11‏/5‏/2011

ضمان الاستحقاق

ضمان الاستحقاق

يرجع المشترى على البائع بضمان الاستحقاق في إحدى الحالات التالية:
1-إذا أخطر المشترى البائع بدعوى الاستحقاق، فتدخل البائع في الدعوى و لم يفلح في دفع دعوى المتعرض.
2-إذا أخطر المشترى البائع بدعوى الاستحقاق فلم يتدخل البائع في الدعوى و حكم للمتعرض، ولم يستطيع البائع إثبات تدليس المشترى أو خطئه الجسيم.
3-إذا أخطر المشترى البائع و لم يتدخل البائع و أقر المشترى بحق المتعرض أو تصالح معه و لم يستطع البائع أن يثبت أن المتعرض لم يكن على حق في دعواه.
4-إذا لم يخطر المشترى البائع بدعوى الاستحقاق و حكم للمتعرض و لم يثبت البائع أن تدخله في الدعوى كان يؤدي إلى رفضها.
5-إذا سلم المشترى للمتعرض بحقه دون دعوى و لم يثبت البائع أن المتعرض لم يكن على حق في دعواه.
- و إذا وجب للمشترى على البائع ضمان الاستحقاق في حالة من الحالات المذكورة أعلاه فإن الأمر لا يخلو من فروض ثلاثة :
أ ـ إما أن يكون الاستحقاق كليا فيجب على البائع أن يدفع للمشترى تعويضا كاملا.
ب ـ و إما أن يكون الاستحقاق جزئيا فيجب على البائع أن يدفع للمشترى تعويضا بقدر الضرر الذي أصابه.
ج ـ و إما أن يكون المشترى قد دفع للمتعرض شيئا في مقابل حقه صلحا أو إقرار بهذا الحق، فيجب على البائع لكي يتخلص من نتائج الضمان أن يرد للمشترى ما أداه للمتعرض.
أولا : مفهوم الاستحقاق
فالاستحقاق هو نزع ملكية المبيع كله أو بعضه من تحت يد المشترى بحكم قضائي، و في حالة الاستحقاق الكلي نصت المادة 375 ق.م جزائري المقابلة لنص المادة 443 مدني مصري، ومن خلال هذا النص يستخلص أن المبيع استحق كليا أي أن المبيع كان مملوكا لغير البائع فانتزعه المالك الحقيقي من يد المشترى فرجع هذا الأخير على البائع بضمان الاستحقاق الكلي.
الظاهر أيضا أن المشترى يملك ـ غير دعوى ضمان الاستحقاق ـ دعويين أخرويتين، دعوى الإبطال باعتبار أن البيع صادر من غير مالك، فهو بيع ملك الغير، ودعوى الفسخ على أساس أن المشترى يجيز البيع ثم يطلب الفسخ لعدم تنفيذ البائع التزامه بنقل الملكية.
إلا أن هذا التعويض في دعوى الضمان يختلف عن التعويض في كل من دعوى الإبطال و الفسخ، و أن التعويض في ضمان الاستحقاق الكلي يتكون من عناصر نص عليها المشرع في المادة 375 ق.م.ج، فمثلا : إذا كان المبيع عبارة عن دار عندما تسلمها المشترى أجرى فيها ترميمات ضرورية، ثم أقام طابقا جديدا فوق طوابق الدار و أنشأ مصعدا ودهن حيطان الدار لزخرفتها، و قبض ريع الدار من وقت أن تسلمها، و بعد ذلك رفع شخص على المشتري دعوى استحقـاق، فأدخل المشترى البائع ضامنا في الدعوى و حكم باستحقاق المبيع " الدار " و بتعويض للمشترى على البائع فهذا التعويض الذي يأخذه المشترى من البائع بسبب الاستحقاق الكلي يتكون من عنصرين جوهريين هما قيمة المبيع وقيمة التعويضات الأخرى.
لقد نص التقنين المدني الجزائري و نظيره المصري على التزام البائع بقيمة المبيع وقت الاستحقاق تطبيقا لقواعد التنفيذ بمقابل و مع أنه لا يجوز للمشترى المطالبة بضمان الاستحقاق إلا من وقت صدور الحكم النهائي بالاستحقاق لأن حكم الاستحقاق يستند أثره إلى وقت رفع الدعوى، غير أنه يلاحظ أن المشترى ليس مقيدا بقواعد التنفيذ المقابل التي طبقتها المادة 375 ق.م.ج المقابلة للمادة 443 مدني مصري و إنما له أن يعدل عنها إلى طلب الفسخ، فيجوز حينئذ أن يطالب بالثمن الذي دفعه أو أن يكتفي بقيمة الشيء وقت الاستحقاق.
قيمة الثمار التي ألزم المشترى بردها إلى المالك الذي نزع يد المشتـرى عن المبيع : أي أن المشترى يرد الثمار لمن استحق المبيع أي لمالك الحقيقي و هذا إذا كان سيء النية (أي المشترى) قبل رفع دعوى الاستحقاق أما إذا كان حسن النية فلا يردها، فلا محل إذن لرجوعه على البائع.
المصروفات التي قد يصرفها المشترى على المبيع : إما أن تكون مصروفات ضرورية أو مصروفات نافعة أو كمالية إن المشترى يسترد من المالك الذي حكم له بالاستحقاق المصروفات الضرورية التي أنفقها لحفظ المبيع، أما المصروفات النافعة فنفرق فيها بين أمرين :
*إذا كان المشترى حسن النية، أي لم يعلم بسبب الاستحقاق أثناء قيامه بهذه النفقات، فإن له الحق أن يسترد من المالك هذه المصروفات بقدر ما أعاد على المبيع من زيادة في القيمة، أما إذا كان المشترى سيء النية، أي كان يعلم سبب الاستحقاق وقت الاتفاق، كان حكمه كحكم الباني سيء النية أن يخضع لخيار المالك، إذا يجوز لهذا الأخير أن يطلب إزالة المنشآت التي قام بها المشترى مع التعويض إذا كان له وجه، أو يطلب استبقاءها مقابل دفع قيمتها مستحقة الإزالة.
أما إذا أنفق المشترى على المبيع مصروفات كمالية، فليس له أن يطالب بها المالك، كما ليس له أن يطالب بها البائع إذا كان هذا الأخير حسن النية.
مصروفات الدعاوى (دعوى الضمان و دعوى الاستحقاق): المفروض هنا أن المشترى خسر دعوى الاستحقاق المرفوعة عليه من الغير وألزم تبعا لذلك بمصروفاتها و أنه أدى هذه المصروفات للمستحق، فيكون له أن يطالب بها البائع ويستثنى من ذلك ما كان المشترى يستطيع أن يتقيه لو أخطر البائع بدعوى الاستحقاق في الوقت الملائم، ويقع على عاتق البائع في هذه الحالة إثبات أنه كان ممكنا اختصار الإجراءات لو تم إخطاره في الوقت الملائم.
تعويض المشترى عما لحقه من خسارة و ما فاته من كسب بسبب استحقاق المبيع : بعد أن ذكر المشرع عناصر التعويض السابقة في البنود الأربعة الأولى من المادة 375 أضاف في البند الخامس " بوجه عام تعويض المشترى عما لحقه من خسارة أو فاته من كسب بسبب استحقاق المبيع " و القصد من هذه العبارة هو تقرير حق المشترى في طلب التعويض عن كل خسارة لحقت به أو كسب فاته، وليس في ذلك إلا تذكير بالقواعد العامة و تطبيقا لها.
لهذا يجوز للمشترى أن يرجع على البائع زيادة على العناصر السابقة، بمصاريف عقد البيع، مثل مصاريف تحرير العقد عند الموثق، السمسرة و رسوم التسجيل، و ما فاته من كسب مثلا بسبب فوات صفقـة رابحة، كأن ترك المشترى مشروع استثمار تجاري ليشترى العين المبيعة ثم تستحق العين بعد ذلك، فإن الربح الذي كان يدره المشروع يعتبر كسبا فات علـى المشترى و من ثم يتعين أن يعوضه البائع عنه و هذا ما نص عليه المشروع الفرنسي في المادة 1149.
بمعنى إذا استحق المبيع في يد المشترى، يعتبر إخلالا بالتزام الضمان الذي يقع على عاتق البائع، و لذا تطبق القواعد العامة التي تخول للمشترى أن يطلب إما التنفيذ بمقابل أو الفسخ أو إبطال البيع، و تكون مصلحة المشترى في طلب الفسخ إذا كانت قيمة المبيع قد نقصت وقت الاستحقاق عما كانت عليه وقت البيع، و بالفسخ يخوله استرداد كل الثمن الذي دفعه، أما التنفيذ بمقابل لم يكن يخوله إلا قيمة المبيع وقت الاستحقاق و فضلا عن ذلك للمشترى أن يستغنى عن طلب التنفيذ بمقابل و عن طلب الفسخ و يطلب إبطال البيع لورود البيع على مال غير مملوك للبائع و التعويض إذا كان المشترى يجهل أن البائع كان لا يملك المبيع.
أحوال الاستحقاق الجزئي نصت عليها المادة 376 ق.م.ج. و المقابلة للمادة 444 ق.م مصري، كما تعرض المشرع اللبناني أيضا لهذه الحالة في المادتين 437، 738 موجبات لبناني، و يكون الاستحقاق جزئيا إذا انتزع من المشترى جزء مفرز أو شائع من المبيع أو حكم للغير بحق متفرع عن حق ملكية المبيع كحق ارتفاق، أو بمال من ملحقات المبيع، و إذا ادعى به الغير و حكم له القضاء بذلك، اعتبر استحقاقا جزئيا، و لكن المشرع يفرق في الاستحقاق الجزئي بين حالتين:
الحالة الأولى: و هي الحالة التي يكون فيها الاستحقاق الجزئي بالغا حدا من الجسامة بحيث لو علمه المشترى قبل التعاقد لما أبرم العقد، أي أن تكون خسارة المشترى بسبب الاستحقاق الجزئي قد بلغت من الجسامة قدرا لو علمه المشترى لما أتم العقد، فللمشترى أن يطالب البائع بالمبالغ المبينة بالمادة، 375 مقابل رد المبيع مع الانتفاع الذي حصل عليه منه.
الحالة الثاني: و هي الحالة التي لم يبلغ فيها الاستحقاق الجزئي هذا الحد من الجسامة، أي الحالة التي لم يبلغ فيها الاستحقاق الجزئي قدرا من الجسامة، فلا يكون للمشترى أن يرد الباقي للبائع و إنما له أن يحتفظ بباقي المبيع و أن يطلب التعويض عن الجزء الذي استحق.
تعديل أحكام ضمان الاستحقاق بموجب الاتفاق:
الأصل في التزام الضمان كما في غيره من الالتزامات العقدية أن تخضع لإرادة المتعاقدين، فمثلا يجوز للمشترى الاتفاق على أن يعوضه البائع في حالة حصول تعرض له في انتفاعه بالمبيع، كما يحق للمتعاقدين أن يحددا مقدما قيمة التعويض بالنص عليه في العقد، لقد نصت المادة 377/1 ق.م.ج على ذلك و التي تقابلها المادة 445 الفقرة الأولى.
( يجوز للمتعاقدين بمقتضى اتفاق خاص أن يزيدا في ضمان نزع اليد أو ينقصا منه أو يسقطاه ).
أما الاتفاق على إسقاط الضمان أي الاتفاق على عدم الضمان فإنه يعفى البائع من التزامه بالتعويضات التي يستحقها المشترى من جراء التعرض القانوني الصادر من الغير، ولكن لا يعفيه من دفع قيمة المبيع وقت الاستحقاق إلا إذا أثبت ( البائع ) أن المشترى كان يعلم وقت البيع سبب الاستحقاق، و معنى ذلك أن الاتفاق على إسقاط ضمان البائع يؤدي إلى الإعفاء حتى من رد قيمة المبيع، و ذلك في حالتين:
أ ـ إذا كان المشترى يعلم وقت البيع بسبب الاستحقاق، إذا العلم بسبب الاستحقاق و قبول شرط عدم الضمان يستفاد منه أن المشترى قد قبل إعفاء البائع مع كل مسؤولية و أنه أقدم على البيع على أساس المخاطرة، ويقع على البائع عبئ إثبات أن المشترى كان يعلم وقت البيع بسبب الاستحقاق.
ب ـ أن يكون المشترى قد عقد العقد وأخذ على نفسه ما يمكن وقوعه من المضار و المخاطر، أي اشترى على مسؤوليته، إذا يصرح بالتنازل عن كل حق له في الرجوع على البائع فإذا ما استحق المبيع للغير لا يكون للمشترى الرجوع على البائع بشيء و لا حتى قيمة المبيع.
المطلــب الثانـــي:
ضمـان العيوب الخفية و الإجراءات الواجب اتخاذها للحصول على الضمان

البيع عقد يلتزم فيه البائع أن يتفرّغ عن ملكية شيء أو حقّ ما، ويلتزم فيه المشتري أن يدفع ثمنه للبائع، إضافةً إلى تسليم المبيع إلى المشتري، بضمان النقائص والعيوب الخفية الموجودة فيه.
الفــرع الأول:
ضمـــان العيـــــوب الخفيــــة

أولا : المقصود بضمان العيوب الخفية
والعيب هو الآفة أو العلّة الموجودة بشكل خفي في الشيء المبيع، والتي تكون من الأهمية والخطورة بحيث يصبح الشيء غير صالح للاستعمال بالشكل الذي كان يريده المشتري، ومن الأمثلة على العيوب الخفيّة في المبيع، شراء بناء فيه ضعف من جرّاء قلّة المواد المستخدمة في الأعمدة، شراء برّاد منزلي لا يصنع ثلجاً، شراء حصان فيه مرض غير
ظاهر، شراء فرس للسباق يتبيّن أنها بطيئة (وغير مؤهّلة للمشاركة في السباقات)، شراء شاحنة يتبيّن أن محرّكها لا يعمل بعد قطعه مسافة 40.000 كلم في حين أن غيرها من مثيلاتها يسير 200.000 كلم.
والعلة في إلزام البائع بضمان العيوب الخفيّة والنقائص في الصفات هي أنه ملزم بنقل ملكية مفيدة ونافعة إلى المشتري، وفقاً لما يفرضه حُسن النيّة في التعامل، تحت طائلة التعويض عليه عند تعذّر ذلك، ويشمل الضمان مبدئياً جميع أنواع المبيعات، منقولة كانت أو غير منقولة، مادية أو غير مادية، جديدة أم مستعملة، إلا أن القانون استثنى البيوع التي تجريها السلطة القضائية (أي البيوع الجارية بالمزاد العلني) من أحكام ضمان العيوب الخفيّة، وبالتالي فهي غير مشمولة بها.
و إذا وجد مثل هذا العيب كان البائع مسؤولا عنه و هذا هو ضمان العيوب الخفية و هذه العيوب قد تؤثر في الشيء المبيع إما بنقص قيمته أو بنقص منفعته، بالإضافة إلى هذه العيوب، هناك حالة تتصل بالمبيع بحيث لا تنقص من قيمة الشيء ولا من نفعه، إلا أنه تجعل المبيع غير مرغوب فيه من طرف المشترى و هي تخلف صفة معينة تعهد البائع بوجودها للمشترى في المبيع، وتخلف هذه الصفة يجعل الشيء المبيع في نفس مرتبة الشيء المعيب، وهذا ما نص عليه المشرع الجزائري و كذا المشرع المصري بالإضافة إلى ذلك هناك عيب آخر نص عليه المشرع الجزائري و هو عدم صلاحية الشيء المبيع للعمل لمدة معينة، وهذه كلها ضمانات متنوعة شرعها المشرع لصالح المشترى و ذلك في أحكام القانون المدني الجزائري.
معنى العيب في الفقه الإسلامي:
فقد جاء في فتح الغدير للكمال بن همام، أنه كل ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجار فهو عيب.
وجاء في البدائع للكاساني: كل ما يوجب نقصان الثمن في عادة التجار، نقصانا فاحشا أو يسيرا فهو عيب، و هذا ما يسمى بخيار العيب.
و يعرف العيب فيه بأنه ما تخلو منه الفطرة السليمة و ينقص القيمة، و المقصود بالفطرة السليمة الحالة الأصلية للشيء، و يعرفه عبد الستار أبو غدة : "ما نقص عن الخلقة الطبيعية أو عن الخلق الشرعي نقصانا له تأثير في ثمن المبيع".
و مشروعية خيار العيب في الفقه الإسلامي يستند إلى قول الرسول صلى الله عليه و سلم : ( لا يحل لمسلم أن يبيع سلعه من السلع و هو يعلم أن عيبا فيها قل أو أكثر حتى يبين ذلك لمبتاعه ).
موقف التشريع الجزائري من ضمان العيوب الخفية :
رغم عدم ورود تعريف خاص للعيب الخفي في القانون المدني الجزائري إلا أنه لم يهمل النص عليه ( المادة 379 ).
"يكون البائع ملزما بالضمان إذا لم يشمل المبيع على الصفات التي تعهد بوجودها وقت التسلم إلى المشترى، أو إذا كان بالمبيع عيب ينقص من قيمته، أو من الانتفاع بحسب الغاية المقصودة منه حسبما هو مذكور بعقد البيع، أو حسبما يظهر من طبيعته أو استعماله، فيكون ضامنا لهذه العيوب و لو لم يكن عالما بوجودها ...."
ثانيا : شروط ضمان العيب الخفي
حرصا من المشرع على استقرار المعاملات، فقد اشترط لقيام ضمان البائع لعيوب المبيع توافر شروط معينة في العيب
و هي أن يكون مؤثرا، خفيا، قديما، و هذه الشروط تنصرف إلى العيب، بمعنى الآفة الطارئة .
1 ـ أن يكون العيب مؤثرا : هو العيب الجسيم الذي يُنقص من قيمة المبيع نقصاً محسوساً أو يجعله غير صالح للاستعمال في ما أُعدّ له بحسب ماهيّته أو بمقتضى عقد البيع؛ فينشأ عنه موجب الضمان.
فتعبر عنه المادة 379/1 ق.م.ج و يعبر عنه المشرع الفرنسي في المادة 1641 ونصها كالآتي : ( إن البائع يلتزم بضمان العيوب الخفية في المبيع التي تجعله غير صالح للاستعمال المقرر له التي تنقص من صلاحيته لهذا الاستعمال لدرجة أن المشترى لم يكن ليشتريه أو لم يكن ليدفع فيه إلا ثمنا أقل، فيما لو علم بهذا العيب ).
أما إذا لم يكن العيب محسوساً بل كان خفيفاً أو طفيفا بحيث لا يترتب عليه سوى نقص في بعض الأمور الثانوية الكمالية بالنسبة للمشتري، فلا يكون موجباً للضمان.
كذلك لا يكون موجباً للضمان العيب المتسامح به عُرفاً (بحسب العرف السائد، أي العادة التي درج الناس على إتباعها في زمن معيّن مع اعتقادهم الراسخ بإلزاميتها وبوجوب تطبيقها) كاحتواء القمح كمية مألوفة من الأتربة، ...إلخ.
وإذا كان المبيع من الأشياء التي لا تُعرَف حقيقة حالها إلاّ بإحداث تغيير فيها، كالأثمار ذات الغلاف اليابس (مثلاً البطيخ واللوز و الجوز والبندق...)، فالبائع لا يضمن العيوب الخفيّة فيه إلا إذا تعهد صراحة بذلك أو إذا كان العرف المحلّي يوجب عليه هذا الضمان.
وعلى كلّ، فإنّ تقدير ما إذا كان العيب مؤثراً أم لا، أمر يعود للقاضي الذي يعتمد في هذا المجال المعيار الموضوعي بصرف النظر عمّا يكون قد قصده المشتري بصورة خاصة وغير متوقعة، إلاّ إذا عُيّن هذا القصد الخاص في متن العقد.
أي أن العيب المؤثر حسب النص المذكور ( هو العيب الذي يجعل المبيع غير صالح للاستعمال الذي أعد له و التي تنقص هذا الاستعمال إلى حد أن المشترى ما كان ليشتريه ...) إذن يجب أن يكون العيب الموجب للضمان على قدر من الجسامة بحيث ينقص من قيمة الشيء أو من نفعه بالقدر المحسوس.
لكن نقص القيمة لشيء معين يختلف عن نقص المنفعة لذلك الشيء، و كمثال عن نقص قيمة الشيء دون نقص منفعته: أن يشترى شخص سيارة صالحة للسير و لجميع الأغراض المقصودة منها، لكن في مقاعدها أو في أقسام أخرى منها عيب من شأنه أن يؤدي إلى تخفيض في قيمتها تخفيضا محسوسا، و بالرغم من ذلك كان للمشترى الرجوع على البائع بضمان العيب الخفي.
2 ـ أن يكون العيب قديما: قِدَم العيب هو من الشروط الواجب توافرها لكي يتحقق موجب الضمان على البائع. والمقصود بالعيب القديم، العيب السابق للبيع أو على وجه أصحّ، العيب الموجود قبل انتقال الملكية إلى المشتري أو عند انتقالها كحدّ أقصى (في الأشياء المِثلية يؤخَذ بوقت التسليم، أما في الأشياء العينية فيؤخَذ بوقت انعقاد البيع).
أما إذا كان العيب ممّا لا يظهر إلاّ بعد انعقاد البيع وانتقال الملكية، فيكون الضمان واجباً على البائع، مثال ذلك أن يشتري أحدهم حيواناً فيه جرثومة لمرضٍ ما، ويتمكّن من إثبات وجودها في الحيوان قبل استلامه، و تجدر الإشارة إلى أنّه إذا كان انتشار المرض أو العيب يعود إلى خطأ وإهمال من المشتري، فعلى هذا الأخير أن يتحمّل وحده الضرر، فمَنْ يشتري مثلاً سيارة ويُلاحظ أنّ الحرارة تزداد في محرّكها عن المعدّل العادي، ومع ذلك لا يعمد إلى فحصه مُهملاً تزويده بالزيت، فيُعْطَب، لا يحقّ له المطالبة بالضمان، أما إذا كان الاستعمال السيّئ للشيء فقط عاملاً مُساعداً في ظهور العيب من دون التسبّب في نشوئه، فيبقى الضمان واجباً على عاتق البائع، وقد يرى القاضي توزيع المسؤولية بين البائع والمشتري إذا كان خطأ هذا الأخير قد شارك جزئياً في عملية إظهار العيب، إنّ عبء إثبات قِدَم العيب يقع على عاتق المشتري أما عبء إثبات خطأ المشتري في الاستعمال، فيبقى على عاتق البائع، والإثبات في الحالتين ممكن بكافة الوسائل)، و بذلك يكون المشرع الجزائري قد ربط ووحد بين ضمان العيب و تبعة الهلاك، إذا العبرة فيهما بالتسليم.
إضافة إلى ذلك هناك نقطة تتطلب التوضيح، وهي حالة ما إذا لم يظهر العيب إلا بعد التسليم، فكيف نحمل المشترى هذه الخسارة ؟ في حين أن العيب أو الجرثومة كانت موجودة في المبيع قبل العقد أو قبل التسليم ؟ مثال على هذه الحالة : أن يباع حيوان به جرثومة المرض التي لم تظهر إلا بعد التسليم، و هنا يقع الضمان على عاتق البائع لأن جرثومة المرض موجودة في المبيع عند تسليمه للمشترى.
وهذا هو موقف الفقه الإسلامي الذي يعتبر العيب الحادث عند المشترى بسبب قديم، هو بمثابة عيب قديم، و يعلل فقهاء الشريعة ذلك في بيع العبيد، فلو ارتكب العبد جناية عند مولاه ثم باعه، و بعد ذلك ظهرت جنايته فقضى عليه بعقوبتها أي ( الجناية ) كان ذلك موجبا خيار العيب للمشترى.
و لكن رغم ذلك، حتى يضمن البائع العيوب التي تلحق بالمبيع بعد التسليم، يجب على المشترى أن يثبت أن هذا العيب كان كامنا في المبيع و لم يظهر إلا بعد التسليم.
3 ـ أن يكون العيب خفيا: بالإضافة إلى شرطي التأثير و القدم، يشترط في العيب أيضا أن يكون خفيا و غير معلوم للمشترى، و العيب الخفي هو العيب الذي يكون موجودا وقت المبيع و لكن ليس بوسع المشترى تبينه أو اكتشافه و لو فحص المبيع بعناية الرجل العادي، كما تنص عليه المادة 379 ق.م.ج و مفاد ذلك أن الشخص المتوسط الفطنة لا يستطيع أن يكتشفه إلا إذا فحص المبيع خبير ، أو محلل فني أو كيميائي أو الطبيب .
مثال: أحد كبار المزارعين اشترى بذورا لزرعها، فزرعها لكنها لم تنبت لكون بعضها مسوسا، فرفع هذا المزارع دعوى ضمان العيب على البائع، لكن المحكمة رفضت دعواه لكون هذا العيب الملحق بالبذور عيبا ظاهرا و باعتباره من كبار المزارعين لا يصعب عليه كشف تسوس هذه البذور عند تسليمها إليه من البائع.
إذن البائع لا يضمن العيوب الظاهرة أي العيوب التي باستطاعة الرجل المعتاد اكتشافها بالفحص العادي، لأن العيب ليس خفيا و لو لم يتبينه المشترى لكونه مقصرا حينئذ في عدم الانتباه إليه ـ إلا إذا كان غائبا عن مجلس العقد ـ فهنا كل عيب يعتبر من العيوب الخفية و لو كان العيب ظاهرا ما لم يعلمه المشترى، أما في الفقه الإسلامي، فلم يشترط مثل هذا الشرط، فمذهب الحنفية مثلا يرى أن هناك بعض العيوب يشترط فيها الضمان رغم أنها عيوب ظاهرة، كأن يكون العبد أعمى أو عسرا .
و من خلال ما سبق ـ ما عدا الفقه الإسلامي ـ فإن البائع لا يكون مسؤولا عن العيوب الظاهرة التي كان بإمكان المشترى اكتشافها لو أنه فحص المبيع بعناية الرجل العادي، إلا أنه استثناء مما سبق، نص المشرع الجزائري على حالتين يكون فيهما البائع مسؤولا عن العيب، و لو كان ظاهرا و هما:
الحالة الأولى : حالة ما إذا أثبت المشترى أن البائع كان قد أكد له خلو المبيع من العيب، لأن المشترى يكون بذلك قد اعتمد على قول البائع.
الحالة الثانية : عندما يثبت المشترى أن البائع قد تعمد إخفاء العيب عنه غشا منه، لأن اكتشاف العيب حينئذ لا يكفي فيه نباهة و فحص الرجل المعتاد، مثل طلاء شرخ في جدار المنزل دون إصلاحه.
4 ـ ألا يكون العيب معلوما للمشترى: فلو كان المشترى عالما بالعيب سقط الضمان و لو كان خفيا، لأن علمه بالعيب هذا يدل على رضائه بالمبيع، و العبرة بتاريخ العلم بالعيب في المبيع ـ العلم الحقيقي ـ و هو وقت التسليم أو وقت الفرز لأنه الوقت الذي يتاح فيه عمليا للمشترى الإطلاع على العيب.
و بالتالي يقع على البائع عبء إثبات علم المشترى بالعيب أي القول بأن المشترى كان يعلم بوجود العيب وقت تسلم المبيع، و الإثبات واقعة مادية، يجوز إثباتها بكافة وسائل الإثبات، أما إذا لم يثبت ذلك، افترض أن المشترى غير عالم بالعيب، و بالتالي وجب على البائع الضمان.
أما موقف الفقه الإسلامي، فيجعل قبض المشترى للمبيع الذي علم بعيبه بعد العقد مسقطا لحقه في الرد، وليس له الرجوع على البائع بالتعويض، أما بالنسبة للبائع، فلا عبرة بجهله العيب أو إخفائه عنه، فهو يضمنه دائما و قد يترتب على علمه به دون إخبار المشترى به صدور غش منه أو تدليس، مما ينجم عنه تشديد مسؤوليته، هذا و يضيف فقهاء الشريعة الإسلامية شروطا أخرى للعيب الخفي مثل عدم اشتراط البراءة من العيب، ألا يزول العيب فبل فسخ البيع، ألا يكون العيب طفيفا، أن تكون السلامة من العيب غالبة في مثل المبيع المعيب.
ثالثا : المدين و الدائن في ضمان العيوب الخفية
1 ـ المدين في ضمان العيوب الخفية " البائع ":
إن البائع هو المدين في ضمان العيوب الخفية، فلا ينتقل التزامه إلى الخلف العام أي الورثة، بل يبقى هذا الالتزام دينا في التركة، مثلا : إذا مات البائع رجع المشترى بضمان العيب الخفي على التركة لا على الورثة، و لا ينتقل التزامه أيضا إلى الخلف الخاص ( البائع )، مثلا : إذا تصرف المشترى الأول في المبيع إلى مشتر آخر، و ظهر العيب فيه، فليس لهذا الأخير الرجوع على المشترى الأول، لأنه الخلف الخاص للبائع، و إنما عليه أن يرجع على البائع.
ـ بالنسبة لدائن البائع، فهذا لا ينتقل إليه الالتزام، بل يتحمل الالتزام بضمان العيوب الخفية على الوجه المقرر في القواعد العامة، أما كفيل البائع فيكون ملزما بضمان العيوب الخفية، و يجوز للمشترى أن يرجع عليه بهذا الضمان طبقا للقواعد المقررة في الكفالة.
2 ـ الدائن في ضمان العيوب الخفية :
إن الدائن هو المشترى، و ينتقل هذا الحق إلى الخلف العام " الوارث " مثلا : لو مات المشترى، جاز لورثته الرجوع بضمان العيب على البائع كما كان يرجع مورثهم، و ينقسم الضمان بينهم كل بقدر نصيبه في العين، و ينتقل هذا الحق أيضا إلى الخلف الخاص، مثلا: لو أن المشترى باع العين المبيعة إلى مشتر ثان، كان لهذا الأخير أن يرجع مكان المشترى الأول على البائع، أي أن دعوى ضمان العيوب الخفية انتقلت من المشترى الأول إلى الثاني، و من ثم تكون للمشترى الثاني لضمان العيوب الخفية ثلاث دعاوى.
* دعواه الشخصية ضد المشترى الأول "ضمان العيب الخفي" أي الدعاوى التي استمدها من عقد البيع الثاني.
* دعواه غير المباشرة التي يرفعها باسم المشترى الأول على البائع باعتباره خلفا خاصا له.
* الدعوى المباشرة و هي دعوى المشترى الأول نفسها ضد البائع بضمان العيب الخفي.
رابعا : الاتفاق على تعديل أحكام الضمان
تنص المادة 384 ق.م.ج : "يجوز للمتعاقدين بمقتضى اتفاق خاص أن يزيدا في الضمان أو أن ينقصا منه، و أن يسقطا هذا الضمان، غير أن كل شرط يسقط الضمان أو ينقصه يقع باطلا إذا تعمد البائع إخفاء العيب في المبيع غشا منه". إذن إن أحكام ضمان العيب الخفي مثل أحكام ضمان التعرض و الاستحقاق، ليست من النظام العام، إذا يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على تعديلها سواء بالزيادة أو بالتخفيف منها أو إعفاء البائع منها.
1 ـ الزيادة في الضمان : مثلا : يشترط المشترى على البائع أن يضمن له كل عيب في المبيع، حتى و لو كان ظاهرا يمكن اكتشافه بعناية الرجل العادي، أو أن يتفق معه على إطالة مدة التقادم، فتكون أكثر من سنة، أو أن يشترط المشترى على البائع عدم سقوط حقه في الرجوع بالضمان، إذا لم يبادر إلى فحص المبيع فور تسليمه إليه، أو أن يتفق معه على الرد المبيع حتى و لو كان العيب بسيطا.
2 ـ الإنقاص من الضمان أو التخفيف من الضمان : كأن يشترط البائع على المشترى على ألا يضمن عيبا معينا يذكره بالذات، أو ألا يضمن له العيوب التي لا تظهر إلا بالفحص الفني المتخصص، أو أن يتفق على إنقاص التعويض كأن يشترط البائع على المشترى إذا رد المبيع المعيب ألا يرد له إلا أقل القيمتين، قيمة المبيع سليما أو الثمن، دون أي تعويض آخر.
3 ـ الاتفاق على إسقاط الضمان : يكون ذلك باشتراط البائع على المشترى عدم ضمانه لأي عيب يظهر في المبيع حيث تكون تبعة ما يظهر من عيوب المبيع على المشترى، أي أنه يستبقي المبيع المعيب دون أن يستطيع الرجوع على البائع بأي تعويض.
غير أنه في حالة الاتفاق على إنقاص الضمان أو الإعفاء منه يجب ألا يكون البائع قد تعمد إخفاء العيب غشا منه
و إلا كان شرط إنقاص الضمان أو الإعفاء منه باطلا، المادة 384 ق.م.ج المقابلة لنص المادة 453 مصري و على المشترى الذي يريد أن يتمسك ببطلان شرط الإنقاص أو الإسقاط، أن يثبت غش البائع في إخفاء العيب و لا يكفي أن يثبت علم البائع بالعيب.

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 1:44 م
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi