمل ومزاولة أي نوع من أنواع النشاط التجاري أو المالي إلا بعد الحصول على موافقة السلطات المختصة . لذلك يتحتم على الدول التي ترغب في إقامة تكامل اقتصادي فيما بينها أن تلجأ أولا إلى تعديل قوانينها وتشريعاتها الخاصة بالهجرة ومعاملة الأجانب بحيث تتفق مع الوضع الجديد , فتسمح لرعايا الدول الأعضاء في التكامل بالمهاجرة إليها , والإقامة فيها , ومزاولة الأعمال المشروعة بدون أي تمييز أو تفضيل بينهم على أساس الجنس أو اللون أو العقيدة , وإعطائهم كافة الحقوق التي للوطنيين من حيث التمتع بخدمات الأمن , العدالة , التعليم والصحة وغيرها من الخدمات العامة.
إلغاء القيود على حركة رؤوس الأموال :
المقصود بإلغاء القيود على حركة رؤوس الأموال هنا هو إلغاء كافة التدابير والقيود التي تحول دون دخولها الحدود الإقليمية للدول المتكاملة أو خروجها منها, وذلك بقصد تشجيع استثمارها إقليميا في نواحي الإنتاج, البيع, التسويق وغيرها من النواحي التي تساعد على زيادة الإنتاج وتنشيط التجارة بين الدول المتكاملة. هذا فضلا عما يؤدي إليه كل هذا من زيادة دخولهم القومية, ورفع مستوى معيشة سكانها, وزيادة قدرتهم الشرائية, ومن ثم زيادة طلبهم على مختلف السلع التي تنتجها المشروعات الإنتاجية مما يكفل لها التقدم والازدهار. ومثل هذه المزايا كلها لا يمكن تحقيقها في ظل القيود العديدة التي تفرضها الدول عادة على حركة رؤوس الأموال وهجرتها من دولة إلى أخرى سعيا وراء الكسب وفرص الاستثمار المربحة والتي من أمثلتها الأنظمة المختلفة من للرقابة على الصرف ومنع حرية التحويل الخارجي للعملة وغيرها من القيود التي تعوق انتقال رؤوس الأموال من دولة لأخرى . لذا يصبح من الضروري على الدول التي ترغب في إقامة تكامل اقتصادي فيما بينها أن تقوم بإلغاء كافة القيود المفروضة على انتقال رؤوس الأموال بحيث يغدو انتقالها من دولة لأخرى داخل نطاق المنطقة المتكاملة خاضعا لاعتبارات إنتاجية الاستثمار أكثر مما يكون خاضعا للعوامل الأخرى مثل قيود الصرف بأشكالها المختلفة.
تنسيق السياسات الاقتصادية :
يستلزم نجاح التكامل الاقتصادي التنسيق بين سياسات الدول الأعضاء في النواحي المالية والنقدية
النواحي المالية : يتعين توحيد أسعار الضرائب, وتنسيق اللوائح التي تنظمها بين كافة دول التكامل . ذلك لان اختلاف أسعار الضرائب وتضارب لوائحها بين دول التكامل المختلفة من شانه أن يؤدي إلى تقييد حركة رؤوس الأموال المعدة للاستثمار بين بلد وآخر, والى تقييد مبادلات السلع حتى ولو ألغيت عنها الرسوم الجمركية إلغاءا تاما. فمثلا نجد أن تفاوت سعر الضرائب الخاصة بالدخل والأرباح من دولة إلى أخرى داخل نطاق المنطقة المتكاملة من شانه أن يؤدي إلى عزوف رؤوس الأموال عن الهجرة إلى تلك الدول التي يكون فيها سعر الضريبة مرتفعا, بينما نجدها تهاجر إلى تلك الدول التي يكون فيها سعر الضريبة منخفضا . ويؤدي مثل هذا التفاوت في سعر الضريبة الواحدة التي تركز الاستثمارات في دول معينة دون بقية دول التكامل الأخرى مما يعمل على إضعاف التكامل والتقليل من شانه.


النواحي النقدية: يتعين تثبيت أسعار الصرف بين عملات الدول الأعضاء في التكامل وإباحة حرية التحويل بينها. ذلك لان تقلبات أسعار الصرف بين عملات الدول المختلفة من شانه أن يؤدي إلى تقلب أسعار السلع موضوع التبادل مما يعرض المتعاملين في الدول المتكاملة لمخاطر كثيرة, كما أن منع حرية تحويل العملات إلى بعضها البعض داخل نطاق المنطقة المتكاملة من شانه أن يؤدي إلى تقييد التبادل التجاري بين دول التكامل حيث يؤدي ذلك إلى إحجام الدول التي يتجمع لديها مقادير غير عادية من عملات الدول الأخرى عن تصدير منتجاتها إلى هذه الدول, وذلك خشية من أن يؤدي تراكم العملة غير القابلة للتحويل إلى إحداث تضخم في بلادها . هذا فضلا عما تؤدي إليه تقلبات أسعار الصرف وعدم القابلية للتحويل من تقييد حركة انتقالات رؤوس الأموال بين دول التكامل.



المطلب الرابع: أشكال التكامل الاقتصادي
تختلف أشكال التكامل الاقتصادي تبعا لاختلاف الدرجة التي يبلغها اندماج اقتصاديات الدول المتكاملة. فمنها ما يكون " كاملا " أي أن الاندماج يشمل كافة النواحي بلا استثناء فتلغى جميع القيود على حركات السلع, الأشخاص ورؤوس الأموال (لا رسوم جمركية أو قيود كمية, نفس التعريفة الخارجية), تتداول عملة موحدة, توضع ميزانية موحدة, وتتبع سياسات مالية ونقدية واجتماعية موحدة. ويلاحظ أن هذا النوع من التكامل الاقتصادي الكلي غير متصور بدون تكامل سياسي. وعلاوة على ذلك, في معظم الحالات تكون الدوافع السياسية للتكامل أقوى من الدوافع الاقتصادية. ومنها ما يكون " جزئيا " أي أن الاندماج يقتصر فقط على نواحي معينة, مثال على ذلك مناطق التجارة الحرة, الاتحادات الجمركية, والأسواق المشتركة. ويلاحظ أن هذا النوع من التكامل الاقتصادي الجزئي هو الغالب نظرا لأنه لا يستلزم قيام الوحدة السياسية إلى جانب الوحدة الاقتصادية. لذلك فان اهتمامنا هنا سينصب أساسا على دراسة التكامل الاقتصادي الجزئي.
منطقة التجارة التفضيلية:
من أجل تنشيط التبادل التجاري بين دولتين أو أكثر، تقوم هذه الأخيرة بإقامة منطقة تجارة تفضيلية، والتي نعني بها اتفاقيات تجارية تتم بين مجموعة من الدول تهدف إلى تخفيض العوائق التجارية سواء كانت جمركية أو غير جمركية على الواردات التي تتم بينهما دون إلغائها كلية، مع الحفاظ أو الزيادة من العوائق على السلع المستوردة من الدول غير الأعضاء في منطقة التفضيل. ومن أمثلة هذا النوع من الاتفاقيات التجارية التفضيلية العوائق التي تفرضها الدول الأوربية على وارداتها من الدول النامية، وفي هذا الخصوص يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
-1
تقتصر هذه الدرجة التكاملية على مجرد تخفيض العقبات الجمركية وغير الجمركية دون إلغائها كلية.
-2
تنصب هذه المعاملة التفضيلية الجمركية على الشق السلعي للتجارة الإقليمية بين مجموعة الدول الأعضاء في منطقة التفضيل ولكنها لا تمتد إلى الشق النقدي للتجارة الإقليمية بين هذه الدول.
-3
يلاحظ أن الدول الأعضاء في منطقة التفضيل الجمركية تحتفظ بحق صياغة وتحديد نمط سياساتها القطرية في المجالات الجمركية وغير الجمركية دون الدخول في ترتيبات مشتركة مع باقي الدول الأعضاء في هذا الخصوص.


منطقة التجارة الحرة :
في هذا الشكل للتكامل الاقتصادي, تلغى الرسوم الجمركية والقيود التجارية الأخرى على حركة السلع بين الدول الأعضاء, ولكن تحتفظ كل دولة بحقها في تحديد مستوى رسومها الجمركية وشدة القيود التجارية الأخرى تجاه بقية دول العالم. ويترتب على ذلك أن تتحقق حرية انتقال السلع في داخل الدول الأعضاء. وبعبارة أخرى فإنشاء منطقة للتجارة الحرة بين دولتين أو أكثر هو بمثابة إدماج لأسواق السلع القومية لتلك الدول في سوق واحدة كبيرة تتحقق في داخلها حرية انتقال السلع التي يكون منشأها أي دولة عضو.
ويلاحظ أن فكرة منطقة التجارة الحرة لا تتضمن إلغاء القيود على تحرك الأشخاص أو رؤوس الأموال بين الدول الأعضاء, أو تنسيق السياسات الاقتصادية والاجتماعية لتلك الدول. كذلك يلاحظ أنها لا تقيد حق أي دولة عضو في عقد اتفاقات تجارية أو اتفاقات دفع مع الدول الأخرى الخارجة عن نطاق المنطقة أو تجديد الاتفاقات المعقودة مع هذه الدول.
والمشكلة الرئيسية التي تواجه مناطق التجارة الحرة عادة هي مشكلة إعادة التصدير وما يتولد عنها من احتمالات انحراف التجارة عن طرقها الطبيعية داخل نطاق المنطقة, وبخاصة كلما كان هناك تباين ملحوظ في الرسوم الجمركية الخارجية للدول الأعضاء. فغالبا ما يؤدي عدم توحيد الرسوم الجمركية الخارجية للدول الأعضاء في المنطقة إلى اشتداد عمليات إعادة التصدير حيث يزيد احتمال تسرب بعض المنتجات الأجنبية المنشأ إلى داخل نطاق المنطقة وبوجه خاص إلى داخل الدول الأعضاء ذات الرسوم الجمركية العالية عن طريق الدول الأعضاء ذات الرسوم الجمركية المنخفضة, وذلك حتى يمكن تفادي دفع الرسوم الجمركية عليها إذا كان هذا يحقق مصلحة المستوردين في هذه الدول الأخيرة.
وهكذا نلاحظ أن هناك احتمال كبير في أن تقوم بعض الدول في المنطقة التي تحتفظ برسوم جمركية خارجية منخفضة في مواجهة بقية دول العالم باستصاد كميات أساسية من السلع الأجنبية ثم تقوم بإعادة تصديرها إلى بقية الدول الأخرى الأعضاء في المنطقة التي تحتفظ برسوم خارجية مرتفعة نسبيا بحجة أنها من منتجاتها المحلية المعفاة من الضرائب . وبهذه الطريقة ستجدب الدول ذات الرسوم الجمركية الخارجية المنخفضة في المنطقة نصيب متفاوت من تجارة العالم الخارجية مما يؤدي في النهاية إلى انحراف التجارة عن طرقها الطبيعية داخل المنطقة , خاصة إذا ما كانت مثل هذه الدول ذات الرسوم الخارجية المنخفضة ستقوم بإجراء بعض العمليات التحويلية على المادة أو العناصر المستوردة قبل القيام بإعادة تصديرها بحيث يصعب التحقق من أصل منشأها فيما بعد. ولتجنب انحراف التجارة بهذا الشكل دخل نطاق المنطقة وتنص اتفاقات مناطق التجارة الحرة عادة على تحديد أنواع المنتجات التي ستتمتع بالإعفاء الجمركي داخل المنطقة وهي عادة ما تكون السلع المنتجة بأكملها داخل المنطقة,السلع التي يتم بعض إنتاجها داخل المنطقة و السلع التي لا تزيد فيها نسبة المواد الأولية المستوردة من خارج المنطقة على 50 بالمئة مثلا.
الاتحاد الجمركي:
في هذا الشكل الأعلى للتكامل الاقتصادي, تلغى الرسوم والحواجز الجمركية فيما بين الدول الأعضاء, بالإضافة إلى توحيد الرسوم الجمركية لكل الأعضاء إزاء العالم الخارجي. وبذلك تتحقق حرية كاملة لانسياب السلع بين الدول الأعضاء, ولكنه لا ينطوي على حرية انتقال الأشخاص أو رؤوس الأموال. وبعبارة أخرى فالاتحاد الجمركي هو عبارة عن إدماج للأقاليم الجمركية للدول المشتركة فيه بحيث تصبح إقليما جمركيا واحدا.
ويتضح من هذا أن الاتحاد الجمركي يتميز على منطقة التجارة الحرة في توحيد مستوى الرسوم الجمركية في كل الدول الأعضاء في مواجهة العالم الخارجي, وهو بذلك لا يواجه المشكلة التي تواجهها منطقة التجارة الحرة عادة والخاصة بإعادة التصدير وما ينجم عنها من احتمالات انحراف التجارة عن طرقها الطبيعية داخل نطاق المنطقة.
ويتميز الاتحاد الجمركي على منطقة التجارة الحرة كذلك في انه يقيد حرية أي دولة عضو في عقد اتفاقيات دفع مع الدول الخارجية أو حتى تجديد الاتفاقات المعقودة مع هذه الدول, ولابد من موافقة الدول الأعضاء في هذا الشأن . ولعل مرد ذلك هو الرغبة في زيادة فاعلية التعريفة الجمركية الموحدة, وحماية الدول الأعضاء من تدهور مركزها التنافسي والذي قد ينجم عن منح الغير مزايا تفضيلية اكبر.
وغالبا ما تكون أول خطوة في سبيل إقامة اتحاد جمركي هي تبادل " المعاملة التفضيلية " فيما يتعلق بالرسوم الجمركية والقيود الكمية على الواردات. ففي هذه الحالة يسود مبدأ " المعاملة بالمثل " فيما يتعلق بالإعفاء من الرسوم الجمركية والقيود الكمية وذلك بالنسبة لسلعة معينة ثم يضاف إليها تدريجيا وفيما بعد بقية السلع الأخرى إلى أن ينتهي الأمر بإقامة اتحاد جمركي كامل.
السوق المشتركة:
في هذا الشكل الأكثر تقدما للتكامل الاقتصادي يقضي على قدر اكبر من التمييز بين الاقتصاديات القومية, وبذلك تصبح هذه الاقتصاديات أكثر اندماجا مما هي عليه في حالة منطقة التجارة الحرة أو الاتحاد الجمركي. فبالإضافة إلى إلغاء الرسوم والحواجز الجمركية بمختلف أشكالها لين الدول الأعضاء, وتوحيد التعريفة الجمركية إزاء العالم الخارجي, تلغى في ظل "السوق المشتركة " أيضا القيود على تحركات الأشخاص ورؤوس الأموال فيما بين الدول الأعضاء, فضلا عن تنسيق السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدول الأعضاء.
وبعبارة أخرى لايتم فقط في ظل السوق المشتركة دمج أسواق السلع وإنما دمج أسواق عوامل الإنتاج. وبذلك تصبح الدول الأعضاء سوقا واحدة تنتقل في داخلها السلع الوطنية بحرية تامة, كما يصبح في استطاعة العمال أن يعملوا في أي منطقة أو مشروع فيها دون تمييز, ويصبح في إمكان أصحاب رؤوس الأموال استثمار أموالهم في أي موقع ضمن نطاق السوق.
وفي ظل السوق المشتركة, يصبح التنسيق بين سياسات الدول الأعضاء في النواحي المالية والنقدية والاجتماعية من الأهمية بمكان, بل انه يصبح ضروريا لكمال أسواق السلع وعوامل الإنتاج, وإلا ترتب على اختلاف مثل هذه السياسات تمييز بين السلع أو عوامل الإنتاج يكون من شانه أن يجعل حرية انقالها غير محققة في الواقع.
الاتحاد النقدي:
قيام التجارة وتحويل رؤوس الأموال بين الدول المتكاملة يتوقف على إمكانية تحويل العملات للدول المشتركة، فتقوم هذه الأخيرة بتنسيق السياسات النقدية والمصرفية فيما بينها، أي بالإضافة إلى انتقال عناصر الإنتاج بدون قيود بين الدول الأعضاء وتحرير تجارتها السلعية فإن الاختلاف في العملات الوطنية لهذه الدول قد يؤدي إلى عدم تحقيق أهداف الدرجات السالفة الذكر.
فيتم هنا إدراج كافة الصيغ والترتيبات التي من شأنها التخفيف من العقبات النقدية التي تعرقل انسياب السلع وعناصر الإنتاج بين الدول، ويقوم عمل هذا الاتحاد على تثبيت أسعار الصرف بين عملات الدول المتحدة، وإطلاق حرية التحويل الخارجي لتشجيع التبادل التجاري والاستثماري، وزيادة التخصص الإقليمي والتكامل بين اقتصاديات دول الاتحاد.
من الأمثلة البارزة لهذه الدرجة من التكامل هو الاتحاد النقدي الأوربي والذي قام بين( 11) دولة أوربية.
الاتحاد الاقتصادي التام:
يعتبر التكامل الاقتصادي التام آخر درجات التكامل الاقتصادي وبمقتضاه تصبح اقتصاديات الدول الأعضاء كاقتصاد واحد، وفيه يتم توحيد السياسات الاقتصادية بحيث يتبع الأعضاء نفس السياسات الاقتصادية، ويقوم الاتحاد بإنشاء سلطة فوق قومية تراقب تنفيذ تلك السياسات الموحدة، فإنه يمكن في ظل هذا الاتحاد تحقيق كافة المزايا المترتبة على قيام التكامل الاقتصادي من تحقيق الكفاءة في استغلال الموارد الاقتصادية وما يترتب عليها من زيادة الدخول الحقيقية وتحقيق العدل في توزيع الدخل بين المواطنين مما يؤدي إلى زيادة الرفاهية الاقتصادية وغالبا ما يجمع هذا النوع من الاتحاد بين الوحدة الاقتصادية والوحدة السياسية للبلدان المشتركة فيه. كما يمكن القول أنه في الاتحاد الاقتصادي التام يتم توحيد كافة السياسات الإنتاجية والنقدية والضريبية والتجارية والاجتماعية وغيرها، وإيجاد سلطة إقليمية وجهاز إداري لتنفيذ هذه السياسات.
من خلال عرضنا لدرجات التكامل الاقتصادي يمكن للدول تحقيق تكتل اقتصادي، ولكن بدرجات متفاوتة، ويتم ذلك بتحرير التجارة وتحرير انتقالات عناصر الإنتاج مع تنسيق السياسات الاقتصادية فيما بينها.
ولتوضيح درجات التكامل الاقتصادي أكثر، وتبسيطها يمكن تلخيصها في الشكل التالي:
أشكال التكامـل الاقتصـادي
منطقة التجارة التفضيلية ) تعريفة منخفضة (


منطقة التجارة الحرة ) م.ت.ح ( حرية انتقال السلع


م.ت.ح + تعريفة جمركية موحدة = اتحاد جمركي ) إ.ج (


م.ت.ح + إ.ج + حرية انتقال عناصر الإنتاج = سوق مشتركة ) س.م (


م.ت.ح + إ.ج + س.م + سياسة اقتصادية مشتركة = اتحاد اقتصادي ) إ.إ (


م.ت.ح + إ.ج + س.م + إ.إ + سياسة نقدية موحدة = سوق موحد






انطلاقا من عرضنا لدرجات التكامل الاقتصادي يمكن تحديد اتجاهين للتكامل الاقتصادي وذلك حسب الصيغة التكاملية المتبعة: فالاتجاه الأول يعرف بالتكامل الاقتصادي الأفقي والذي يعني انضمام دول جديدة للمنطقة التكاملية وتوسيع نطاقها الجغرافي، وخير مثال على ذلك توسيع المنطقة التكاملية للاتحاد الأوربي. أما الاتجاه الثاني، فيعرف بالتكامل الرأسي، ونعني به الانتقال من درجة لأخرى من درجات التكامل الاقتصادي، انطلاقا من منطقة التفضيل الجزئي وصولا إلى الاتحاد الاقتصادي التام.
كما أن درجات التكامل الاقتصادي لا تنشأ بالصدفة ولكن هناك بعض العوامل التي تساعد على تكوينها أهمها:
1-
وجود علاقات بين الدول المختلفة قبل تكوين الاتحاد.
2-
وجود العديد من القيود التي تعرقل حركة التجارة وانتقال عناصر الإنتاج بين الدول حيث تعتبر هذه القيود الدافع الأساسي لتكوين مثل هذه الاتحادات.
3-
وجود درجة المنافسة بين الدول المكونة وليس درجة التكامل بين اقتصاديات هذه الدول. فوجود المنافسة مع القيود الجمركية للحماية يمثلان أساسا لتكوين الاتحادات الجمركية، حيث أن إلغاء التعريفة الجمركية فيما بين الدول هذه يؤدي إلى تمتع الدول ذات الكفاءة بميزة الإنتاج، وبالتالي اعتماد الدول الأخرى عليها في الحصول على متطلباتها مما يؤدي إلى خلق التجارة وارتفاع معدلاتها.
4-
العامل الجغرافي يعتبر عاملا مساعدا مهما فعدم وجود الحواجز الطبيعية وسهولة انتقال السلع والخدمات من شأنه عدم التأثير على نفقات النقل ويسمح بوجود سعر واحد في السوق التي يسعى التكامل إلى خلقها.
5-
كثرة عدد الدول المكونة للاتحاد يشجع على تكوينها للاستفادة من حجم السوق وتعدد مصادره.


المطلب الخامس: مقومات التكامل الاقتصادي
يجب أن تتوفر في التكامل بعض المقومات والشروط الأساسية حتى يمكن أن يتوفر له النجاح في تحقيق أهدافه حيث يتطلب الأمر ضرورة توفر موارد الثروة الطبيعية وتنوعها في الدول الأعضاء, وتخصص مشاريعها الإنتاجية على أساس إقليمي, ووجود الأيدي العاملة المدربة, وتوافر وسائل النقل والمواصلات وغيرها.
توفر موارد الثروة الطبيعية:
من المقومات الأساسية للتكامل الاقتصادي توفر موارد الثروة الطبيعية في الدول المتكاملة. وهذا أمر طبيعي إذ لا يعقل أن يقوم تكامل اقتصادي بين مجموعة من الدول تفتقر إلى موارد الثروة الأساسية كالتربة الخصبة الصالحة للزراعة, والغابات, والأنهار, والمعادن اللازمة للصناعة كالفحم والحديد وغيره. فالتكامل الاقتصادي إنما يقوم أساسا لتسهيل تصريف السلع الناشئة من استغلال موارد الثروة الطبيعية في الدول الأعضاء. فإذا لم تتوفر هذه الموارد لما وجدت السلع التي سيعمل التكامل الاقتصادي على تسهيل تصريفها في أسواقه المختلفة, ومن ثم لما كانت هناك حاجة لإقامة مثل هذا التكامل. ومن الواضح أن تكامل أي دولة أو أكثر تفتقر إلى موارد الثروة الطبيعية لن يكون ذا نفع كبير لها, ذلك لان تكاملها في هذه الحالة لن يكون تكامل الأنداد المتساوين في المزايا والالتزامات, بل سيكون مجرد فتح أسواقها لمنتجات الدول الأخرى في التكامل الغنية بمواردها الطبيعية دون رعاية أو حماية جمركية مما يتيح لهذه الدول الأخيرة فرصة السيطرة الاقتصادية عليها في نهاية الأمر. ولا يكفي أن تتوفر موارد الثروة الطبيعية في الدول التي ترغب في التكامل الاقتصادي فحسب, بل لأنه من الضروري أيضا أن تكون هذه الموارد مستغلة أو قابلة للاستغلال حتى يمكن الاستفادة منها في توسيع نطاق التكامل وتنشيط فاعليته.
من هذا نجد أن شرطا كتوفر موارد الثروة الطبيعية في الدول التي ترغب الدخول في التكامل الاقتصادي لهو من أهم الشروط اللازمة لنجاح التكامل الاقتصادي وتحقيقه للأغراض التي يقام من اجلها.
تخصص المشاريع الإنتاجية على أساس إقليمي:
كذلك نجد انه من ضمن الشروط اللازمة لنجاح التكامل الاقتصادي وتامين مستقبله هو تخصص المشاريع الإنتاجية في الدول الأعضاء على أساس إقليمي. ذلك لان هذا التخصص يجعل اقتصاديات الدول متكاملة تعتمد على بعضها البعض بطريقة مباشرة, مما يؤدي إلى زيادة المبادلات التجارية بينها. فمن الواضح أن تخصص المشاريع الإنتاجية في الدول الأعضاء في إنتاج نفس النوع من المنتجات يقضي على أهم ميزة للتكامل الاقتصادي بينها ونعني بها توسيع نطاق السوق أمام منتجات الدول الأعضاء وزيادة حركة التبادل التجاري بينها. ذلك انه طالما كانت نفس السلعة أو المادة تنتج في كافة دول التكامل فلا داعي لأن تنشأ علاقات


تجارية بينها لتبادل هذه السلعة أو المادة, مما يقضي على كل اثر للتكامل الاقتصادي بينها. والواقع أن مسالة التخصص الإقليمي هي من أهم الاعتبارات التي يجب أخدها في الحسبان عند إقامة تكامل اقتصادي, إذ غالبا ما يتوقف عليها نجاح التكامل أو فشله . فمن الضروري لتحقيق التكامل بين اقتصاديات الدول الأعضاء أن تتخصص مشاريعها الإنتاجية في إنتاج أنواع متباينة من المنتجات حتى تعتمد اقتصادياتها على بعضها البعض في تبادل هذه المنتجات مما يقوي من اثر التكامل بينها. وينبغي ألا يتم توزيع هذا التخصص بين الدول الأعضاء بطريقة تحكمية, بل يجب لن يخضع للاعتبارات الاقتصادية وحدها والتي تقضي بان تتخصص كل دولة في إنتاج السلعة أو المادة التي تتمتع في إنتاجها بميزات نسبية اكبر من غيرها من الدول الأخرى داخل نطاق التكامل, وذلك من حيث تكاليف الإنتاج, ودرجة الجودة, وتوفر الإمكانيات المادية والبشرية وغيرها.
وينبغي مراعاة مسالة التخصص الإقليمي هذه عند القيام بالتنمية الموحدة للموارد الإقليمية في الدول الأعضاء بحيث يتم توزيع المشاريع الإنتاجية التي ستنشأ في هذه الدول على أساس ما تتمتع به كل منها من مزايا نسبية في الإنتاج, وبذلك تصبح هذه المشاريع أجزاء متكاملة في اقتصاد واحد, كما تصبح منتجاتها غير متنافسة في أسواق دول التكامل, مما يعمل على أن تصبح كل دولة داخل نطاق التكامل سوقا للمشاريع الإنتاجية التي تقيمها دولة أخرى وهكذا. وعموما يمكن القول بأن نجاح التكامل الاقتصادي في تأدية رسالته يعتمد بالدرجة الأولى على مدى تباين التخصص الإنتاجي في الدول الأعضاء بوجه عام, ذلك أن هذا التباين كما رأينا يمكن هذه الدول من الحصول على الميزة الكبرى التي يحققها التكامل الاقتصادي للدول الأعضاء عادة وهي ميزة توسيع حجم السوق أمام منتجات الدول الأعضاء. وفي الوقت الذي يتشابه فيه التخصص الإنتاجي في هذه الدول تفقد مثل هذه الميزة قيمتها إلى حد كبير وبالتالي يفقد التكامل الاقتصادي أثره كتنظيم لتنشيط التبادل التجاري بين مجموعة الدول الأعضاء فيه.
وجود الأيدي العاملة المدربة:
من العوامل المؤدية إلى نجاح التكامل الاقتصادي وتبيت دعائمه توفر الأيدي العاملة المدربة في الدول الأعضاء. فقد سبق أن ذكرنا عند مناقشة مفهوم التكامل الاقتصادي انه يتحتم إطلاق حرية انتقال الأشخاص بين كافة دول التكامل للمساهمة في مجالات النشاط الاقتصادي المختلفة, وبحثا عن فرص الاستخدام المناسبة. ومن الواضح أن الغرض الأساسي من إطلاق حرية انتقال الأشخاص بين الدول الأعضاء هو تحقيق أكفأ استخدام ممكن لموارد الدول المتكاملة بنقل الفائض من العمال من الدولة التي تكتظ بهم إلى تلك التي تعاني من نقص في عددهم. ومن الواضح أيضا أن تحقيق أكفأ استخدام ممكن لموارد الدول المتكاملة عن طريق إطلاق حرية انتقال الأشخاص لن يتأتى إلا إذا كان هؤلاء الأشخاص من الكفاية والمهارة بحيث يؤدي انتقالهم من دولة إلى أخرى إلى إضافة صافية للإنتاج الكلي في دول التكامل.


وعدم وجود العدد الكافي من العمال والفنيين المتخصصين يحول دون تنمية الموارد الإقليمية في الدول الأعضاء بصورة مشتركة حيث يصعب تنفيذ المشروعات المقررة, كما يصعب توفير الأيدي العاملة والفنيين اللازمين لتشغيل هذه المشروعات. وعموما فان توفر الأيدي العاملة المدربة في الدول الأعضاء يتيح لها استخدام مواردها الإنتاجية بطريقة فعالة ومثمرة, كما يتيح لها في نفس الوقت تنمية هذه الموارد وزيادة حجمها. وتكون النتيجة زيادة الإنتاج الكلي, ورفع مستوى المعيشة في دول التكامل المختلفة, وزيادة التعاون الاقتصادي بينها.
توافر وسائل النقل والمواصلات:
أيضا من الشروط اللازمة لنجاح التكامل الاقتصاد يتوافر وسائل النقل والمواصلات في الدول الأعضاء, ذلك لان عدم توافر وسائل كافية للنقل والمواصلات في الدول الأعضاء يكون من شأنها إضعاف أهمية التكامل اقتصاديا حيث انه يصبح من المتعذر توسيع حركة التبادل التجاري بين منطقة وأخرى داخل نطاق التكامل, كما يتعذر أيضا تنمية اقتصاديات المناطق المختلفة بصورة مشتركة, ولاسيما فيما يختص بنواحي تكامل عمليات الاستثمار, والمشاريع الإنتاجية, واستغلال الموارد الإقليمية بصورة موحدة. والواقع أن توافر وسائل النقل والمواصلات في الدول الأعضاء, يعتبر أمرا ضروريا ولازما للتكامل الاقتصادي, حيث أنها تعمل على ربط دول التكامل ببعضها, وتؤثر بدرجة كبيرة في قابلية نقل وتصدير المنتجات الزراعية والسلع المصنوعة وما يسبق ذلك عادة من عمليات تجميع الأيدي العاملة والمواد الخام والسلع نصف المصنعة اللازمة لعمليات النتاج. وفضلا عن ذلك فهي تيسر سبل الانتقال للأفراد, وتؤمن حرية المبادلات بين بلدان التكامل وبعضها البعض, كما تشجع الاستثمار الإقليمي بوجه عام.
وأخيرا فان زيادة الاتصال, وتقريب المسافة بين دول التكامل الاقتصادي سيؤدي بمرور الوقت إلى دعم مركز التكامل في مضمار التجارة الدولية, ويجعل من السهل إنشاء علاقات تجارية واقتصادية جديدة مع الدول الأجنبية.
من هذا نجد أن شرطا كتوافر وسائل النقل والمواصلات في الدول التي ترغب الدخول في تكامل اقتصادي لهو من الشروط الهامة اللازمة لنجاح التكامل الاقتصادي وتأمين مستقبله. لذلك ينبغي التأكيد مقدما في مشاريع التكامل الاقتصادي على ضرورة توافر وسائل النقل والمواصلات في الدول الأعضاء, والعمل على الإكثار منها, وتوسيع شبكات الطرق والخطوط الحديدية التي تربط بين المدن الكبرى والأسواق ومناطق الإنتاج.


المطلب السادس: مزايا التكامل الاقتصادي
من المسلم ب هان التكامل الاقتصادي يحقق للدول الأعضاء عدة منافع ومزايا هامة في النطاق الاقتصادي يمكن إجمالها فيما يلي:
اتساع حجم السوق:
من أهم المزايا التي يحققها التكامل الاقتصادي للدول الأعضاء عادة هي توسيع نطاق السوق وما يترتب عليه من نتائج اقتصادية هامة. فإلغاء الرسوم والحواجز الجمركية بين الدول الأعضاء في التكامل يوسع من الدائرة التي تستطيع الدولة أن تصرف فيها منتجاتها حيث يمكنها في هذه الحالة تصريف منتجاتها في أسواق الدول الأخرى الأعضاء في التكامل بعد أن كانت هذه الأسواق مقفلة أمامها بسبب الرسوم الجمركية العالية. وليس هناك من شك في أن اتساع حجم السوق وما سيتتبعه من نمو الطلب على منتجات الدول الأعضاء في التكامل سوف يترتب عليه عدة نتائج اقتصادية هامة:
أولا: ستجد المشروعات الإنتاجية في كل دولة من الدول الأعضاء فرصة اكبر ومجالا أوسع لزيادة إنتاجها حتى يمكنها مقابلة الزيادة الجديدة في الطلب على منتجاتها. ولا شك أن هذا يؤدي إلى تشغيل الطاقات الإنتاجية المعطلة ويزيد من كفاءتها الإنتاجية بشكل عام.
ثانيا : يؤدي اتساع السوق في كثير من الأحيان إلى تحقيق وفرة الحجم الكبير في الإنتاج. ويفسر ذلك بان ضيق السوق عادة ما يحد من إقامة صناعات جديدة ذات حجم اقتصادي.
ثالثا : كذلك يؤدي اتساع حجم السوق إلى زيادة التخصص وتقسيم العمل بين الدول الأعضاء في التكامل حيث تستطيع كل دولة أن تتخصص في إنتاج السلعة أو السلع التي تتمتع في إنتاجها بمزايا نسبية اكبر من غيرها من الدول الأخرى داخل المنطقة المتكاملة.
تلك هي أهم النتائج الاقتصادية التي سوف تترتب على اتساع حجم السوق بعد التكامل. ولاشك أنها نتائج عظيمة الفائدة تحقق للدول المتكاملة مكاسب جمة ما كان لها أن تحققها لولا تكاملها اقتصاديا.
تحسن شروط التبادل التجاري:
التكامل الاقتصادي يعطي للدول المتكاملة ككل قوة وأهمية خاصة في المجال الدولي اكبر بكثير مما كان لكل منها منفردة قبل التكامل, حيث انه عادة ما يؤدي إلى قيام كتلة اقتصادية واحدة لهل من القوة والأهمية الاقتصادية في النطاق الدولي ما يمكنها من إملاء شروطها ومطالبها على الدول الأجنبية بما يحقق مصلحتها. وتفسير ذلك يرجع إلى عاملين أساسين:


ثانيا : نجد أن الاتحادات الاقتصادية كثيرا ما تتحكم في شراء العديد من سلع العالم الخارجي بشروط أكثر مراعاة لمصلحة أعضائها, حيث أنها تمثل سوقا واسعة تجعل الدول الأجنبية تبيعها منتجاتها بأحسن الشرط والأسعار وإلا فقدت هذه السوق الحيوية ذات الأهمية الفعالة بالنسبة لها.
ولا جدال في مدى ما سيعود على الدول الأعضاء في التكامل من فوائد ومزايا نتيجة لهذين العاملين. فتزداد قوة مساومتها بالنسبة للعالم الخارجي وخاصة عند عقد الاتفاقات التجارية, فتحصل على السلع بأرخص الأسعار وتحصل على تسهيلات في الدفع وتخفيضات في الرسوم الجمركية. وهذا كله يؤدي في نهاية الأمر إلى تحسين وضع موازين مدفوعاتها, ويضيق من شقه العجز مع بعض الدول الأجنبية المتعامل معها.
زيادة التوظيف:
إن إلغاء القيود على انتقال الأشخاص بين الدول المتكاملة من شأنه أن يؤدي إلى انتقال العدد الفائض من العمال من المناطق التي تضيق بهم إلى المناطق الأخرى التي تعاني من نقص في عددهم. وهذا مفاده بطبيعة الحال زيادة التوظيف والتقليل من البطالة داخل دول التكامل, هذا فضلا عن إمكان تشغيل السكان في أعمال تتناسب بدرجة اكبر مع كفاءتهم, وتنويع مهارات المستخدمين, وزيادة تخصصهم وبالتالي إنتاجيتهم.
والواقع أن التكامل الاقتصادي يعد من انجح الحلول القصيرة الأجل للمشكلة السكانية حيث انه يعمل على إعادة توزيع السكان في الدول المعنية بما يحقق قدرا اكبر من التناسب بين عددهم وبين الموارد المتاحة. فهو يعجل بانتقال العدد الفائض من السكان من المناطق المزدحمة إلى المناطق القليلة السكان. وبذلك يخف الضغط عن الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة. ولاشك أن هذا التعديل في توزيع السكان بين دول التكامل المختلفة سينشأ عنه تحقيق قدر اكبر من التناسب بين الموارد البشرية والموارد غير البشرية, مما يقضي على مشاكل البطالة وانخفاض مستوى الإنتاجية ومستوى المعيشة في الدول الأعضاء في التكامل.
وعموما فان مشكلة البطالة وما يتفرع عنها من مشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة ستخف حدتها إلى حد كبير نتيجة للتكامل الاقتصادي, وهذه بدون شك ميزة جليلة ينفرد بها التكامل الاقتصادي دون سائر الحلول الأخرى التي تتخذ لحل مشكلة البطالة وتزايد عدد السكان.
زيادة معدل النمو الاقتصادي:
يؤدي التكامل الاقتصادية " في فترة طويلة " إلى زيادة معدل النمو الاقتصادي في الدول الأعضاء عن طريق تشجيعه للحافز على الاستثمار.


والمهم أن قدرة المشاريع والاستثمارات على تحقيق الربح سوف تزداد وتعظم بعد التكامل إذ في حين تظل تكلفة الاستثمار على ما هي عليه أو هبوطها قليلا عن مستواها ( نتيجة لزيادة كفاءة العوامل الناشئة من زيادة التخصص, وتوفر الفنيين, وتحقق الإنتاج الأكبر ) فان عائد استثمار رأس المال سيرتفع بالنظر لازدياد حجم المبيعات, واحتمال انخفاض تكلفة الإنتاج الجاري عند إباحة حرية التنقل للأيدي العاملة ورؤوس الأموال.
وسينشأ عن زيادة الحافز على الاستثمار بهذا الشكل انتقال رؤوس الأموال من دولة إلى أخرى داخل نطاق المنطقة المتكاملة للاستثمار في المشروعات والصناعات التي ستنشأ وتزدهر عقب التكامل وتبعا لاتساع حجم السوق, وأيضا للاشتراك في عمليات نقل المنتجات وتسويقها في دول التكامل المختلفة. ويؤدي كل هذا في الأجل الطويل إلى رفع مستوى الكفاءة في استغلال الموارد المتاحة, والى توسيع نطاق العمليات الإنتاجية وتطبيق أساليب فنية جديدة في الإنتاج, مما يتولد عنه انخفاض تكلفة الإنتاج, وإثمان السلع المصنوعة مما يكون من شأنه زيادة تسويقها تجاريا فضلا عن زيادته بسبب توسيع نطاق السوق وزيادة المبادلات التجارية بين الدول الأعضاء.


المطلب السابع: مشاكل التكامل الاقتصادي:
تكتنف عملية التكامل الاقتصادي بعض المشاكل والصعوبات, ينشأ بعضها تلقائيا بمجرد قيام التكامل, وينشأ البعض الآخر فيما بعد عندما توضع الاتفاقية المنظمة للتكامل موضع التنفيذ العملي. ومن الواضح أن هذه المشاكل والصعوبات يمكن أن تحتاط لها اتفاقيات التكامل, وهذا أمر ضروري لضمان اكبر قدر من سهولة التطبيق العملي لها. ومن الواضح أيضا أن أي مشروع للتكامل لا يمكن أن يستوفي جميع شروط النجاح دفعة واحدة وإنما يتحقق ذلك على مراحل وخطوات. وهو لابد وان يتطلب فيما بعد إدخال التعديلات على اتفاقية المشروع الأصلية تبعا لما يقتضيه التكامل من شروط التكيف لمختلف الظروف والمشاكل والملابسات التي يتعرض لها من الناحية العملية. والأفضل على كل حال هو الاحتياط للملابسات المحتملة الحدوث سلفا وتجنب الوقوع في مشاكل من النوع المألوف تقليديا في هذا المجال. وفيما يلي نناقش أهم المسائل التي ينبغي الاعتداد بها, والشروط التي ينبغي توفرها عند إعداد اتفاقات التكامل الاقتصادي, لغرض ضمان اكبر قدر من النجاح لها, وهي تتناول باختصار:
مشكلة التعريفة الموحدة:
سبق أن رأينا أن من أهم الاعتبارات التي يجب الأخذ بها عند إقامة تكامل اقتصادي هو ضرورة الاتفاق مقدما على وضع تعريف جمركية موحدة تطبقها كافة الدول الأعضاء على وارداتها من العالم الخارجي وذلك للحيلولة دون حدوث عمليات إعادة تصدير السلع الأجنبية المنشأ وما يتولد عنها من منافسة للمنتجات المحلية.
والاتفاق على وضع هذه التعريفة الموحدة يثير كثيرا من الخلافات بين أصحاب المصالح نظرا لاختلاف مستوى التعريفات المعمول بها في كل دولة من الدول الأعضاء قبل التكامل بسبب تفاوت درجة الحماية التي تتمتع بها الصناعات والمشروعات القائمة من جهة, واختلاف المصالح التجارية لكل دولة من جهة أخرى. من هنا كان من الصعب دائما التوفيق بين المصالح المختلفة للدول الأعضاء عند النظر في مسألة وضع تعريفة جمركية موحدة على الواردات من الدول الأجنبية. ولحل هذه المشكلة يكون من الضروري الوصول إلى ترضية فيما يتعلق بمطالب كل فريق قبل الاتفاق على تفاصيل التعريفة الموحدة التي ستعوض بها التعريفات المحلية المعمول بها أصلا في الدول الأعضاء ويكون ذلك بالطريقة التالية:
أولا : بالنسبة للدولة التي تكون تعريفتها الأصلية أعلى من التعريفة المقترحة يمكن إعفاؤها مؤقتا من وجوب تخفيض تعريفتها على بعض السلع والمواد الأجنبية التي يحتمل أن تنافس الإنتاج المحلي مع إلزامها بالقيام بتخفيضها فيما بعد تدريجيا.
ثانيا : بالنسبة للدولة التي تكون تعريفتها الأصلية اقل من التعريفة المقترحة يمكن إعفاؤها مؤقتا من وجوب رفع تعريفتها على بعض السلع والمواد التي تستوردها من الخارج بشرط أن تكون هذه المواد لازمة للإنتاج المحلي, مع إلزامها بالقيام برفعها تدريجيا فيما بعد.


أما عن موضوع ارتباط الدولة العضو مع دولة أو دول أجنبية بمصالح معينة تحول دون رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة كأن تكون مرتبطة معها مثلا باتفاقات تجارية تنص على تبادل امتيازات التعريفة المخفضة, فهذه يمكن تسويتها عن طريق إلزام الدولة بدفع تعويض مالي للعضو أو الأعضاء الآخرين في الاتحاد الذين يحتمل أن يتأثروا من هذا الإجراء وذلك نظير إعفاؤها من زيادة تعريفتها على السلع والمواد التي تستوردها من هذه الدول إلى غاية إنهائها للاتفاقية المعقودة في هذا الشأن.
مشكلة الحماية الجمركية:
تنشأ هذه المشكلة نتيجة لاختلاف ظروف المشاريع الإنتاجية العاملة في الدول الأعضاء, واختلاف درجة نمو اقتصادياتها القومية. فلكل صناعة ظروفها الخاصة, ولكل دولة مستوى من النمو الاقتصادي يقتضي توجيه درجة خاصة من الحماية لمشاريعها القائمة. لذلك نجد الاتحاد سيواجه منذ البداية بأن بعض الدول الداخلة في نطاقه قد حمت مشاريعها الإنتاجية بدرجات متفاوتة من الحماية, إما عن طريق فرض رسوم جمركية عالية على الواردات من السلع البديلة لسلعها المحلية, أو عن طريق تقييد استيرادها بفرض نظام الحصص وتراخيص الاستيراد أو عن طريق منح الإعانات المالية والمساعدات الأخرى للمنتجين.
ومن هنا يكون من الصعب دائما إقناع هذه الدول بالتنازل عن هذه الحماية وإلغاء ما تفرضه من رسوم وأنظمة, وما تقدمه من منح وإعانات للمنتجين دفعة واحدة, لأنها لو فعلت ذلك لعرضت مشاريعها للمنافسة من جانب مشاريع الدول الأخرى الأعضاء في التكامل وخاصة تلك التي تنتج بتكاليف أقل.
وعموما فانه يجب أن يكون مفهوما أن التمادي في منح الحماية للمشاريع الإنتاجية سوف لا تعادل مزاياه المضار الناجمة عنه في الأمد الطويل, وان نجاح التكامل الاقتصادي يقتضي أولا بأول إلغاء الرسوم والحواجز الجمركية بين الدول المتكاملة, والاستعاضة عنها بجدار موحد من التعريفات الجمركية.
مشكلة تقسيم إيرادات الجمارك:
من المعروف أن إيرادات الجمارك جزءا لا يستهان به من مجموع الإيرادات العامة في أي دولة وإقامة تكامل اقتصادي بما يستلزم من إلغاء الرسوم الجمركية الداخلية بين الدول الأعضاء وتطبيق تعريفة جمركية موحدة إزاء الدول الأجنبية سيؤثر بدون شك على إيرادات الدولة من الجمارك وبخاصة في الدول الصغيرة التي تؤلف إيرادات الجمارك فيها جزءا كبيرا من مجموع إيراداتها العامة .لهذا جرى العمل في مشروعات التكامل الاقتصادي على أن تشترك كافة الدول الأعضاء في التكامل في اقتسام مجموع الإيرادات المحصلة من جمارك المنطقة المتكاملة بغض النظر عن مدى مساهمة كل دولة في هذه الإيرادات.

أي أن حصيلة الرسوم التي تجبى في دول التكامل في مجموعها تكون شبه مملوكة للإتحاد بوصفه وحدة مستقلة عن الدول الداخلة في نطاقه ولا تحصل كل دولة من هذه الدول على جزء من هذه الحصيلة المشتركة إلا بناء على توزيع هذه الحصيلة بينها طبقا للطريقة التي يتفق عليها.
وعموما فان مشكلة تقسيم إيرادات الجمارك بين الدول الأعضاء في التكامل يجب ألا تقف حجر عثرة في سبيل إتمام التكامل و الاتفاق على أسس التعريفة الموحدة. ولعل أخف الحلول التي يلتجأ إليها في هذا الشأن هو تسليم كل دولة ما يتحصل لها من إيرادات مع إيداع نسبة معينة من مجموعها في صندوق يخصص لإعانة الدولة التي تعاني نقصا في إيراداتها الجمركية بسبب انضمامها للتكامل.
مشكلة تنسيق السياسات الاقتصادية:
سبق أن رأينا أن أحد العناصر الأساسية للتكامل الاقتصادي هو تنسيق سياسات الدول الأعضاء في النواحي المالية والنقدية ففي النواحي المالية يتعين توحيد أسعار الضرائب وتلافي ازدواجها في الدول الأعضاء . وفي النواحي النقدية يتعين تثبيت أسعار الصرف بين عملات الدول الأعضاء وإباحة حرية تحويلها الخارجي. والقصد من كل ذلك هو إعطاء قسط أوفى من الحرية لرؤوس الأموال المعدة للاستثمار وتأمين مبادلات السلع بينها وتنحصر المشكلة في مدى قبول الدول الأعضاء لتوحيد أنظمة الضرائب في بلدانها توحيدا عاما وفي مدى موافقتها على تثبيت أسعار صرف عملاتها المحلية وإباحة حرية تحويلها الخارجي. فالاتفاق على توحيد أنواع و أسعار الضرائب في جميع دول التكامل يثير كثيرا من الصعوبات منها مثلا أنه يؤدي إلى تقليل إيرادات بعض الأعضاء وزيادة إيرادات البعض الآخر ومنه أيضا أنه يؤدي إلى زيادة الأعباء الملقاة على عاتق المشاريع الإنتاجية العاملة في بعض الدول وتخفيفها على عاتق مثيلاتها في بعض الدول الأخرى داخل المنطقة المتكاملة. كذلك الحال بالنسبة إلى تثبيت سعر العملة وإباحة حرية تحويلها الخارجي حيث نجد أن بعض الدول ستخشى من أن يؤدي إتباع مثل هذا الإجراء إلى احتمال تسرب رؤوس الأموال منها إلى الدول الأخرى في التكامل كما أن بعض الدول الأخرى ستخشى من احتمال زيادة متاعب موازين مدفوعاتها الجارية عند إباحة حرية تحويل عملتها.
لذلك نجد أنه ليس من السهل دائما أن تتفق وجهة نظر الدول الأعضاء حيال مسألة توحيد الضرائب والنقود في بلدانها بغرض إكمال دائرة التكامل لذلك يكون من الضروري البحث عن وسيلة للتوفيق بين مختلف وجهات النظر عند الاتفاق على أسس توحيد الضرائب والنقود في الدول الأعضاء بحيث لا يؤثر الإجراء المقترح على اقتصاديات أي منها تأثيرا خطيرا سيئا.


وقد لايكون من الضروري _ خصوصا في المراحل الأولى من التكامل_ توحيد كافة أنواع الضرائب في دول التكامل توحيدا عاما بل يكتفى بتوحيد بعض أنواع الضرائب التي لها مساس مباشر بالإنتاج مثل ضرائب الاستهلاك ورسوم الإنتاج وغيرها . وهذا هو ما حدث فعلا بين بلجيكا وهولندا و لوكسمبورج عند بدء تكوين اتحاد البنلوكس سنة 1948 إذ رأت أن توحيد الضرائب في بلدانها توحيدا عاما غير ضروري فاكتفوا بتوحيد عض الضرائب المفروضة على السلع فوحدت رسوم الإنتاج أما فيما يتعلق بمسألة تثبيت أسعار الصرف وإباحة حرية تحويل العملة بين الدول الأعضاء فهذه يمكن تسويتها عن طريق منح الدولة أو الدول التي تعاني متاعب في الدفع قروضا قصيرة الأجل لتدعيم عملتها أو السماح لها بتخفيض القيمة الخارجية لعملتها.
وهذا هو ما حدث فعلا بالنسبة لفرنسا في (السوق الأوروبية المشتركة ) إذ كان لابد من شد أزرها حتى تستطيع الوفاء بالتزاماتها كعضو في هذا السوق. وعموما فان مسألة التنسيق المالي والنقدي في دول التكامل يجب أن تحضى بمزيد من الاهتمام إذا أريد للتكامل أن ينجح في تحقيق أغراضه إذ لا يمكن أن يقوم تكامل اقتصادي بين مجموعة من الدول في ظل أنظمة مالية ونقدية متباينة تؤدي إلى تفاوت في الأثمان وفي النشاط الاق

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 10:43 م
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi