2‏/9‏/2012

الأحكـام و القـرارات الإداريـة الكبـرى فـي القضـاء الفرنسـي


الأحكـام و القـرارات الإداريـة الكبـرى فـي القضـاء الفرنسـي
( تعريـب و تلخيـص المستشـار نجيمـي جمـال )

1- حكم محكمة التنازع الفرنسية – 22 يناير 1921 – الشركة التجارية لغرب إفريقيا
Société commerciale de l’Ouest africain


التعليق: ( مؤسسات عامة ذات طابع صناعي و تجاري )
بموجب هذا القرار أقرت محكمة التنازع الفرنسية بوجود مرافق عامة تُسَيّر وفق نفس الشروط التي تحكم سير المؤسسات الخاصة وبذلك ظهرت المؤسسات العامة ذات الطابع الصناعي و التجاري.

بيان الوقائع و الإجراءات :
الشركة التجارية لغرب إفريقيا كانت تملك إحدى العربات التي تضررت في الحادث الذي وقع لعبّارة "إيلوكا " ( Bac d’Eloka ) و هي مصلحة الربط البحري على ضفاف ساحل العاج المستغلة مباشرة من طرف المستعمرة. [1]
و من أجل تحديد القاضي المختص لتعيين الخبير الذي تطالب به الشركة كان على محكمة التنازع أن تحدد ما إذا كانت مصالح ما تابعة للإدارة يمكن أن تعتبر بأنها تسير بنفس الشروط التي تسير بها المؤسسات الخاصة و بالتالي يكون القاضي العادي هو القاضي المختص.
و قد كان من المقبول أن تتصرف الإدارة في بعض العمليات المعزولة مثل الخواص دون استعمال امتيازات السلطة العامة ، و لكن كانت هذه أول مرة يتم قبول الفكرة بالنسبة لمرفق كامل.
و هكذا أصبح بإمكان الإدارة العامة أن تعمد إلى استغلال مرافق عامة وفق هذا الأسلوب .
و من أجل وصف ا لمؤسسات العامة بأنها ذات طابع اقتصادي و تجاري فإن القاضي لا يكتفي بالوصف الوارد في النصوص ( إلا إذا كانت تشريعية ) و لكنه يبحث عن توافر عدة معايير أهمها : موضوع النشاط و مصدر الموارد المالية و كيفيات التسيير. [2]
و إن وصف مؤسسة عامة ما بأنها ذات طابع اقتصادي و تجاري يترتب عليه اختصاص القاضي العادي للفصل في المنازعات المتعلقة بها، غير أن هذه القاعدة ليست عامة في فرنسا و ذلك على التفصيل التالي :
- في باب الأضرار الناجمة عن الأشغال العامة التي تحدث للغير و كذا عند حدوث أضرار من طرف هذه المرافق حال استعمالها امتيازات السلطة العامة.
- و في حالة إبرام المرفق لبعض العقود مثل : عقود تنفيذ الأشغال العامة ،و عقود شغل الدومين العام ، و العقود التي تتضمن شروطا خارجة عن القانون العادي ( Clauses exorbitantes du droit commun ) .
- و فيما يتعلق بالعاملين فإن منازعاتهم مع المؤسسة تعود لاختصاص القاضي العادي ما عدا المدير و المحاسب (إذا كانت لديه صفة المحاسب العام).
- و يختص القاضي الإداري بفحص مشروعية القرارات ذات الطابع العام للمؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي و التجاري .



2- حكم محكمة التنازع الفرنسية بتاريخ 08 فبراير 1873 - قضية بلانكو Blanco

التعليق :
إن محكمة التنازع الفرنسية بموجب قرار بلانكو قد قررت من جهة مسؤولية الدولة عن الأضرار الناجمة عن المرافق العامة ، و من جهة أخرى اختصاص القضاء الإداري بالفصل في المنازعات المتعلقة بها.
بيان الوقائع و الإجراءات : ( مسؤولية مرافق الدولة )
تتمثل الوقائع في كون طفل قد صُدم و جُرح بفعل عربة تابعة لشركة التبغ التي تستغلها الدولة الفرنسية عن طريق الاستغلال المباشر.
و قد رفع أب الطفل دعواه أمام المحاكم العادية للمطالبة بتحميل الدولة المسؤولية المدنية عن الضرر اعتمادا على المواد 1382 إلى 1384 من القانون المدني.
و رفع الأمر إلى محكمة التنازع التي أسندت الاختصاص إلى القضاء الإداري للفصل في النزاع.
و بذلك أقر قرار بلانكو مسؤولية الدولة ووضع حدّا للمفهوم القديم القاضي بعدم مسؤوليتها ، غير أنه أخضع هذه المسؤولية لنظام خاص يميزها عن المبادئ الواردة في القانون المدني في باب المسؤولية بين الأفراد و ذلك بفعل حاجيات المرفق العام.
و النتيجة التي ترتبت على ذلك هي اختصاص القضاء الإداري في هذا الشأن تطبيقا لقانون 16 و 24 غشت 1790 الذي يمنع على المحاكم العادية التدخل بأي شكل كان في عمل الجهاز الإداري .
و إذا كان قرار بلانكو يعتبر من بين القرارات المُنشئة للقضاء الإداري فإن التطورات اللاحقة للاجتهاد القضائي قد أدت إلى تغيير القواعد المعمول بها ، و من ذلك أن المرفق العام لم يعد هو المعيار المتميز لتحديد الاختصاص النوعي وبالخصوص النزاعات المتعلقة بالمؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي والتجاري التي أصبحت من اختصاص القضاء العادي . كما أن المشرع قد تدخل في بعض الميادين لتوزيع الاختصاص مثل قانون 31 ديسمبر 1957 الذي أحال على المحاكم العادية منازعات الأضرار التي تتسبب فيها المركبات ( مثل قضية بلانكو ) .
و قد تكَوّن قانون المسؤولية الإدارية منذ قرار بلانكو على أسُس قضائية بالدرجة الأولى ، و بصفة متميزة عن القانون المدني ، غير أن النتائج المتوصل إليها لم تكن حتما مغايرة للحلول التي توصل إليها القاضي العادي ، كما أنه لم يقع استبعاد قواعد القانون المدني و مبادئه بصفة كلية .
و إذا كانت مِيزة القضاء الإداري في البداية تتمثل في غياب الطابع العام و المطلق لمسؤولية الدولة ، فإن هذه الأخيرة قد توسعت شيئا فشيئا إلى غاية إقرار المسؤولية دون خطأ ، سواء بناءً على المخاطر أو على اختلال المساواة أمام الأعباء العامة ، وبذلك ظهر نظام مناسب للضحايا أكثر من القانون المدني.


3- حكم محكمة التنازع الفرنسية في 08 أبريل 1935 - جريدة " أكسيون الفرنسية " Action Française

التعليق :
هذا القرار كان هو نقطة الانطلاق لنظرية التعدي (La théorie de la voie de fait ).

بيان الوقائع و الإجراءات :
صبيحة 07 فبراير 1934 قام محافظ الشرطة بباريس بحجز جريدة لاكسيون الفرنسية لدى كل المستودعين في باريس و في محافظة السين.
و قامت الجريدة بمرافعته أمام القضاء العادي و وصل الأمر إلى محكمة التنازع التي قضت بأن الإجراء المطعون فيه يشكل تعديا يستتبع اختصاص القاضي العادي.
و بعد ذلك التاريخ حدد الاجتهاد القضائي معالم التعدي ، فنص على وجوده في حالة المساس الخطير بإحدى الحريات الأساسية أو بالملكية الخاصة عن طريق قرار إداري يكون غير مرتبط بكل وضوح بالسلطات المخولة للإدارة ، أو عن طريق التنفيذ الجبري لقرار إداري حتى ولو كان شرعيا و لكن لم تكن الإدارة مخولة لتنفيذه بالقوة.
فالتنفيذ الجبري لقرار إداري لا يكون مشروعا إلا إذا كان القانون ينص عليه صراحة ، أو كانت هناك حالة استعجال تتطلب ذلك ، أو لم تكن هناك أية عقوبة جزائية في حالة مخالفة القرار الإداري.
و يترتب على نظرية التعدي نتائج هامة للغاية : فتصرف الإدارة بخروجها عن إطار الشرعية يؤدي إلى تشويه تصرفاتها و بالتالي لا يعود هناك ( في فرنسا ) فصل بين القضاء الإداري و العادي ، و يكون لهذا الأخير الولاية القضائية الكاملة لمعاينة التعدي و توجيه الأوامر للإدارة للكف عن التعدي و تعويض ما حدث من ضرر. أما القاضي الإداري ( في فرنسا ) إذا عرض عليه قرار إداري يشكل تعديا فإنه يكتفي بمعاينة ذلك و يعتبر القرار لاغيا و بلا أثر.



4- حكم محكمة التنازع الفرنسية في 02 ديسمبر 1902 الشركة العقارية سان جيست
Société immobilière de Saint-Just

التعليق : ( تنفيذ الإدارة لقراراتها جبراً )
هذا القرار مشفوعا بشروح محافظ الحكومة روميو Le commissaire du -gouvernement Romieu - يقر بأن من حق الإدارة اللجوء إلى التنفيذ الجبري لقراراتها و يحدد شروط ذلك.
بيان الوقائع و الإجراءات :
الشركة العقارية "سان جيست" كانت تملك عقارا تقيم فيه راهبات جماعة دينية. وتنفيذا لمرسوم قضى بغلق هذه المؤسسة غير المرخص لها ، قرر محافظ محافظة الرّون الإخلاء الفوري للعمارات و وضع الأختام على الأبواب و النوافذ، و تم تنفيذ ذلك في اليوم ذاته . و طالبت الشركة قضائيًا برفع الأختام و وصل الأمر إلى محكمة التنازع التي أسندت الاختصاص إلى القضاء الإداري على أساس أن الإدارة تملك امتياز التنفيذ التلقائي ، أي أنها من أجل تنفيذ قراراتها يمكنها اللجوء إلى التنفيذ الجبري ، بخلاف المتقاضين الأفراد ، و يعود الاختصاص في حالة النزاع إلى القضاء الإداري.
و ما لم يرد صراحة في منطوق هذا الحكم و لكنه مشروح في مذكرة محافظ الدولة روميو التي تعتبر إلى اليوم " قانون التنفيذ الجبري " هو أن امتياز التنفيذ التلقائي محددَ المجال و لا يطبق إلا بصفة ثانوية. فالقاعدة أن الإدارة لا تقوم بالتنفيذ الجبري لقراراتها بل إنها تستعمل ما بحوزتها من عقوبات جزائية أو إدارية ، و ليس التنفيذ الجبري إلا وسيلة ثانوية تلجأ إليها الإدارة في حالة عدم وجود أي نص عقابي حتى لا تبقى مكتوفة الأيدي. و قد توسع اجتهاد القضاء الإداري في فرنسا في منع الإدارة من اللجوء إلى التنفيذ التلقائي كلما كان هنالك أمام الإدارة سبيل آخر للوصول إلى غايتها.
و إلى جانب هذا الشرط الجوهري ، فإن اللجوء إلى التنفيذ التلقائي لا يكون مشروعا إلا إذا :
- كان القرار الإداري المراد تنفيذه يجد مصدره في نص قانوني.
- و أن الإدارة وجدت نفسها أمام مقاومة المنفذ عليه.
- و أن إجراءات التنفيذ التلقائي لا تتجاوز ما هو ضروري لفرض احترام القانون فقط.
و هذا التحديدُ الواردُ بشأن التنفيذ التلقائي حسب قرار 02 ديسمبر 1902 يتميز عن الحالتين الأخرَيَيْن اللتيْن يُسمح فيهما للإدارة بالتنفيذ التلقائي و هما :
- حالة الاستعجال ( L’urgence ) .
- وجود نص قانوني يسمح بذلك ( مثل حالة وضع المركبات في الحظيرة في قانون المرور ) .



5- قرار مجلس الدولة الفرنسي في 31 ماي 1957 - قضية روزان جيرار Rosan Girard

التعليق : ( القرارات الإدارية المعدومة )
بموجب هذا القرار قضى مجلس الدولة الفرنسي أن بعض قرارات الإدارة تكون مشوبة بعدم الشرعية إلى درجة أن ينظر إليها كأنها غير موجودة ، و بالتالي يمكن منازعتها أو استبعادها في أي وقت ، حتى ولو كان أجل الطعن فيها قد فات وانقضى.
بيان الوقائع و الإجراءات :
إن الانتخابات المحلية في بلدية مول في قوادالوب La commune du Moule à la Guadeloupe في شهر أبريل 1953 تميزت ببعض الاضطرابات التي دفعت المحافظ عند عمليات الفرز أن يطلب من رئيس البلدية - المنتهية ولايته - الذي يرأس مكتب تركيز النتائج نقل صناديق الاقتراع إلى مجلس المحافظة حتى يتولى المحافظ بنفسه فرز الأصوات و إعلان النتائج .
رئيس البلدية رفض ، غير أن أحد الصناديق تم حجزه من طرف رجال الدرك ، ولكن مع ذلك صرح مكتب التركيز بالنتائج و أعلن فوز رئيس البلدية المنتهية ولايته.
عندئذ قرر المحافظ إلغاء تلك الانتخابات و شكل مندوبية بلدية خاصة أعادت الانتخابات و نتج عنها انهزام رئيس البلدية المنتهية ولايته دون إحالة الأمر على قاضي الإنتخابات.
السيد روزان جيرار طعن بالإلغاء ضد قرار المحافظ القاضي ببطلان الإنتخابات وإعادتها من جديد ، و قد استجاب له مجلس الدولة رغم أن أجل الطعن قد انقضى واعتبر مجلس الدولة أن القرار المطعون فيه يعتبر لاغيا و بدون أثر بسبب خطورة تعدي الإدارة على صلاحيات قاضي الإنتخابات.
و مجلس الدولة الفرنسي لا يقرر بأن القرار الإداري "يعتبر قانونيا غير موجود" إلا في حالات نادرة ، فالقرار غير الموجود قانونيا يكون مشوبا بعيوب فاضحة وجسيمة الخطورة إلى درجة تُقرّبُه من فعل التعدي ، أي أن القرار الإداري يكون منقطع الصلة بصفة واضحة بالسلطات الشرعية للإدارة و فيه مساس خطير بحق الملكية أو بإحدى الحريات الأساسية.
و القرار المعدوم يمكن طرحه أمام قاضي تجاوز السلطة في أي وقت دون التقيّد بأي أجل ، و يمكن سحبه في كل حين ، و لا يمكن أن تنشأ عنه أية حقوق ، و أخيرا فإن القاضي يمكنه أن يثير تلقائيا هذا العيب.



6- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 30 نوفمبر 1923 - قضية كويتياس Couitéas .

التعليق : ( نظرية المخاطر )
هذا القرار يعطي إشارة الإنطلاق للإجتهاد القضائي الذي قرر مسؤولية الإدارة دون خطأ بفعل نقض المساواة أمام الأعباء العامة .

بيان الوقائع و الإجراءات :
فالسيد كويتياس قد تمّ الإعتراف له بملكية أراضي فلاحية مساحتها 38000 هكتار (في تونس المستعمرة من طرف فرنسا ) و حصل بموجب حكم على حقه في طرد شاغليها ( السكان الأصليين ). و لكن الحكومة الفرنسية ،التي لجأ إليها عدة مرات للتنفيذ ، قد رفضت مدّهُ بالقوة العسكرية اللازمة خشية الإضطرابات الخطيرة التي من الممكن أن يثيرها السكان الأصليون لتلك الأراضي لأنهم يعتبرون أنفسهم هم المالكون الشرعيون منذ غابر الأزمان.
و لما رفضت الإدارة تعويض السيد كويتياس عن الأضرار الحاصلة له طُرِح الأمرُ على مجلس الدولة الفرنسي الذي رأى بأن الحكومة من حقها رفض تقديم القوة المسلحة لأن من واجبها تقدير ظروف تنفيذ الحكم القضائي و رفض ذلك إن كان هناك خطر يهدد الأمن و النظام العام، و لكن من حق السيد كويتياس أن يطالب بالتنفيذ مع استعمال القوة فإذا طالت مدة الرفض فوق الحد المعقول فإن ذلك سيكون حِمْلا من غير المعقول أن يتحمله وحدَه لأن الضرر المفروض عليه في هذه الحالة هو حرمانه من الإنتفاع لمدة غير محددة ، و بالتالي من حقه أن يطالب بالتعويض عنه.
و هكذا يمكن للقاضي في بعض الأحيان أن يقدر بأن السلطة العامة من حقها أن تجعل على كاهل بعض أفراد المجتمع بعض الأعباء الخاصة باسم المصلحة العامة ، و لكن مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة المأخوذ من بيان حقوق الإنسان و المواطن لعام 1789 يوجب أن يُمنحوا تعويضا مقابل ذلك.
و لكن تجدر الإشارة إلى أن الضرر الواجب تعويضه في هذه الحالة يجب أن يكون خاصا و غير عادي ، أي يجب أن يصل إلى درجة من الأهمية ، و أن يقتصر على عدد محدد من الأشخاص.
غير أن القضاء قد رفض في حالات أخرى منح أي تعويض بسبب اختلال التوازن أمام الأعباء العامة ، خشية أن يعطل تماما كل نشاط للإدارة ، و ذلك في مثل حالات تغيير اتجاهات السّيْر العام أو إحداث اتجاهات جديدة و ما يتبع ذلك من أضرار جسيمة للنشاط التجاري.


7- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 30 مارس 1916 - قضية الشركة العامة للإنارة في بوردو
Compagnie générale d’éclairage de Bordeaux


التعليق :
بموجب هذا القرار وضع مجلس الدولة نظرية الحوادث الطارئة La théorie de l’imprévision التي تسمح باستمرارية و دوام العقود الإدارية في حال اضطراب توازنها الإقتصادي بفعل أحداث لم يتوقعها الأطراف.

الوقائع و الإجراءات :
إن الشركة العامة للإنارة في بوردو كانت تريد أن تتحمل بلدية بوردو زيادة الكلفة التي ترتبت عليها بفعل الإرتفاع الكبير في أسعار الفحم التي تضاعفت خمس مرات منذ إبرام عقد الإمتياز بين الطرفين في 1916 ؛ ذلك أنه بسبب الحرب العالمية الأولى ( 1914 / 1918) سقطت معظم المناطق المنتجة للفحم في يد الاحتلال الألماني و أصبح النقل عن طريق البحر أكثر صعوبة.
بمناسبة هذه القضية قضى مجلس الدولة بأن من المفروض أن عقد الإمتياز يحدد بصفة نهائية إلتزامات الطرفين و تكون تغيرات أسعار المواد الأولية بسبب الظروف الإقتصادية من بين مخاطر السوق التي يتعين على الملتزم أن يتكفل بها ؛ و لكن عندما يضطرب التوازن الإقتصادي للعقد إلى درجة كبيرة جداً لم يكن يتوقعها الأطراف ، فإنه لا يمكن للملتزم أن يضمن سير المرفق في الظروف المتفق عليها في البداية. و لهذا فإن مجلس الدولة الفرنسي قرر بأن الشركة تبقى ملزمة بضمان سير المرفق و لكن يجب تعويضها عن النتائج المالية المترتبة عن هذا الإضطراب و التي تتجاوز المخاطر الإقتصادية العادية.
و في الفترة اللاحقة تم تحديد شروط تطبيق نظرية المخاطر من طرف الاجتهاد القضائي على النحو التالي :
أولا - يجب أن تكون الأحداث المؤثرة على تنفيذ العقد غير متوقعة.فقد تكون ظروفاً اقتصادية ، أو ظواهر طبيعية ، أو إجراءات تتخذها السلة العامة ، و لكن في جميع الأحوال يجب أن تؤدي إلى زعزعة التوقعات التي كان من المعقول أن يفكر فيها أطراف العقد عند إبرامه.
ثانيا - أن تكون هذه الأحداث أجنبية عن الأطراف ؛ فإن كانت بفعل الإدارة المتعاقدة فإن نظرية فعل الأمير La théorie du fait du prince هي التي تطبق.
ثالثا - أن تؤدي هذه الأحداث إلى زعزعة اقتصاديات العقد بحيث ل ا تكون مجرد نقص بسيط في الربح و لا تكون من جهة أخرى عقبة تمنع تنفيذ العقد لأنها في هذه الحالة الأخيرة لا يمكن مقاومتها و تؤدي إلى إعفاء المتعاقد من التزاماته.
إن الحدث الطارئ ليس قوة قاهرة و بالتالي فإن المتعاقد يجب أن يواصل تنفيذ العقد، فإن توقف فقد ارتكب خطأ ، و في المقابل فمن حقه التعويض على الأقل عن التكلفة المفاجئة الخارجة عن توقعات العقد أي عن الخسارة الحاصلة خلال التنفيذ بفعل الأحداث المفاجئة .
و من الملاحظ أن هذه النظرية قد دفعت بالإدارة و المتعاقدين معها إلى تدارك الأمر و النصّ في العقود المبرمة على شروط للمراجعة تسمح بالتكيف مع تطور الأوضاع الإقتصادية و المالية مما أدى إلى تضاؤل تطبيق النظرية.



8- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 28 مارس 1919 - قضية رينيو ديروزيي Regnault-Desroziers

التعليق : ( نظرية المخاطر )
هذا القرار يشكل مرحلة هامة في تطور الاجتهاد القضائي الذي يقر مسؤولية الدولة دون خطأ بناء على المخاطر.
الوقائع و الإجراءات :
في 04 مارس 1916 انفجرت ثكنة دوبل كورون شمال سان ديني و تسبب ذلك في وفاة 23 شخصا و جرح 81 وتدمير عدد من المساكن.فلقد جمعت السلطات العسكرية فيها كميات كبيرة من القنابل اليدوية و القنابل الحارقة لتوفير كميات كافية لتزويد الجبهة بسرعة .
و لقد استجاب مجلس الدولة لطلبات التعويض التي تقدم بها المتضررون معتبرا أن تنظيم هذه العمليات تم في ظل ظروف الحرب قد انطوى على مخاطر تتجاوز حدود المخاطر العادية للجوار ، و أن من شأن هذه المخاطر في حالة وقوع المكروه أن تقيم مسؤولية الدولة دون النظر إلى وجود أي خطأ ، بخلاف الإجتهاد السابق الذي كان يتطلب إثبات الخطأ ، و بذلك توسع مجال مسؤولية المخاطر بصفة واضحة .
و هكذا توسع القضاء في تعويض الضحايا عندما تتسبب الإدارة في وجود أخطار متميزة ؛ مثل الأشياء الخطرة Des objets dangereux في القضية الحالية أو الأسلحة النارية Les armes à feu بالنسبة للأضرار التي تحصل للأشخاص الغرباء عن عمل الشرطة ، و المنشآت العامة الخطرة Les ouvrages publics dangereux و المواد الخطرة كحقن الدم الملوث بفيروس السيدا Les produits dangereux .



9- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 28 مايو 1971 - وزير التجهيز و السكن ضد فيدرالية الدفاع عن الأشخاص المعنيين بمشروع " المدينة الشرقية الجديدة ".

التعليق:
بهذا القرار عمق مجلس الدولة مراقبة النفع العام لعملية ما عن طريق تطوير نظرية الموازنة أو الحوصلة la théorie du bilan .

الوقائع و الإجراءات :
عام 1966 قررت الحكومة الفرنسية إنشاء تجمع سكاني جديد شرق مدينة ليل يتضمن مركبا جامعيا و مدينة جديدة ، و هذا المشروع يغطي مساحة 500 هكتار و تصل كلفته إلى مليار فرنك فرنسي و يتطلب نزع ملكية و تهديم حوالي 100 مسكن.
و قد تم الإعلان عن المنفعة العامة لهذه العملية بموجب قرار مؤرخ في 03 أبريل 1968 ، فقامت جمعية بطرح هذا القرار على رقابة القضاء على أساس أن هدم مائة مسكن يشكل ثمنا باهظا لانجاز المشروع و بالتالي فهو ليس ذا منفعة عامة.
و في السابق كان القاضي الإداري يبحث فقط ما إذا كانت العملية بحد ذاتها ذات نفع عام دون النظر إلى مكان إقامة المشروع أو مساوئه. وقد أدى ذلك الإجتهاد القضائي إلى إضعاف مراقبة القاضي ما دام أن عليه الإعتراف بطابع النفع العام لكل عملية تخدم المصلحة العامة .
و لكن بموجب هذا القرار أشار مجلس الدولة أنه لا يمكن التصريح بأن عملية ما هي ذات نفع عام إلاّ إذا كان المساس بالملكية الفردية و الكلفة المالية و المضايقات الاجتماعية الناجمة عنها ليس مبالغا فيها بالنظر إلى المصلحة المرجوة منها.
و بهذا التفكير وضع مجلس الدولة الفرنسي موازنة بين مزايا المشروع و عيوبه ، سواء تعلق الأمر بالكلفة المالية أو انعكاساته على المحيط أو نتائجه على الملكية الفردية ...
و في هذه القضية خلص المجلس إلى أن هدم مائة مسكن لا تنزع عن المشروع طابع النفع العام بالنظر إلى أهمية المشروع ككل.



10-- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 28 جوان 1918 - قضية السيد هيرياس Heyriès

التعليق : ( نظرية الظروف الاستثنائية ).
بموجب هذا القرار يصرح مجلس الدولة أنه في فترات الأزمة ، كحالة الحرب في القضية الراهنة ، تكون للسلطة العامة صلاحيات استثنائية موسعة من أجل ضمان استمرارية سير المرافق العامة.

الوقائع و الإجراءات :
بتاريخ 10 سبتمبر 1914 أصدرت الحكومة الفرنسية مرسوما يقضي بتعليق تطبيق المادة 65 من قانون 22 أبريل 1905 على الموظفين المدنيين للدولة ، و هي المادة التي توجب إخطار الموظف بملفه قبل كل متابعة تأديبية ، و ذلك حتى يمكن القيام بحركة الموظفين و تعيينهم في أقرب وقت.
السيد هيرياس الذي تمّ عزله دون تبليغه بملفه طعن في هذا الإجراء محتجا بعدم شرعية المرسوم.
و لو كانت الظروف عادية لاستجاب مجلس الدولة للطاعن لأن من المستقر عليه بأن المرسوم و هو قرار للسلطة التنظيمية لا يمكن أن يوقف تنفيذ تدابير تشريعية ؛ و لكن في القضية الراهنة رفض المجلس الطعن على أساس أنه طبقا للدستور يتعين على السلطات العمومية أن تسهر على استمرارية عمل المرافق العامة المنشأة طبقا للقانون في كل الظروف ، و ألا تؤدي الصعوبات الناجمة عن الحرب إلى عرقلة سيرها.
إن نظرية الظروف الاستثنائية تسمح للسلطة الإدارية بتجاوز :
- القواعد العادية للاختصاص : فيمكن للسلطة التنظيمية أن تتدخل في مجال اختصاص السلطة التشريعية عندما تقتضي حالة الاستعجال ذلك و لا يمكن اجتماع الهيئة التشريعية ، بل و ذهب مجلس الدولة إلى أنه في حالة عجز أو تقصير الهيئة الإدارية فإنه يمكن للأفراد العاديين أن يحلوا محلها و أن يتخذوا الإجراءات التي تتطلبها الظروف ، و يقومون بذلك بدور الموظف الفعلي.
- القواعد الشكلية العادية .
- احترام المبادئ العامة التي من المفروض مراعاتها في الظروف العادية كحرية التنقل ، و حق الملكية ، و الحريات الفردية .
و لكن في كل الأحوال يراقب القاضي الإداري كل التدابير التي تتخذها الإدارة في ظل نظرية الظروف الاستثنائية ؛ فيراقب في البداية الوجود الفعلي لهذه الظروف التي يجب أن تكون على درجة من الخطورة و أن تكون غير متوقعة ( و ذلك ما يميزها عن حالة الاستعجال ) ، و أن تستمر هذه الظروف إلى غاية اتخاذ الإجراء . كما يتأكد القاضي من أنه كان يستحيل على الإدارة أن تتخذ ذلك الإجراء بكيفية نظامية . و أخيرا يراقب القاضي الإداري بأن القرارات قد اتخذت من أجل النفع العام و خصوصا من أجل استمرارية الدولة.


- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 28 جويلية 1951 - الضابط لاريال و السائق دلفيل Laruelle et Delville

التعليق : ( دعوى الرجوع بين الإدارة و الموظف )
بموجب هذين القرارين أعلن مجلس الدولة الفرنسي بأن بإمكان الإدارة أن ترفع دعوى الرجوع ضد العامل لديها عندما يتسبب في الحكم عليها بدفع تعويضات و فوائد بسبب خطئه الشخصي ، و في المقابل ، إمكانية أن يعوض العامل من طرف الإدارة عن الجزء من التعويضات التي حكم عليه بدفعها في حالة تقسيم المسؤولية.

بيان الوقائع و الإجراءات :
في القضية الأولى كان ضابط الصف لاريال قد تسبب في حادث مرور عندما استعمل لأغراضه الشخصية سيارة عسكرية كان يقودها . و قد تحصل الضحية على حكم من القاضي الإداري يلزم الدولة بتعويض الضرر الحاصل له بناء على خطأ المصلحة المرتكب من طرف الهيئة العسكرية بعدم اتخاذها التدابير الكافية لمراقبة خروج سياراتها .
على إثر ذلك اتخذ وزير قدماء المحاربين قرارا يلزم الضابط بأن يدفع للخزينة العامة مبلغا يساوي المبلغ الذي دفعته الدولة تنفيذا للحكم القضائي ، و هو القرار الذي طعن فيه السيد لاريال بالإلغاء.
و قد قرر مجلس الدولة بأن الأعوان العموميين مسئولون ماليا في مواجهة إدارتهم عندما يكون الضرر ناجما عن خطئهم الشخصي ، و بالتالي رفض الطعن.
و كان هذا القرار نتيجة منطقية لتطور الإجتهاد القضائي في هذا الباب الذي تواتر على اعتبار أن الخطأ الشخصي للعون العمومي يرتب في مواجهة الضحية مسؤولية هذا العون و كذلك مسؤولية الإدارة ؛ و هذا الحل يضمن حقوق الضحايا حيال الإعسار المحتمل العون و لكن حتى لا يتطور الأمر إلى عدم مسؤولية الأعوان حتى عن أخطائهم الشخصية جاء هذا القرار ليخالف اجتهادا قضائيا سابقا (28 مارس 1924 ) كان يمنع رجوع الإدارة على موظفيها.
و أما قرار دلفيل فيشكل الشطر الثاني للمسألة ، فالسيد دلفيل كان سائقا لدى وزارة البناء و التعمير الفرنسية ، و قد حكم عليه من طرف المحاكم العادية بأن يدفع التعويض عن كافة الأضرار الحاصلة لضحية حادث المرور الذي تسبب فيه السائق عندما كان يقود شاحنة تابعة للإدارة.
و قد كان هذا الحادث ناجما في الوقت نفسه عن حالة السكر التي كان عليها السائق و إلى رداءة حالة فرامل الشاحنة و بالتالي كانت المسؤولية مناصفة بين السائق و الدولة ، و في هذه القضية اعتبر مجلس الدولة أن من حق السيد دلفيل أن يطلب من الدولة أن ترجع له نصف المبلغ المحكوم به عليه.
و هكذا في حالة حدوث ضرر نتيجة تزاوج الخطأ الشخصي و الخطأ المرفقي فإنه يمكن للضحية أن يطالب بالتعويض الكامل من الإدارة أمام القضاء الإداري ، أو من العون أمام القضاء العادي. غير أن توزيع التعويض بين الإدارة و العون تتم على يد القاضي الإداري حسب جسامة كل خطأ.
و من نافلة القول أنه في حالة متابعة العون بمفرده دون أن يكون هناك خطأ شخصي من جانبه فإن على الإدارة أن تتحمل كل التعويضات التي من الممكن الحكم بها عليه، و هو المبدأ الذي أكده الاجتهاد القضائي ( قرار مجلس الدولة بتاريخ 26 أبريل 1963 في قضية المركز الصحي لبيزانسون ) قد تم النص عليه في قانون الوظيف العمومي الفرنسي .



12- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 27 أكتوبر 1995 - Commune de Morsang-sur-Orge

التعليق :
بموجب هذا القرار اعتبر مجلس الدولة الفرنسي أن احترام كرامة الإنسان يجب أن ينظر إليها كإحدى مكونات النظام العام .

بيان الوقائع و الإجراءات :
رئيس بلدية Morsang-sur-Orge قرر منع مشاهد " رمي الأقزام" التي كانت ستجرى في ملاهي المدينة ، و لم يعتمد في قراره هذا على سلطات الشرطة الخاصة التي تعود إليه بموجب أمر 13 أكتوبر 1945 المتعلق بالحفلات ، بل اعتمد على صلاحيات الشرطة العامة المستمدة من أحكام قانون البلديات.
فرئيس البلدية لم يهدف إلى ضمان الأمن العام أو تفادي اضطرابات محتملة تمس النظام العام، بل منع هذه المشاهد لأنها تمس بكرامة الإنسان.
فعند ممارستهم لصلاحيات الشرطة البلدية يتعين على رؤساء البلديات اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على النظام العام الذي يتمحور تقليديا حول : الأمن و السكينة و الصحة العامة ، غير أن الإجتهاد القضائي قد توسع في ذلك بعض الشيء لتشمل فكرة النظام العام في بعض الأحيان جانبا من الأخلاق العامة ؛ و من ذلك قرارات غلق محلات الفجور و الدعارة ( 17 ديسمبر 1909 ) و تنظيم لباس المستحمين في الشواطئ ( 30 مايو 1930 ) و الكتابات المحتشمة على القبور ( 04 فبراير 1949 ) و مطابقة تسمية الشوارع البلدية للأخلاق العامة ( 19 جوان 1974 ) و منع عرض بعض الأفلام بسبب طابعها غير الأخلاقي حسب الظروف المحلية ( 18 ديسمبر 1959).



13- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 27 مارس 1949 - Véron-Réville

التعليق :
بموجب هذا القرار أعطى مجلس الدولة الفرنسي القوة الكاملة للقرار القضائي القاضي بإلغاء القرار الإداري المتضمن تسريح موظف من عمله ، موضحا أن هذا الإلغاء يستوجب إعادة إدماج المعني بالأمر في منصب عمله الذي كان يشغله قبل عزله ، ما دام ذلك المنصب لا يوجد له مقابل ، أو أنه لم يكن من المستطاع تحويل الموظف منه دون موافقته.

بيان الوقائع و الإجراءات :
السيد Véron-Réville كان قاضي حكم في بوردو قبل أن يحال على التقاعد التلقائي بموجب قرار تم إلغاؤه من طرف مجلس الدولة.
و على إثر ذلك قام الوزير بإعادة إدماج المعني في منصب مماثل في ليموج ، و لكن السيد فيرون ريفيل طعن من جديد ضد هذا القرار و قد أيده مجلس الدولة في ذلك موضحا أن قرار الإلغاء يوجب حتما على الإدارة أن تعيده إلى منصب العمل الذي طرد منه بصفة غير شرعية ؛ و في حالة ما إذا كان هذا المنصب غير شاغر فإن على الإدارة أن تعمل على إخلائه من الموظف الذي عُين فيه و ذلك بتعليق المرسوم الذي عين خلفه.
و بهذا القرار فإن مجلس الدولة الفرنسي قد أعطى كافة النتائج المنطقية المترتبة على الأثر الرجعي لقرار الإلغاء.



14- - قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 26 جويلية 1918 - Epoux Lemonnier

التعليق :
في هذا القرار توسع مجلس الدولة في تقرير مسؤولية الإدارة بسبب الأخطاء التي يرتكبها أعوانها.

بيان الوقائع و الإجراءات :

أقامت بلدية روك كورب Roquecourbe عيدها السنوي و كان يتضمن ألعاب القنص على أهداف عائمة في النهر. أثناء ذلك كانت السيدة لومونيي تتجول على الحافة المقابلة للنهر فأصيبت برصاصة أحد القناصة .
فرافع الزوجان رئيس البلدية أمام القضاء العادي الذي قرر مسؤوليته الشخصية و حكم عليه بتعويضهما. ثم رفعا دعوى ثانية أمام مجلس الدولة مطالبين هذه المرة بالحكم على البلدية بالتعويض.
إن مجلس الدولة الفرنسي اعتبر بأن كون الحادث ناجم عن خطأ عون عمومي مكلف بتسيير مرفق عمومي ، و كون الخطأ ذا طابع شخصي و يمكن أن يؤدي إلى الحكم على العون بالتعويض أمام المحاكم العادية لا يحرم الضحية من حقه في المتابعة المباشرة ضد الشخص المعنوي الذي يسير المرفق لتعويض ذلك الضرر، و على القاضي الإداري أن يتأكد فقط من وجود خطأ مرفقي يؤدي إلى قيام مسؤولية الإدارة.
في هذه القضية اعتبر المجلس بأن السماح بالقنص دون التأكد من توافر الضمانات الكافية لأمن الطريق في المكان يعتبر خطأ جسيما و بالتالي تكون البلدية مسؤولة عن الحادث، و قد أخذ المجلس بعين الاعتبار المبلغ المحكوم به من طرف القضاء العادي و جعل البلدية تحل محل الضحايا لتحصيل المبالغ المحكوم بها على رئيس البلدية حتى لا يكون هناك إثراء غير مبرر للضحايا حول الحادث نفسه.
و قد كان مجلس الدولة منذ قرار بيليتيي Pelletier بتاريخ 30/7/1873 يفرق بين الخطأ المرفقي الذي يقيم مسؤولية الإدارة و يكون من اختصاص القاضي الإداري ، و الخطأ الشخصي الذي يقيم مسؤولية العون و يكون من اختصاص القاضي العادي. غير أنه بموجب قرار أنقي Anguet بتاريخ 03/02/1911 قد اعتبر بأن الخطأ الشخصي يمكن في بعض الحالات أن يندمج مع الخطأ المصلحي و يسمح بمساءلة الإدارة .
أما في القضية الراهنة قضية Lemonnier فقد ذهب المجلس أبعد من ذلك و اعتبر أن الخطأ الواحد يمكن أن يقيم في الوقت نفسه مسؤولية العون و مسؤولية الإدارة فوصل بذلك إلى الجمع بين المسؤوليتين .
و حسب تعبير محافظ الحكومة ليون بلوم إذا كان الخطأ الشخصي قد وقع في الرفق ، أو بمناسبة عمل الرفق ، إذا كانت الوسائل و الأدوات التي وقع بها الخطأ قد وُضعت تحت يد الفاعل من طرف الرفق ، إذا كان الضحية لم يجد نفسه أمام الفاعل إلا بسبب الرفق ، و بكلمة واحدة إذا كان المرفق قد تسبب في حدوث الخطأ أو حدوث نتائجه الضارة في مواجهة فرد ما فإن القاضي الإداري يمكنه بل ويجب عليه القول : إن الخطأ من الممكن أن ينفصل على المرفق -- و هي مسألة يهم القاضي العادي أن يفصل فيها -- و لكن المرفق لا ينفصل عن الخطأ . و حتى إذا كان للمتضرر أن يرفع دعواه ضد العون المذنب ، و حتى إذا كان قد رفع هذه الدعوى ، فإن بإمكانه أن يرفع دعوى ضد المرفق .
لقد أصبح من المتعين التمييز بين ثلاثة أنواع من الأخطاء الشخصية :
النوع الأول هو الأخطاء المرتكبة أثناء ممارسة العمل بحد ذاته و لكنها تنفصل عنه لأنها ناجمة عن اهتمامات ذات طابع شخصي أو إفراط و إسراف في التصرف أو يشكل خطورة غير مقبولة.
النوع الثاني هو الأخطاء المرتكبة خارج ممارسة المهام و لكنها ارتكبت مثلا بالوسائل التي وفرتها المصلحة للعون ( مثل استعمال سيارة المصلحة لأغراض شخصية ) .
النوع الثالث هو الأخطاء الشخصية البحتة أي المنفصلة تماما عن المصلحة. و في هذه الفئة فقط تقوم مسؤولية العون بمفرده. و أما في الحالتين الأوليين فيمكن للضحية أن يختار بين أن يثير مسؤولية العون العمومي أمام القاضي العادي ، أو مسؤولية الإدارة أمام القاضي الإداري و لو كان من حق الإدارة أن تقيم دعوى رجوع ضد العون المخطئ.



15- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 26 ديسمبر 1925 روديار- Rodière

التعليق :
في هذا القرار استخلص مجلس الدولة كافة نتائج الأثر الرجعي المترتبة على القرار القضائي القاضي بالإلغاء و ذلك بالحكم بأن إلغاء جدول الترقيات في أحد أسلاك الموظفين يترتب عليه أن تقوم الإدارة بإعادة ترتيب المسار الوظيفي بصفة رجعية لكل الموظفين المعنيين و كأن ذلك الجدول الملغى لم يوجد أصلا.

بيان الوقائع و الإجراءات :
السيد روديار كان رئيس مكتب من الدرجة الأولى بوزارة المناطق المحررة الفرنسية ، و قد نازع أمام مجلس الدولة تسجيل بعض زملائه في العمل في قائمة الترقيات لعام 1921 . و بموجب قرار صادر يوم 13 مارس 1925 استجاب المجلس لطلبه و ألغى تسجيل الموظفين المعنيين في القائمة ، و بالتبعية القرارات اللاحقة التي نصت على ترقيتهم . و بناء على ذلك قام الوزير من أجل تنفيذ هذا القرار بإعادة تشكيل المسار الوظيفي لهؤلاء الموظفين على أساس عدم تسجيلهم في قائمة الترقيات لتلك السنة . عندئذ اعتبر السيد روديار أن الوزير لم ينفذ قرار الإلغاء على الوجه الصحيح و خصوصا أنه لا يستطيع إعادة تشكيل المسار الوظيفي للمعنيين و طرح الأمر على مجلس الدولة الذي لم يوافقه على هذا الطرح و اعتبر أن القرارات الإدارية حقيقة ليس لها أثر رجعي مبدئيا غير أن لهذه القاعدة استثناء و ذلك إذا كانت هذه القرارات ناجمة عن تنفيذ قرار لمجلس الدولة الذي عندما يقضي بإلغاء قرار ما فإن ذلك يترتب عليه حتما أثر في الماضي على أساس أن القرار الملغى يعتبر أنه لم يصدر أصلا ، و بالتالي فإن الوزير في القضية الحالية قد نفذ قرار الإلغاء بصفة صحيحة.
و فيما بعد هذا التاريخ أكد مجلس الدولة هذا الاتجاه الذي يلزم الإدارة باتخاذ قرارات ذات أثر رجعي يتطلبها قرار الإلغاء. وقد كان المجال الرحب لهذا الاجتهاد هو باب الوظيف العمومي .



16- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 25 جوان 1948 جريدة لورور - "L’Aurore"

التعليق :
هذا القرار يكرس المبدأ القاضي بأن القرارات التنظيمية لا يجب أن تتضمن أثرا رجعيا، و إذا كان مجلس الدولة الفرنسي طوال القرن التاسع عشر يقضي بإلغاء القرارات الفردية ذات الأثر الرجعي فإنه لأول مرة بمناسبة هذه القضية يضع مبدأ : أن القرارات التنظيمية لا تقرر إلاّ بالنسبة للمستقبل.

بيان الوقائع و الإجراءات :
بتاريخ 30 ديسمبر 1947 صدر قرار تنظيمي يقضي برفع أسعار الكهرباء ابتداء من أول كشف يأتي بعد الفاتح يناير 1948، أي أنه يترتب عليه رفع أسعار الكميات المستهلكة قبل 30 ديسمبر 1947 تاريخ صدوره، و بالتالي فهو يتضمن أثرا رجعيا.
و بناء على طعن من شركة جريدة " لورور" قضى مجلس الدولة بإلغاء هذا القرار لأنه يتضمن أثرا رجعيا غير شرعي ، و بمناسبة هذا القرار أكد مجلس الدولة صراحة منع القرارات التنظيمية من تسيير الماضي.
و قد كان مجلس الدولة ساهرا دوما على ضمان احترام هذا المبدأ من طرف السلطة التنظيمية، مع وجود بعض الاستثناءات التي نص عليها الاجتهاد القضائي : و هي حالة الفراغ الناجم عن إلغاء قرار من طرف القاضي الإداري أو عندما تقرر الإدارة سحب قرار غير شرعي ؛ أو إذا كانت الوضعية الواقعية التي ينظمها القرار التنظيمي تتطلب ذلك ؛ أو إذا كان القرار الأول ينص بأن القرارات التي ستتخذ لتنفيذه تدخل حيز التنفيذ معه في نفس تاريخ نفاذه.



17- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 21 جوان 1895 قضية " كام " - " Cames " .

التعليق :
بموجب هذا القرار تقبل مجلس الدولة لأول مرة إمكانية قيام مسؤولية بدون خطأ ، على أساس المخاطر.

بيان الوقائع و الإجراءات :
السيد كام كان عاملا بمصنع حربي تابع للدولة و تعرض لجروح ناجمة عن تطاير شظايا الحديد مما نتج عنه ضمور يده اليسرى و بالتالي عجزه عن العمل ( و لم يكن هناك في ذلك الوقت ضمان اجتماعي ) ، فقرر وزير الحرب منحه تعويضا وجده العامل غير كاف فرفع أمره إلى مجلس الدولة مطالبا بتعويض أكبر.
في هذه الحالة لم يرتكب العامل أي خطأ ، و لكن مستخدمه أيضا - أي الدولة - لا يمكن أن ينسب له أي خطأ.
و اعتمادا على خصوصية القانون الإداري في باب المسؤولية التي أكدها قرار بلانكو بتاريخ 08 فبراير 1873 اقترح محافظ الدولة روميو Romieu تقرير مسؤولية الدولة على أساس أنه يجب عليها ضمان عمالها ضد المخاطر الناجمة عن الأعمال التي تطلب منهم أداءها في إطار المرافق العامة ، و باعتماد هذا التحليل فإن مجلس الدولة أقر بوجود مسؤولية من أجل المخاطر لم تكن المحاكم العادية قد قبلت بها بعد.
و بعد مدة وجيزة تابع المشرع الفرنسي هذا التحليل بإصداره قانون 09 أبريل 1898 المتعلق بحوادث الشغل ، الذي تم تعويضه حاليا بأحكام قانون الضمان الاجتماعي.
إن نظرية المسؤولية بناء على المخاطر قد عرفت توسعا هاما و أصبحت تطبق خصوصا عندما يولد نشاط الإدارة مخاطر خاصة بسبب اللجوء إلى الآليات أو المواد أو الأساليب الخطرة ، و كذا عندما يكون هناك ضحايا للأشغال العامة من الغير ، فجاءت هذه النظرية لتأسيس مسؤولية الدولة اعتمادا على فكرة انقطاع المساواة أمام الأعباء العامة.


18- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 18 فبراير 1950
قضية وزير الفلاحة ضد السيدة لاموت Ministre de l’agriculture c/ Dame Lamotte

التعليق :
بموجب هذا القرار قضى مجلس الدولة بأنه يوجد مبدأ قانوني عام مفاده أن كل قرار صادر عن الإدارة يمكن أن يكون موضوع طعن من أجل تجاوز السلطة حتى و لو لم يكن هناك نص بذلك.

بيان الوقائع و الإجراءات :
قانون 17 غشت 1940 أعطى لمحافظي المحافظات سلطة منح المستثمرات الفلاحية المهجورة منذ أكثر من عامين للغير من أجل استثمارها فورا، و تطبيقا لهذا القانون صدر مرّتان قرار من المحافظ بمنح أراضي السيدة لاموت و لكن مجلس الدولة ألغاهما ؛ و لكن في تلك الفترة صدر قانون 23 ماي 1943 - أساسا في مواجهة موقف القضاة - و نص بأن منح الأراضي في ظل هذا القانون لا يمكن أن يخضع لأيّ طعن إداري أو قضائين ، و على أساسه أصدر المحافظ قرارا جديدا بمنح أراضي السيدة لاموت من جديد.
و كان من المفروض أن يصرح مجلس الدولة في هذه المرة عدم قبول الطعن، و لكنه عوض ذلك اتخذ موقفا جريئا و ضروريا لحماية الأفراد من تعسف الإدارة و صرح بأنه يوجد مبدأ قانوني عام مفاده أن كل قرار إداري يمكن أن يكون محل طعن من أجل تجاوز السلطة ولو بدون نص يقضي بذلك.
و قد تأكد هذا الإجتهاد القضائي فيما بعد عدة مرات ، و تطبيقا له أصبح من المستحيل على السلطة التنفيذية أن تمنع الطعن في قراراتها من أجل تجاوز السلطة .



19- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 14 يناير 1938 / قضية شركة المنتجات الحليبية لافلوريت " La Fleurette "

التعليق :
بموجب هذا القرار اعترف مجلس الدولة الفرنسي لأول مرة بقيام مسؤولية الدولة بناء على صدور القوانين.

بيان الوقائع و الإجراءات :
قانون 29 جوان 1934 المتعلق بحماية المنتجات الحليبية قد منع صنع و بيع كل منتجات الزبدة غير المشتقة من الحليب، و هكذا اضطرت شركة لافلوريت إلى وقف نشاطها المتمثل في إنتاج مادة تسمى " قرادين " .
و قد كان الإجتهاد القضائي القديم يقضي بأن الدولة لا يمكن أن تكون مسؤولة عن نتائج صدور قوانين تمنع نشاطات ما ، غير أنه بالرجوع إلى نشاط شركة لافلوريت فإنه لا يشكل أية مخاطر ، و لا يظهر من الأعمال التحضيرية للبرلمان أن المشرع كان يستهدف هذه الشركة بالذات ، و بالتالي رأى مجلس الدولة بأن هذا العبء الذي وقع على الشركة - من أجل المصلحة العامة - يجب أن تتحمله المجموعة الوطنية .
إن مسؤولية الدولة في رحاب اختلال المساواة أمام الأعباء العامة ، يمكن حينئذ أن تكون في حالة صدور قرارات إدارية مشروعة ( قضية كويتياس Couitéas 30/11/1923 ) ، و أيضا بسبب صدور القوانين ، و لكن بشرط : أن لا تكون نية المشرع متجهة إلى منع التعويض و أن يكون الضرر خاصا و استثنائيا.



20- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 13 ديسمبر 1889 / قضية كــــادو " Cadot "

التعليق :
بموجب هذا القرار أكد مجلس الدولة الفرنسي لأول مرة بأنه مختص للنظر في كل الطعون بالإلغاء الموجهة ضد القرارات الإدارية إلا إذا كان هناك نص صريح يقضي بخلاف ذلك ، بينما في السابق لم يكن المجلس مختصا إلا بناء على نص فإن لم يكن هناك نص كان الإختصاص يعود إلى الوزراء

بيان الوقائع و الإجراءات :
السيد كادو كان مديرًا للطرقات و المياه بمدينة مرسيليا عندما تقرر إنهاء هذه الوظيفة ، و لما طالب البلدية بالتعويض رفضت له ذلك فطعن في قرار الرفض أمام مجلس الدولة رغم عدم جود أي نص يسمح بهذا و مع ذلك صرح المجلس باختصاصه بالفصل في الطعن دون توضيح السند أو المبدأ الذي يعتمد عليه ، و لكن يبدو أنه اعتمد على فكرة أن كل قرار إداري يجب أن يكون قابلا للمنازعة أمام قاض.
ففي السابق كان قانون 16-24 غشت 1790 يتضمن بأن المنازعات الموجهة ضد القرارات الإدارية تقدم أمام الوزراء المختصين اعتمادا على نظرية الوزير القاضي ، ثم بعد سنوات تم تأسيس مجلس الدولة بناء على دستور السنة الثامنة ليتولى الفصل في الطعون بالنقض الموجهة ضد القرارات الإدارية في بعض الميادين فقط ، و هذا الإختصاص كان محدودا و لكن مجاله بدأ يتوسع شيئا فشيئا خلال القرن التاسع عشر إلى غاية صدور قرار كادو الذي نص على أن كل قرار إداري يجب أن يكون قابلا للمنازعة أمام القضاء فأصبح هذا من أسس القانون الإداري و مبدأ من مبادئه.
- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 20 يناير 1902 / قضية الشركة الجديدة للغاز Compagnie nouvelle du gaz de Deville-lès-Rouen

التعليق :
بموجب هذا القرار خطا مجلس الدولة الفرنسي أول خطوة نحو قبول فكرة تحول العقود الإدارية.

بيان الوقائع و الإجراءات :

في عام 1874 حصلت الشركة الجديدة للغاز على الإمتياز المانع من طرف بلدية ديفيل ليروان لإنارة المدينة عن طريق الغاز ، و أمام تطور الإنارة الكهربائية فإن البلدية حاولت إقناع الشركة باستعمال هذه التقنية الجديدة لكن دون جدوى.
و أمام رفض الشركة توجهت البلدية نحو شركة كهرباء فطالبت شركة الغاز بالتعويض مقابل الضرر الحاصل لها جراء خرق البلدية للإحتكار الممنوح سابقا للشركة ، و وصل الأمر إلى القضاء.
مجلس الدولة فسر العقد الرابط بين البلدية و شركة الغاز بأنه يعطي احتكار الإنارة و لكن بأية وسيلة من الوسائل لأن بعض البلديات كانت تستعمل الكهرباء ، و في المقابل اعتبر أن من حق البلدية أن تضمن هذه الخدمة عن طريق الكهرباء و لو بتسليمه إلى شركة أخرى إذا رفضت شركة الغاز ذلك رغم إنذارها ، و بذلك أقر مجلس الدولة أن من حق الإدارة تعديل العقد من جانب واحد ، و هي الإمكانية التي أكدها فيما بعد بكل وضوح قرار الشركة الفرنسية العامة للترام في 21 مارس 1910 إذ أكد بأن من حق الإدارة أن تفرض على الملتزم بأن يزيد من عدد العربات من أجل المصلحة العامة رغم أن العدد محدد في دفتر الشروط ، و هذا لكي تضمن السير العادي للمرفق من أجل الصالح العام.
و حسب محافظ الحكومة ليون بلوم فإن الإحتياجات التي يتعين على المرفق العام من هذا القبيل توفيرها ليس لها طابعا جامدا ، و الدولة لا تستطيع أن تتخلى عن المرفق العام للنقل بمجرد إمضاء عقد الإلتزام ... بل يجب عليها أن تتدخل لتفرض على الملتزم خدمات أكثر مما وقع الإتفاق عليه في البداية و لكن ليس بناء على صلاحياتها المستمدة من العقد بل من صلاحياتها كسلطة عامة.
إن التعديلات لا تطال إلا شروط الخدمة دون الشروط المالية للعقد ، بل إن سلطة التعديل من جانب واحد في مصلحة المرفق يتضمن في المقابل تعويضا للملتزم إذا كانت الإلتزامات الجديدة تتجاوز التوقعات الأولية للعقد و ذلك من أجل المحافظة على التوازن المالي العقد ، بل من الممكن أن يتم فسخ العقد لفائدة الملتزم إذا كانت التعديلات المدخلة على العقد تؤدي إلى الإنقلاب الكلي لموازين العقد.
و إذا أصبح العقد لا يتلاءم مع احتياجات المرفق العام فيمكن للإدارة أن تقرر إنهاء العقد من جانب واحد من أجل الصالح العام ، و قد أكد مجلس الدولة هذا الإتجاه من خلال قرار صادر بتاريخ 02 فبراير 1987 في مادة السمعي البصري، و بطبيعة الحال مع ضمان حق المتعاقد في التعويض.



22- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 10 فبراير 1905 / قضية توماسو قريكو Tomaso Grecco

التعليق :
بموجب هذا القرار مدد مجلس الدولة الفرنسي إلى مصالح الشرطة المبدأ القاضي بأن الإدارة مسؤولة ماليا عن الأخطاء المصلحية التي يرتكبها أعوانها .

بيان الوقائع و الإجراءات :
السيد قريكو و هو داخل بيته أصابته جروح بسبب طلقة نارية تم إطلاقها بينما كانت جمهرة من الناس تلاحق ثورا هائجا في الشارع ، فطلب التعويض من الدولة على أساس أن الطلقة صدرت عن دركي و أن مصلحة الشرطة ارتكبت خطأ لأنها لم تضمن النظام بطريقة تسمح بتحاشي مثل هذه الحوادث.
و قد رفض المجلس هذا الطلب على أساس أن الحادث لا يمكن أن ينسب إلى خطأ مصلحي ، و بهذا الموقف يكون مجلس الدولة قد تخلى عن المبدأ السائد إلى غاية هذا الوقت و هو مبدأ عدم مسؤولية الدولة عن أنشطة مصالح الشرطة، ذلك أنه كان من المستقر عليه أن مسؤولية الدولة قد تقوم إذا حدث خطأ أثناء تصرفات التسيير العادي دون ما قد يحدث أثناء تصرفاتها كسلطة عامة. فجاء هذا القرار ليضع حدا لهذا التمييز و أصبحت تصرفات السلطة العامة تخضع شيئا فشيئا لمبدأ المسؤولية ن ما عدا النشاط القضائي الذي حافظ لمدة أطول على مبدأ عدم المسؤولية إلى غاية صدور قوانين 17 جويلية 1970 و 5 جويلية 1972 بالنسبة للقضاء العادي ، و إلى غاية قرار دارمونت غي 29 ديسمبر 1978 بالنسبة للقضاء الإداري.
و ليس معنى ذلك أن كل خطأ من مصالح الشرطة يرتب مسؤولية الإدارة ، لأن بعض مهام هذه المصالح يتضمن صعوبات خاصة و لا يجب أن يشل نشاطها بفعل التهديد المستمر للمسؤولية المالية عن كل خطأ مهما كان يسيراً .
و في الوقت الحالي يجب التمييز بين الحالات التي تقوم فيها مصالح الشرطة بمهامها في ظروف صعبة تبرر بأن الخطأ الجسيم وحده يرتب مسؤوليتها ، و بين الحالات التي تغيب فيها تلك الظروف الصعبة و بالتالي يؤدي كل خطأ إلى قيام المسؤولية ، فالقاضي الإداري يقوم بتقدير ظروف كل حالة .
و هناك حالات قرر فيها القضاء مسؤولية الإدارة دون خطأ ، فاعتمد على فكرة المخاطر مثل حالة إصابة شخص بواسطة استعمال سلاح ناري أثناء عملية للشرطة. كما يمكن أن تكون المسؤولية بناء على اختلال التوازن أمام الأعباء العامة إذا كانت هناك تدابير للشرطة تؤدي إلى حصول أضرار متميزة و استثنائية بالنسبة لبعض الأفراد ( قرار بلدية قافارني في 22/02/1963 ).



23- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 10 أفريل 1992 / قضية Epoux V.-

التعليق :
بموجب هذا القرار تخلى مجلس الدولة الفرنسي عن اشتراط الخطأ الجسيم لقيام مسؤولية المرافق العامة الصحية في حالة العمل الطبي.

بيان الوقائع و الإجراءات :
السيدة ف بمناسبة إجراء عملية قيصرية تم إجراؤها عليها تحت تخدير موضعي في الحوض قد تعرضت لسلسلة من الأخطا من طرف مختلف المتدخلين الطبيين ، و خصوصا إعطاؤها مواد متضادة الإستعمال.
و بعد سكتة قلبية لمدة نصف ساعة فإنها بقيت عدة أيام في حالة غيبوبة ثم أصبحت تعاني من شلل نصفي أيسر. و نجمت عن ذلك اضطرابات هامة عصبية و جسمانية.
على مستوى الدرجة الأولى قضت المحكمة الإدارية برفض طلب التعويض لعدم وجود الخطأ الجسيم وفقا للإجتهاد القضائي السابق ، و بموجب القرار الحالي ليوم 10 /04 / 1992 فإن مجلس الدولة قد تخلى عن ذلك الإجتهاد .
إن اشتراط الخطأ الجسيم كانت تقتضيه صعوبة العمليات الطبية سواء تعلقت بتشخيص المرض أو وصف العلاج أو العمليات الجراحية، و القاضي الإداري كان يميز بين العمليات غير الطبية ، مثل تنظيم المصلحة ، التي يكفي لقيام المسؤولية بشأنها وجود خطأ بسيط ؛ و العمليات الطبية بالمعنى الضيق التي تستوجب الخطأ الجسيم.



24- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 08 ديسمبر 1978 - G.I.S.T.I., C.F.D.T. et C.G.T .-

التعليق :
بموجب هذا القرار اعتبر مجلس الدولة الفرنسي أن الحق في إقامة حياة عائلية عادية يعتبر من المبادئ العامة للقانون .
بيان الوقائع و الإجراءات :
بموجب مرسوم صادر بتاريخ 10 نوفمبر 1977 قررت الحكومة الفرنسية تعليق تطبيق المرسوم الصادر في 29 أبريل 1976، الذي يسمح للعامل الأجنبي المقيم بالتراب الفرنسي بصفة نظامية أن يلتحق به أفراد أسرته ، لمدة ثلاث سنوات .
ولما عرضت مسألة مشروعية هذا المرسوم على مجلس الدولة فإنه استخرج مبدأ قانونيا جديدا و هو الحق في العيش في كنف جو عائلي عادي.



25- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 5 ماي 1944 – أرملة ترومبيي قرافيي Dame veuve Trompier-Gravier

التعليق :
بموجب هذا القرار أكد مجلس الدولة وجود مبدإ عام يتمثل في احترام حقوق الدفاع عندما يكون القرار الإداري ذا طابع تأديبي في مواجهة الشخص المعني.

بيان الوقائع و الإجراءات :
السيدة ترومبيي- قرافيي كانت صاحبة رخصة لبيع الجرائد في كشك بباريس، و قد قامت الإدارة بسحب رخصتها بحجة أن المعنية أرادت ابتزاز أموال من المسير . و عندما عرض الأمر على مجلس الدولة بناء على طعن من المعنية فإنه استجاب للطعن على أساس أنه بالنظر إلى خطورة العقوبة كان يجب الاستماع إلى توضيحات المعنية بالأمر حول الشكاية الموجهة ضدها قبل اتخاذ القرار المطعون فيه.
و مجلس الدولة لم يناقش صلب الموضوع و لكنه اكتفى بإثبات أن الإدارة لم تحترم مبدأ احترام حقوق الدفاع عندما لم تسمح للمعنية بالأمر بان تعبر عن موقفها بشأن الأفعال المنسوبة إليها.
و هذا القرار يؤكد استمرار تطور الاجتهاد القضائي بشأن هذا المبدأ و وضع شرطين اثنين يجب توافرهما لتطبيقه ، و هما :
• أن يعتبر الإجراء المتخذ عقوبة في مواجهة الشخص المعني؛
• و أن يكون على درجة من الخطورة بالنسبة لهذا الشخص.
و المثل على ذلك : قرار إداري بمنع مزاولة نشاط مهني ، أو بسحب اعتماد جمعية ، أو بفسخ عقد ، أو برفض طلب ممارسة مهنة منظمة اعتمادا على أسباب غير مذكورة في طلب المعني.
و قد جاء مرسوم 28/11/1983 ليوسع من دائرة مجال هذا المبدإ خصوصا في مجال الضبطية الإدارية ( ما عدا حالة الاستعجال أو الظروف الاستثنائية أو ضرورة النظام العام Sous l’empire de l’urgence, en cas de circonstances exceptionnelles ou les mesures prises en vertu d’une nécessité d’ordre public ) .
و احترام حقوق الدفاع يتطلب ما يلي :
• أن يخطر المعني بالأمر مسبقا و بمدة زمنية كافية بأن إجراء سيتخذ في مواجهته؛
• و بأن يخطر بالأفعال المنسوبة إليه ؛
و ذلك حتى يتمكن من تحضير دفاعه ؛ و إذا تطلبت النصوص تمكين المعني من الإطلاع على ملفه فإن هذا الإطلاع يجب أن يكون كاملا ؛ و زيادة على ذلك فإن من حق المعني بالأمر في المادة التأديبية أن يستعين بمحام إلا إذا قضت النصوص صراحة بخلاف ذلك.



26- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 4 أبريل 1914 Gomel

التعليق :
بموجب هذا القرار توسع القاضي الإداري في مراقبة الإدارة : فلأول مرة يقبل مجلس الدولة أن يراقب ليس فقط سلامة التفكير القانوني الذي تتبعه الإدارة بل أيضا صحة التكييف القانوني للأحداث و الوقائع التي اعتمدت عليها لاتخاذ قرارها .

بيان الوقائع و الإجراءات :
الإدارة رفضت تسليم رخصة البناء للسيد قوميل بحجة أن ساحة بوفو ببــــــاريس L a place Beauvau à Paris أين بقع العقار الذي يريد المعني إنجاز أشغال به يعتبر موقعا محتملا لإنجاز نصب تذكاري وفقا لأحكام المادة 118 من قانون 31 / 7 / 1911 التي تسمح للإدارة برفض تسليم رخصة البناء في مثل هذه الحالة.
و قبل قرار 4 أفريل 1914 كان مجلس الدولة يمتنع عن مراقبة التكييف القانوني للوقائع من طرف الإدارة ، و كان يكتفي يتأكد فقط من سلمة التحليل القانوني الذي تقوم به الإدارة . و في قضية الحال فإن الإدارة قد فكرت بطريقة سليمة : إذ أنه بإمكانها أن ترفض تسليم الرخصة المطلوبة بحجة أن الأشغال المطلوبة قد تؤدي إلى عرقلة إقامة النصب التذكاري المحتمل و هو سبب مذكور في قانون 1911 ، و لكن السؤال الذي طرح هو : هل هذه الساحة كانت مكانا يحتمل إقامة نصب به ؟ و قد أجاب مجلس الدولة عن ذلك بالنفي و ألغى قرار الرفض .
و بالتالي فإن القاضي أصبح يراقب ما إذا كانت الوقائع موضوع الدعوى تبرر اتخاذ القرار المطعون فيه ، أي ما إذا كانت الإدارة قد فكرت بطريقة سليمة في مواجهة الوقائع المعروضة .
و بعد عامين من صدور هذا القرار مدد المجلس رقابته إلى مادية الوقائع موضوع النزاع بموجب قرار كامينو في 14 / 01 / 1916 ، و بذلك أصبح المجال الوحيد الذي يخرج عن رقابة قاضي تجاوز السلطة هو الملاءمة . فإذا كانت نصوص القانون تعطي للإدارة مجالا للتقدير فإن القاضي لا يمكنه مراقبة دواعي الملاءمة التي حملت الإدارة على اتخاذ قرارها.



27- قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 03 نوفمبر 1922 Dame Cachet

التعليق :
الإدارة لا يمكنها أن تسحب قرارا فرديا منشئا لحقوق ما إلاّ إذا كان غير شرعــــي - و - خلال مدة الطعن فيه من أجل تجاوز السلطة ، أي خلال الشهرين التابعين لتبليغه أو نشره .

بيان الوقائع و الإجراءات :
بتاريخ 9 مارس 1918 صدر قانون يعفي فقراء المستأجرين من دفع مستحقات الإيجار بشروط معينة و يتم تعويض المؤجرين من طرف الدولة، و في هذا الإطار طالبت السيدة كاشي دفع التعويضات المستحقة لها لأن المستأجر لديها قد تم إعفاؤه من التسديد و لكن الإدارة استجابت لها جزئيا فقط فرفعت المعنية تظلما رئاسيا أمام الوزير ، غير أن هذا الأخير رأى أن الطاعنة لا يشملها قانون 9 مارس 1918 فرفض منحها النسبة الكاملة التي تطالب بها بل و زيادة على ذلك قرر حرمانها كليا من التعويض الجزئي الذي منح لها سابقا .
السيدة كاشي طعنت ضد هذا القرار أمام مجلس الدولة الذي ألغى القرار الوزاري المطعون فيه ليس لأن الطاعنة ذات حق من ناحية الموضوع ، و لكن لأن القرار الوزاري يمس بصفة غير شرعية بالحقوق التي اكتسبتها الطاعنة من القرار الابتدائي المطعون فيه .
و بمناسبة هذه القضية اتخذ مجلس الدولة موقفا مبدئيا من مسألة سحب القرارات المنشئة للحقوق ، و هو الموقف الذي لا يزال صالحا إلى اليوم.
فقد ذكر المجلس في حيثيات القرار أنه : إذا كان من حق الوزير أن يلغي تلقائيا قرارا إداريا أنشأ حقوقا و هو مشوب بعيب يؤدي إلى الإلغاء عن طريق الطعن فيه ، فإن ذلك لا يكون جائزا إلا إذا كانت آجال الطعن النزاعي مفتوحة أو كان هناك طعن مرفوع أمام القضاء و قبل أن يفصل مجلس الدولة فيه ، و في هذه الحالة الأخيرة لا يكون الإلغاء إلا في حدود ما طلبه الطاعن و دون المساس بالحقوق المكتسبة نهائيا .
و مسألة سحب القرارات المنشئة للحقوق مسألة صعبة لأنها تخضع لعاملين متناقضين و هما : ضرورة السماح للإدارة عندما تكتشف مخالفتها للقانون في قرار ما أن تسحب ذلك القرار ، و من جهة ثانية ضرورة ضمان استقرار القرارات الفردية.
 
المصدر
http://sciencesjuridiques.ahlamontada.net/t709-topic

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 8:13 م
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi