19‏/9‏/2012

كتابة الأحكام وتسبيبها بين مدرستين


كتابة الأحكام وتسبيبها بين مدرستين
الباحث: الدكتور علي إبراهيم الإمام بكالوريوس في القانون [ مرتبة الشرف ] جامعة الخرطوم
ماجستير في القانون المقارن
ماجستير في القوانين [ مرتبة الشرف العليا ]
دكتوراه في القانون جامعة جورج واشنطن

العدد: 2002

نص البحث:
مقدمـة وتمهيد:

تختلف طريقة كتابة وتسبيب الأحكام القضائية عن كتابة البحوث والمذكرات والمرافعات وهي تحتاج إلى خبرة ومعرفة لا يملك ناصيتها إلا القاضي المتمرس الممارس للعمل القضائي ردحاً من الزمن.
وتزخر المكتبات القانونية بالمؤلفات التي تشرح نصوص قانوني الإجراءات الجنائية والمرافعات المدنية والعديد منها يسهب في التعليق على النصوص القانونية الخاصة بتسبيب الأحكام ومدى كفاية التسبيب وما يترتب على قصور التسبيب . ولم يخل قانون من قوانين الإجراءات المدنية من النصوص التي تبين ما يجب أن يشتمل عليه الحكم وما يتضمنه منطوقه وهي مسائل أساسية لا تختلف عليها القوانين المعاصرة في مختلف أنحاء العالم.
ولكن الخلاف يثور فيما بين النظامين القضائيين السوداني والمصري في كيفية معالجة الدعوى وسماعها وفي طريقة صياغة الحكم وكتابته . فمن يطلع على أحكام المحاكم المصرية يجدها على خلاف كبير مع أحكام المحاكم السودانية في هذه الأمور.
ويرجع هذا التباين إلى اختلاف الثقافة القانونية التي نهل منها كل من القاضيين السوداني والمصري وإن كان التراث الثقافي الإسلامي والعربي والتطور الحضاري قد أسهـم إسهاماً مقدراً في إزالة بعض أوجه الخلاف.
وقد حفزني ما لحظته من أوجه تباين بين النظامين إلى كتابة هذا البحث المقارن أعقد فيه المقارنة بين طريقة كتابة الأحكام في مدرستين هما المدرسة السودانية والمدرسة المصرية مسلطاً الضوء على بعض مزايا وحسنات كل من النظامين والمآخذ التي تؤخذ على كل منهما حسبما يتراءى لي من خلال الممارسة لعدة عقود.
وأستهل هذا البحث بفصلٍ أتناول فيه الخلفية التاريخية للثقافة القانونية السودانية ومصادرها وأكتفي بالقول بأنه لا خلاف بأن المصدر الأساسي لقانوني الإجراءات الجزائية والمرافعات المدنية المصريين هو القانون الفرنسي.
وأتناول في الفصلين الثاني والثالث طريقة كتابة الأحكام وتسبيبها في النظامين المصري والسوداني.
ولكن قبل الخوض في بيان الاختلاف بين النظامين في كيفية كتابة الأحكام ينبغي التأكيد على أن كتابة الحكم في ظل أي نظام يسبقها الفهم . فهم القاضي للوقائع فهماً صحيحاً وفحص كافة مستندات الدعوى وتفسيرها تفسيراً يتفق مع محتواها وتقويم الأدلة تقويماً سليماً وإيراد كافة وقائع الدعوى ومن ثم تطبيق القانون عليها تطبيقاً صحيحاً.
ويجب أن يشتمل الحكـم الذي يصدر عـن محكمة سودانية علـى اسم المحكمة التي أصدرته وتاريخ ومكان صدوره واسم القاضي أو القضاة الذين أصدروه وأسماء الخصوم وصفاتهـم والإقرارات ونقاط النزاع وأسباب الحكم ومنطوقه وتوقيع القاضي أو القضاة الذين أصدروه ([1]).
كما يجب أن يشتمل منطوق الحكم على رقم الدعوى وأسماء الخصوم وصفاتهم وطلباتهم التي حكم بها أو أي حكم آخر ومصروفات الدعوى ومن يلزم بدفعها من الخصوم. ويجب أن يحمل منطوق الحكم تاريخ صدوره وتوقيع القاضي أو القضاة الذين أصدروه ([2]).
حري بالذكر أن كل هذه البيانات باستثناء تحديد الإقرارات ونقاط النزاع يتضمنها أي حكم يصدر طبقاً لأي نظام قانوني سواء كان مصدره القانون الإنجليزي أو القانون الفرنسي. وجدير بالقول أن المحكمة تقضي للخصوم في حدود طلباتهم ولا تقضي لهم بأكثر مما طلبوه.
الفصل الأول
الإرث التاريخي

لعب كل من الاستعمار الإنجليزي والاستعمار الفرنسي خلال القرنين الماضيين دوراً كبيراً في تأسيس وتطوير النظم القضائية في مستعمراتهما وفي فرض حضارتهما وثقافتهما القانونية في معظم فروع القانون على هذه المستعمرات وذلك باستثناء الأحوال الشخصية ونتيجة لذلك ساد النظام القانوني الفرنسي أي القاري Continental System في مصر وفي دول شمال أفريقيا وسوريا ولبنان وتفرد السودان [ والعراق في بعض قوانينه] بالأخذ بالنظام ألا نجلو سكسوني أو ما يعرف بالقانون العام Common Law .
وكانت ضربة البداية في السودان مع سقوط دولة المهدية واحتلال المستعمـر للبلاد في سنة 1898م حيث صدر قانون القضاء المدني سنة 1900م ([3]) وبدأ العمل به في أبريل من العام نفسه ، وقد أشتمل على نصوص إجرائية وموضوعية وطبق في مديريات الخرطوم ود نقلا وبربر وسنار وكسلا ومركزي حلفا وسواكن ومن بعد طبق في باقي أنحاء السودان . وقد استمدت نصوص هذا القانون من قوانين بعض الولايات الهندية ومن بعض التشريعات العثمانية وكذلك بعض التشريعات المعمول بها في بعض المستعمرات البريطانية في أفريقيا.
ولما كانت المحاكم في السودان قبل بداية الحكم الثنائي في سنة 1898م تطبق مبادئ الشريعة الإسلامية فقد حاول المشرع – وفاءً لعهد قطعه لورد كرومر Lord Cromer لمشايخ وأعيان أم درمان في 5 يناير 1899م ([4]) وكذلك في ديسمبر 1900م ([5]) – حاول المشرع ألا يكون في نصوص قانون القضاء المدني ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية . وفـور احتلاله السودان عيَّن المستعمر أحد كبار رجال القانـون البريطانيين ، مستر بونهام كارتر Mr. Bonham Carter رئيساً للقضاء كما عين معه عدداً قليلاً من القانونيين البريطانيين لمساعدته وعيَّن قاضي قضاة مصري - شيخ محمود شاكر - أنيطت به إدارة المحاكم الشرعية التي تطبق أحكام الشريعة الإسلامية في المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية للمسلمين.
وفي سنة 1910م أصدر المشرع قانون الدعاوى المدنية الذي تضمن نصاً تضمنته المادة الرابعة من قانون القضاء المدني لسنة 1900م وأعيدت كتابته فيما بعد في المادة التاسعة من قانون القضاء المدني لسنة 1929م مؤداه أن تطبق المحاكم في حالة عدم وجود نص تشريعي قواعد العدالة والإنصاف والوجدان السليم ([6]) . وهو النص الذي ولج من خلاله القانون الإنجليزي إلى السودان ، فمن خلال هذا النص ومن خلال القضاة البريطانيين الذين استقدمهم المستعمر منذ بداية فترة الحكم الثنائي استورد السـودان القانون الإنجليزي العام بكلياته ، بسوابقه القضائية وبنصوصه المقننة Statutory and decisional Law وقد ترسم خطى أولئك القضاة الأجانب القضاة السودانيون الذين تدربوا على أيديهم وتلقوا قسطاً من الثقافة القانونية في بريطانيا فكانوا يكتبون أحكامهم بلغة إنجليزية رصينة وبالأسلوب وبالصيغ التي تكتب بها الأحكام في المحاكم الإنجليزية بما فيها مجلس اللوردات House of Lords وقد تمسك القضاة السودانيون بهذا النهج حتى خلال الفترة القصيرة التي طبق فيها قانون المرافعات المدنية لسنة 1971م المنقول من قانون المرافعات المدنية المصري.
ولم يتغير الوضع بعد صدور قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م غير أن الأحكام بعد سنة 1970م أصبحت في معظم الأحيان تكتب باللغة العربية ، إلا أن المحاكم ظلت تسترشد بالسوابـق القضائية الإنجليزية ([7]) وفي حالات قليلة بالاجتهاد الفقهي من دول أخرى.
ورغم صدور قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م إبان فترة صدور التشريعات الإسلامية في السودان إلا أن طريقة كتابة الأحكام لم تتغير عما كانت عليه فيما مضى . ويرجع ذلك إلى سببين:
أولهما: عدم اختلاف نصوص قوانين الإجراءات المدنية والجنائية المتعاقبة عن بعضها البعض إلا في النذر اليسير جداً وذلك فيما عدا قانون المرافعات المدنية الصادر في سنة 1971م المنقول من القانون المصري والذي لم يعمر طويلاً.
ثانياً: كان كبار القضاة المدنيين حتى منتصف القرن الماضي معظمهم بريطانيين وكان أعوانهم من القضاة السودانيين قد تلقوا تعليمهم في كلية القانون بالخرطوم على أيدي أساتذة إنجليز وكانت القوانين التي تدرس إما أنها إنجليزية أو أن أصلها يرجع للقانون الإنجليزي وكانت المراجع لا تخرج عن التشريعات الإنجليزية القليلة آنذاك والكم الهائل من السوابق القضائية في مختلف فروع القانون . ومعظم هؤلاء القضاة السودانيون ابتعثوا في دراسات إلى بريطانيا ، وبالتالي فقد تشربوا بالثقافة الإنجليزية فجاءت أحكامهم مشابهة لأحكام المحاكم الإنجليزية في شكلها ومضمونها وفي كيفية صياغتها.
وسارت على دربهم الأجيال التي خلفتهم . بل وسارت على هذا النهج المحكمة الاتحادية الدستورية الحديثة التكوين مما يؤكد أن القضاء في السودان اختط لنفسه طريقاً واسلوباً تفرد به ، وهو أسلوب له بعض الميزات والحسنات كما أن عليه بعض المآخذ التي نعرض إليها في الفصلين التاليين.
طريقة كتابة الأحكام في مصر

باستثناء قوانين الأحوال الشخصية اقتبس القانون المصري معظم مبادئه القانونية من القانون الفرنسي ولا يزال كبار شراح القانون المصري يرددون ما قالته محكمة النقض الفرنسة ويجدون فيه الحل الأمثل لكل مشكل وقد اقتدوا بها في طريقة كتابة الأحكام باللغة العربية دون غيرها من اللغات الأجنبية. ولعل من أهم خصائص الحكم الذي تصدره محكمة النقض المصرية هو الإيجاز غير المخل وتناوله للموضوع بصورة مباشرة وتطبيق القواعد القانونية عليه دون إسهاب أو تطويل لا لزوم له وبدون استرسال في فروض لا حاجة للحكم بها. فهي تعرض للوقائع بالقدر اللازم لبيان موضوع الدعوى وهذه الميزة تتفوق بها المدرسة المصرية على المدرسة السودانية لأن القارئ للحكم سواء كان متقاضياً أو خلافه يتفهمه بيسر وسهولة ويصل إلى النتيجة والتسبيب دون عناء ؛ ذلك أنه كلما كان الحكم واضحاً ودقيقاً وموجزاً إيجازاً غير مخل ومسبباً تسبيباً كافياً وتناول موضوع النزاع بصورة مباشرة كان أكثر سهولة في فهمه وفي معرفة ما قضى به وكذلك ما أرساه من مبادئ قانونية.
ميزة أخرى يتميز بها القضاء المصري هي وضوح الرؤية بالنسبة لدرجات التقاضي.
فقد استقر القانون والإجتهاد القضائي على أن درجات التقاضي درجتان وأن محكمة النقض ليست درجة من درجات التقاضي وإنها ليست محكمة موضوع بل هي محكمة قانون ، وترتيباً على ذلك لا يستطيع الخصوم أن يثيروا أمامها لأول وهلة مسائل متعلقة بواقع لم يسبق لهم طرحها على المحكمة الابتدائية أو أمام محكمة الاستئناف ، فهي تحاكم الحكم المطعون فيه لتتحقق إن كان قد خالف القانون أو أخطأ في تطبيقه أو خالف الثابت في أوراق الدعوى أو حرَّف المستندات وخرج بها عن مدلولها أو شابه فساد في الاستدلال أو قصور في التسبيب.
وإذا نقضت الحكم وكانت المحكمة الابتدائية قد استنفدت ولايتها في القضية فإنها لا تعيدها إليها بل تعيدها إلى محكمة الاستئناف التي تلتزم بقضاء محكمة النقض عند معاودة نظر القضية.
ومن خصائص حكم محكمة النقض المصرية أنه يتحاشى بقدر المستطاع مخاطبة قاضي المحكمة الأدنى ، فهو لا ينسب الخطأ ولا يعزو العيب إلى القاضي بأن يقول (( أخطأ القاضي في كذا وكذا )) ولكن ينسب الخطأ والقصور للحكم الذي أصدره بأن يقول (( أخطأ الحكم المطعون فيه في كذا وكذا )) أو أن (( الحكم المطعون فيه جاء مجهَّلاً مما يعجز محكمة النقض من إعمال رقابتها عليه )) وذلك عندما تقصَّر المحكمة الأدنى في بيان الوقائع أو في تسبيب حكمها بما فيه الكفاية.
ويصدر حكم محكمة النقض المصرية بإجماع الآراء ولا محل فيه لإبداء رأي مخالف ، ويلتزم المقرر بكتابة الحكم وفقاً لرأي الأغلبية وإن كان لا يتفق معها فيما ذهبت إليه.
ويرى القضاء المصري أن إبداء الرأي المخالف يكون في مرحلة المداولة فقط ولا يضمَّن في الحكم بحجة سرية المداولة وأن الرأي المخالف يضعف الحكم ويشكك الخصوم في صحته ، ومن ثم فلا لزوم له على الإطلاق ، ولكني أرى – وعلى ما استقر عليه الفقـه والقضاء الانقلو أمريكي Anglo-American بل وعلى ما استقر عليه القضاء والقانون في دول أخرى كثيرة منها السودان – ان إبداء الرأي المخالف وابرازه يدل على جدية المداولة ويفسح المجال للقاضي المخالف بأن يبين وجهة نظره القانونية في عدم قبوله للرأي الذي ذهبت إليه الأغلبية بما يحملها لتعيد النظر كرتين فيما كتبته قبل أن يصدر الحكم علها تراجع نفسها ، وهو فوق هذا وذاك يثري الفقه والقانون وقد يؤخذ به في أحكام لاحقة خاصة وأن القانون حمال آراء.
ويوقع قضاة الدائرة على الحكم بما يفيد موافقتهم دون إيراد لكلمة تفيد الموافقة مثل كلمة (أوافق) التي درج القضاة السودانيون على كتابتها. وإذا كان لأي قاض من القضاة المشاركين في الحكم بعض الملاحظات على المذكرة التي كتبها المقرر ( صاحب الرأي الأول) فإن له أن يبديه في المداولة ويؤخذ برأيه وملاحظاته وتضمن في الحكم إن كانت مفيدة ومكملة للحكم.
ويهتم القضاء المصري اهتماماً شديداً بالشكل بل ويسرف في بعض الأحايين في اهتمامه بالشكل ، ولا تلتفت محكمة النقض المصرية إلى موضوع الدعوى لتقول كلمتها فيها مهما كانت عدالة قضية الطاعن ما لم تتيقن ابتداءً من استيفاء الطعن لكل موجباته الشكلية.
ولكن وإن كان التمسك بالشكل أمراً لازماً وضرورياً وإن القول بعدم التقيد بكافة نصوص قانون الإجراءات المدنية تقيداً دقيقاً هو قول غير سديد ويفضي في حالات كثيرة إلى تضارب الأحكام وإلى إطلاق يد القاضي دون قيود تلجم طغيان الرأي الشخصي والخاص في مسائل حسمها قانون الإجراءات المدنية أو أي قانون آخر كقانون الرسوم أو قانون المحاماة إلا أن الإغراق في الشكل قد يفوت في بعض الأحايين فرصة تحقيق العدالة.
ولما كانت محكمة النقض المصرية هي محكمة قانون فإنها لا تتدخل في تقدير محكمة الموضوع للعقوبة طالما أنها كانت بين الحدين المنصوص عليهما في القانون ، كما أنها لا تتدخل في تقدير التعويض المدني باعتبار أن ذلك من إطلاقات محكمة الموضوع وإن كانت لا تعوزها الحيلة في نقض الحكم بتبرير قضائها بأن الحكم المنقوض غير سائغ أو أنه قاصر في بيانه.
ولكن هذا التبرير قد يكون غير كاف لأن الحكم قد يسبب قضاءه فيما قضى به من تعويض ويورد كل العناصر المؤثرة في تقدير التعويض ولكنه مع ذلك لا يعطي المضرور طالب التعويض تعويضاً يتناسب ويتكافأ مع ما لحقه من ضرر أو يعطيه تعويضاً ضخماً مبالغاً فيه لدرجـة تثير الدهشة ، فحينئذٍ وإن كانت المحكمة الناظرة للطعن هي محكمة قانون فحسب وكانت مسألة تقدير التعويض من المسائل الموضوعية إلا أنه – وكاستثناء من القاعدة العامة – يحبذ تدخل المحكمة الناظرة للطعن لتصويب قضاء المحكمة الأدنى فيما قضت به من تعويض وهي بذلك تضع معياراً موحداً one measuring rod للتعويض تلتزم به كافة دوائر المحكمة الأدنى حتى لا تأتي أحكامها متضاربة ومتباينة في هذا الخصوص بما يلحق الغبن بأحد الخصوم.
والمطالع لأحكام المحاكم في البلدين يلاحظ أن المحاكم المصرية تطبق النصوص الإجرائية المتعلقة ببطلان الحكم بدرجة أشد صرامة من الدرجة التي تطبقها بها المحاكم السودانية فهي لا تستثنى من البطلان إلا الحالة التي تكون فيها الغاية من الإجراءات قد تحققت.
ومن خصائص الحكم المصري أنه يكتب بصورة نمطيه وتبدأ كل فقرة من فقراته بكلمة ((وحيث)) ([8]) وبإيراد دفع أو عدد من الدفوع المثارة في الطعن في فقرة والرد عليها في الفقرة التالية . كما أن الحكم يصدر باسم ولي الأمر ، وإغفال ذلك يجعل الحكم معيباً بما يترتب عليه بطلانه ([9]).
ويرى بعض النقاد أن المحكمة المصرية تعوَّل في قضائها كلياً على أراء الخبراء وأن ذلك أمر غير صحيح ، ولكني لا أشاطرهم هذا الرأي لأن هناك مسائل كثيرة تتعلق بموضوع الدعوى لا يتسنى للقاضي أن يقضي فيها دون أن يستأنس برأي أهل الخبرة ، فهو يحيل الأمر إليهم ليعينوه في بيان ما يشق عليه الوصول إليه ولإبداء رأيهم في المسائل الفنية.
الفصل الثالث
طريقة كتابة الأحكام في السودان

لعل أفضل ميزة تميز بها القانون والقضاء في السودان على رصيفه المصري هي أنه في مراحل الدعوى المبكرة تحدد المحكمة من واقع مناقشـة الخصـوم ومذكراتهم – المسائل التي ليست محل خـلاف بينهم (الإقرارات) والمسائل القانونية والموضوعية المختلف عليها فيما بينهم وبذلك تحدد نقاط النزاع وتحصرها وتوجه مسار القضية في وجهة محددة لا تخرج عنها مما يمكن محكمة الموضوع من إصدار حكم ناجز بعد أن تكون قد تفهمت مقطع النزاع في الدعوى.
ميزة أخرى اختص بها القضاء في السودان هي سماع الدعوى تلقائياً دون طلب من الخصوم ، وذلك على خلاف ما هو معمول به أمام المحاكم المصرية حيث لا تحال الدعوى بصورة تلقائية إلى التحقيق بل تقدر المحكمة إن كان هناك موجبّ لذلك ، ولا يملك الخصوم إلزامها باتخاذ هذا الإجراء طالما رأت أنها ليست بحاجة إليه.
إن سماع الدعوى يمكَّن المدعي من عرض قضيته بصورة أفضل ويتيح الفرصة لسماع شهوده إن كانت الدعـوى مما يجوز فيه تقديم شهود مما يجعل المحكمة تقيم حكمها على بينة من الأمر بقضاء غير متعجل.
وميزة ثالثة يتميز بها القضاء في السودان هي أن المحكمة العليا غير مغلولة اليد في إعادة تقدير العقوبة التي توقعها المحاكم الجزائية الأدنى طالما رأت أن تلك العقوبـة لا تتناسب مع الجرم الذي ارتكبه المتهم المدان . وكذلك الحال بالنسبة للتعويض الذي تقدره المحاكم المدنية . فهي يمكن أن تعيد النظر في مبلغ التعويض الذي قدرته المحكمة الأدنى متى كان ذلك التعويض قليلاً جداً ولا يتناسب ولا يتكافأ مع ما أصاب المضرور من ضرر أو كان كبيراً بدرجة المبالغة التي تثير الدهشة (). والمحكمة بهذا النهج تضع معياراً Yardstick لتقدير التعويض تهتدي به دوائر المحاكم الأدنى المختلفة وبه تحقق عدالة ومساواة بين المضرورين حسب ظروف كل قضية والخصوم فيها , هذه كلها ميزات تحسب في كفة حسنات أحكام المحاكم السودانية ، ولكن في الجانب الآخر هناك بعض المآخذ على أحكام المحاكم السودانية.
وأول ما يؤخذ على أحكام المحكمة العليا السودانية هو عدم وضوح الرؤية بالنسبة للمحكمة نفسها هل هي محكمة قانون فحسب أم محكمة قانون وموضوع معاً . فهي تارة تقول إنها محكمة قانون فحسب ([10]) وتارة أخرى تغوص في أعماق الموضوع وتعرض لكافة وقائع الدعوى وتتناول أقوال الشهود بتفصيل لم يتناولها به الحكم المطعون فيه ثم تنتهي إلى تقدير الوقائع بما يخالف أو يتفق مع ما خلصت إليه محكمة الاستئناف وهي بذلك لا تراقب قضاء محكمة الاستئناف في مدى تطبيقه للقانون تطبيقاً صحيحاً وإنما تنصب نفسها محكمة موضوع . فهي في هذه الحالة لا تحاكم الحكم المطعون فيه وإنما تحاكم القضية ذاتها كغيرها من باقي درجات التقاضي الأدنى . ويبدو أن ما جعل أحكام المحكمة العليا في السودان تتأرجح بين الرأيين ولا تستقر على حال في هذا الخصوص هو الإرث القانوني ، فقد كانت المحاكم وإلى ما بعد الاستقلال في سنة 1956م بفترة طويلة تقتبس من أحكام المحاكم الإنجليزية (مجلس اللوردات ومحكمة الاستئناف) وهذه المحاكم تحاكم القضية ولا تحاكم الحكم المطعون فيه فحسب ، فهي تتصدى للوقائع وتقضي في القضية في كل جوانبها الموضوعية والقانونية . وفي ظل هذا النظام لا يكون القضاء مقصوراً على درجتين فقط هما درجة المحكمة الابتدائية ودرجة محكمة الاستئناف . ولا عيب في ذلك ، فلنظام القضاء على درجتين مزاياه ومحاسنه كما أن لنظام التقاضي على ثلاث درجات مزاياه ومحاسنه . ولكن المطلوب في هذا الخصوص هو إعادة صياغة المادة 207 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م بطريقة محكمة كي تحدد بصورة قاطعة إن كانت المحكمة العليا درجة ثالثة من درجات التقاضي أم مرحلة من مراحل التقاضي يقتصر دورها على مراجعة أحكام المحاكم الأدنى في حدود ضيقة لا تخرج عنها على نحو ما تفعل محكمة النقض المصرية.
أيضاً كان لدراسة القانون الإنجليزي ونظمه والتدريب والممارسة إبان فترة الحكم الثنائي أثرها العميق في تكوين العقلية القانونية للقاضي السوداني . فتحقيق العدالة عنده يعلو ويسمو على كل اعتبار ؛ فهو في سبيل تحقيق العدالة يتجاوز بعض المسائل الشكلية والإجرائية ، ولا تميل المحكمة العليا السودانية إلى إبطال الحكم المطعون فيه لمجرد وجود خطأ شكلي أو نقص في الإجراءات يسير متى تيقنت من صحة الحكم المطعون فيه من ناحيته الموضوعية . وقد استندت المحكمة العليا في هذا الشأن إلى نصين قانونيين وردا ضمن نصوص قوانين الإجراءات المدنية المتعاقبة ومنذ تاريخ صدور قانون القضاء المدني لسنة 1900م وقانون القضاء المدني لسنة 1929م وقانون الدعاوى المدنية لسنة 1910م وقانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م الساري المفعول ؛ وأول هذين النصين هو النص الذي يبيح للمحاكم تطبيق مبادئ العدالة والإنصاف والوجدان السليم ([11]) وثانيهما الذي يؤكد على سلطة المحكمة الطبيعية Inherent power في إصدار ما تراه مناسباً وضرورياً لتحقيق العدالة ([12]) ومنع سوء استغلال إجراءات المحكمة لتصحيح أي خطاء إجرائي واتخاذ ما تراه مناسباً من الإجراءات كي تصل إلى حقيقة النزاع بما يمكنها من الفصل فيه فصلاً عادلاً ناجزاً.
غني عن القول أن تحقيق العدالة والإنصاف هو غاية تسعى إليها كل محكمة ولكن ذلك يتم من خلال إعمال واتباع الإجراءات المنصوص عليها قانوناً لأن أحكام وقواعد الإجراءات شُرعت لتحقيق العدالة ولتقييد المحكمة ببنود صريحة ومُحكمة لا تخرج عنها وتصل من خلالها إلى إحقاق الحق والإنصاف ومن ثم فإنه لا يجوز للمحكمة تجاوز هذه النصوص بحجة تحقيق العدالة الناجزة تحت مظلة المادتين 6 و303 مـن قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م ، وعليها أن تتقيد بالمدد والمواعيد المحددة والمنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية ولا تتجاوزها لأي سبب غير منصوص عليه في القانون.

والمطالع لأحكام محكمة النقض المصرية وأحكام المحكمة العليا السودانية يجدها تختلف في أسلوب كتابة وصياغة الحكم . فبقدر ما يتصف الحكم المصري بدقة الإيجاز والوصول مباشرة إلى النتيجة يكون الحكم السوداني في أحايين كثيرة مطولاً تطويلاً لا داعي له ولا فائدة منه ويتطرق لمسائل قانونية لا حاجة لموضوع النزاع بها وتتخلله آراء عرضية obiter dicta يستقيم الحكم بدونها ويورد أسماء المراجع والمؤلفات والمؤلفين والشراح الذين استشهد بآرائهم كما يستشهد بأحكام بعض المحاكم الأجنبية ، وهي غالباً ما تكون إنجليزية بل ويورد أسماء تلك السوابق القضائية والمراجع والدوريات المنشورة بها ، وتهدف المحكمة من وراء ذلك إلى إقناع المطلع على حكمها إلى صـواب قضائها وسلامة رأيها الذي استقته من المرجع الذي أشارت إليه ، وأيضاً اعتقاداً منها بأنها تقوم برسالة تعليمية لناشئة القانونيين . ولكن يأخذ البعض على الحكم الذي يصـدر بهذه الكيفية عدم الدقة وعدم الإيجاز لعدم ولوجـه مباشرة لمقطع النزاع ولتطرقه لأمـور لا حاجة للحكـم بها ، ويعاب عليه إيراد أسماء السوابق الأجنبية التي تباعدت الصلة بها بعد الاستقلال وبعد صدور قوانين سودانية عديدة غطت الساحة بما يجعل المفيد حقاً هو الاطلاع وليس الاسترشاد بتلك السوابق To be informed but not to be guided by foreign cases بما مؤداه أن نقتبس من تلك السوابق القواعد القانونية ولكن دون أيراد أسماء السوابق . ويلاحظ أن حكم النقض المصري يقتبس من آراء الفقهاء وشراح القانون ولكن دون إشارة إلى المرجع الذي اقتبس منه لأن محكمة النقض تعتبر نفسها هي المنشئة والمقررة للقاعدة القانونية التي اقتبستها لأنها هي المنوط بها تفسير القانون وتطبيقه ، وهـي أيضاً لا تورد أحكامها السابقة التي تتبعها في حكم لاحق بل تكتفـي بالقول بأنه (( مـن المقرر في قضـاء هذه المحكمة )) أو (( وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة )) أو ((وقد استقر قضاء هذه المحكمة )) أو (( وعلى ما قضت به هذه المحكمة )) وعلى من أراد أن يطلع على ما سبق أن قضت به مطالعة الدوريات التي يصدرها مكتبها الفني . كل ذلك يتم بهدف الإيجاز والوضوح والدقة.
ويلاحظ المطالع لأحكام المحكمة العليا السودانية أنها لا تكتب على نمط واحد كما هو الحال بالنسبة لأحكام محكمة النقض المصرية ، ولا تثريب على المحكمة العليا في ذلك ، ولكن يعاب على البعض القليل من هذه الأحكام الإيجاز المخل . فبعض الأحكام تكتب بصورة مبهمة مجهلة يصعب معها معرفة السبب الذي أقامت عليه المحكمة قضاءها برفض الطعـن كأن تكتفي بالقــول بأن (( الحكم المطعون فيه يتفق وصحيح القانون)) وذلك دون أن تبين كيف يتفق حكم المحكمة الأدنى وصحيح القانون ودون أن ترد على الدفوع المثارة في صحيفة الطعن . الحكم الذي يكتب بصورة مقتضبة وموجزة إيجازاً مخلاً ولا يعرض لوقائع الدعوى وأسباب الطعن ولا يرد عليها يكون قاصر البيان ولا يُفهم معه الأساس الذي استندت عليه المحكمة في قضائها ولكن المطلوب هو الإيجاز غير المخل والدقة وعدم الاستطراد والاسترسال فيما لا يتعلق تعلقاً مباشراً بأسباب الطعن وبالنتيجة التي خلصت إليها المحكمة.
وقد درج قضاة المحكمة العليا حينما يوافقون على مذكرة زميلهم المقرر (صاحب الرأي الأول) على كتابة كلمة ((أوافق)) ((I concur)) ((I agree)) وبدأ بعضهم في العقود الأخيرة يضيف إلى هذه العبارة عبارات أخرى لا فائدة منها ولا قيمة لها كقول أحدهم (( أوافق زميلي العالم )) أو (( ليس لدي ما أضيفه لرأي زميلي العالم )) ، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو أنه إذا صدر الحكم بالإجماع ألا يفهم من مجرد توقيع القاضي عليه موافقته عليه ؟ لا بأس من أن يكتب أحد القضاة الموافقين على النتيجة مذكرة منفصلة برأيه إذا كان يخالف الأغلبية في تسبيبها أو كان يرى أنها قد تنكبت في الوسيلة التي توصلت بها إلى النتيجة الصحيحة . ولكن إذا لم يكن له رأي مخالف في الحكم ، أو في تسبيبه فيكفي مجرد توقيعه عليه متى صدر الحكم بإجماع الآراء ، خاصة وأن المادة 104(1) (ز) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م تنص على توقيع القضاة الذين أصدروا الحكم مما مفاده أنها لا توجب كتابة كلمة (أوافق) للتدليل على الموافقة عليه.
خاتمـــة

الحكم هو عنوان الحقيقة ولهذا يجب أن يصدر عن فهم وبصيرة . ويجب أن يستهل حكم المحكمة العليا أو حكم محكمة الاستئناف بما يفيد التحقق من عدم وجود ما يعتري الطعن من عيوب الشكل الموجبة لعدم قبوله.
ويجب أن يتضمن الحكم كافة وقائع الدعوى ونقاط النزاع إن كان صادراً من محكمة ابتدائية كما يجب أن يتضمن الوقائع وأسباب الطعن إذا كان صادراً عن محكمة الاستئناف أو المحكمة العليا . وينبغي أن يرد الحكم على أسباب الطعن في تسلسل منطقي رداً سائغاً وكافياً ، وذلك دون إطالة لا لزوم لها ودون أن يخوض في أمور غير مؤثرة في النتيجة التي انتهى إليها ودون أن يستطرد ويسترسل في مسائل يصح الحكم بدون التطرق إليها وأيضاً دون أن يورد نصوصاً قانونية وقواعد فقهية لا حاجة للحكم بها ، بمعنى آخر يتعين أن يكون الحكم واضحاً ومبيناً ودقيقاً وموجـزاً إيجازاً غير مخل وأن يصل إلـى النتيجة بصـورة مباشرة وأن يكتب بلغـة فصحـى خالية من الأخطاء . هكذا يجب أن يكتب الحكم.
ومن رأي أنه قد حان الأوان للانعتاق من أيراد أسماء السوابق القضائية الأجنبية التي تقتبس منها بعض المبادئ القانونية . وفي سبيل الإيجاز فإنه يحبذ على مستوى أحكام المحكمة العليا الاستنارة بآراء الفقهاء وشراح القانون والأخذ والاقتباس منها وذلك دون إيراد لأسمائهم أو أسماء مؤلفاتهم طالما أن رأي الفقيه أو العلامة أو المؤلف لا يتبلور في شكل قاعدة قانونية ملزمة إلا بتبني المحكمة العليا له واعتدادها به . ولكن عدم إيراد أسماء المراجع ومؤلفيها في الحكم مشروط بأن يبين القاضي المقرر ( صاحب الرأي الأول) لزملائه في الدائرة المراجع والمصادر التي استمد منها القاعدة القانونية التي أوردها في مذكرته كي يتسنى لهم الرجوع إليها للتحقق من صحة وسلامة الاقتباس.
________________________
[1] المادة 104 من قانون الإجراءات المدنية .
[2] المادة 105 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م.
[3] The Civil Justice Ordinance, 1900
[4] A. Silva white, The Expansion of Egypt (1899) 1.427.
[5] The Special Sudan Gazette, October 1900.
[6] Section 9 of the Civil Justice Ordinacr, 1929 reads: (In cases not provided for by this or any other enactment for the time being in force the court shall act according to justice, equity and good Conscience).
[7] قال القاضي اوين OWEN في قضية ورثة إبراهيم خليل ضد أحمد حسن عبد المنعم وإخوانه
AC/APP.42/1926
We are guided but not governed by English Common and statute law
وقال رئيس القضاء الأسبق محمد أحمد أبو رنات في قضية بخيته إبراهيم ضد حمد محجوب AC/Rev./8/1957 مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1957م في ص
…the courts of the Sudan Should remember that they are guided by, but not bound by the Common law.
[8] استعمال كلمة (وحيث) بهذه الكيفية اقتبسها القضاء المصري من القضاء الفرنسي ؛ وهو أمر غير مألوف فـي أحكام المحاكم الإنجليزية والأمريكية ، فهـي تستعمل كلمات لذلك ولهـذا وحيث Thus, hence, There for استعمالاً قليلاً وحينما يكون لها مٌقتضىٍ.
[9] نصدر الأحكام في الدول التي أخذت بالنظام الفرنسي باسم ولي الأمر ملكاً كان أو أميراً أو رئيساً وتصدر في البلاد الاشتراكية باسم الشعب ، وهو أمر غير وارد في أحكام المحاكم التي تأخذ بالنظام الإنجليزي.
[10] راجع على سبيل المثال قضية:
أبايزيد إدريس حمد //ضد// يس الدليل وآخرين م أ/أ ن/502/1966م مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1968م ص95.
[11] راجع المادة التاسعة من قانون القضاء المدني لسنة 1929م والمادة السادسة من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م والمادة السادسة من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م.
[12] المادة 303 من قانون الإجراءات المدمية لسنة 1974م وكذلك المادة 303 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م الساري المفعول.

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 1:14 م
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi