11‏/8‏/2012

موقف الفقه من المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

موقف الفقه من المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

 ملاحظة : للتعمق راجع تقريرنا حول هذا الموضوع
موقف الفقه من المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية.
تماشيا مع التطورات التي شهدتها بلاد المعمور في كافة الميادين (الإقتصادية ، التكنولوجية ، السياسية ، ...) ، وأمام إنتشار ظاهرة الأشخاص المعنوية ، _ بل وخطورة_ الدور الذي أضحت تقوم به على مختلف الأصعدة الإقتصادية ، والإجتماعية ، والسياسية ، طرح التساؤل جديا في الفقه عما إذا كانت هذه الشخصيات الإعتبارية أهل لتحمل المسؤولية الجنائية مثلها مثل الشخص الطبيعي أم لا ؟ 20.
فموضوع المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية شكل مرتع خصب للجدل الفقهي من خلال آراء ، وإتجاهات متباينة تصب في محاولة الحسم في المسألة بكل إتجاه بقبول المسؤولية أو رفضها . فهو من أهم الموضوعات التي ينقسم بصددها الفقه إلى إتجاهين متعارضين ، إتجاه يعارض قبول تلك المسؤولية (المطلب الأول) ، وإتجاه آخر يؤيد قبولها ( المطلب الثاني )  21 .
المطلب الأول : الإتجاه المعارض لمسؤولية الأشخاص المعنوية جنائيا .
يرى فقهاء هذا الإتجاه ( وهم أصحاب الإتجاه الكلاسيكي) ، بأنه لا يمكن مساءلة غير الشخص الطبيعي جنائيا ، على إعتبار أن الشخص المعنوي ، وجد لكي يحقق غرضا مشروعا ، والوصول إلى هذا الغرض لا يقتضي أبدا إرتكاب جريمة من الجرائم ، ويستطردون بأنه وحتى ولو طرحت إمكانية حدوث جريمة أثناء _أوبسبب_ ممارسة الشخص الإعتباري لنشاطه ، فإنه الذي يسأل ليس هو الشخص الإعتباري وإنما ممثله _وهو شخص طبيعي_ أو ممثلوه بحسب الأحوال ، وزيادة على ما سبق يرى المنكرون لإمكانية مساءلة الشخص المعنوي جنائيا بأن أهم العقوبات الجنائية كالإعدام ، أو العقوبات السالبة للحرية لا يمكن تطبيقها أبدا في حق الشخص الإعتباري ، ويختمون قولهم جازمين بأن المسؤولية الجنائية لا تطال إلا الشخص الطبيعي على أساس أنه وحده دون غيره الذي يمكن أن تتوافر لديه الإرادة والإدراك والتمييز 22 .
ويستند هذا الإتجاه إلى أسانيد ومبررات 23 نحصرها في مجالين الأول يتعلق بمجال التجريم (الفرع الأول) ، والتاني يتعلق بمسألة العقاب (الفرع الثاني ) .
الفرع الأول : في مجال التجريم .
تقف المسؤولية الجنائية على إشتراط توافر عنصرين أساسين هما العقل ، والقدرة على  التمييز 24 لدى الشخص حتى تتاح الإمكانية لمساءلته جنائيا على إقترافه لفعل يعد جريمة بمقتضى القانون ، ومعاقب عليه وفقا للقواعد الجنائية . وهذه الشروط لا يمكن أن تتوفر إلا للشخص الطبيعي ، ودون غيره من الأشخاص المعنوية أو الإعتبارية ( كالشركات ، الجمعيات ، الأحزاب السياسية ...) ، على إعتبار أن هذه الأشخاص لا تتوفر على الإرادة والإدراك اللازمين لإرتكاب الأفعال المجرمة قانونا ، بل هي مجرد
إفتراض قانوني وجدت لتحقيق غرض مشروع كما سبق الذكر ، وأسانيد التي يحمل عليها رفض المسؤولية الجنائية لهذه الأشخاص _حسب هذا الإ تجاه _ تنطلق من طبيعة الشخص المعنوي الإفتراضية أو المجازية ( الفقرة الأولى) ، وكونه لا يحضى بإرادة خاصة (الفقرة الثانية ) ، وعدم مساءلته يتماشى مع مبدأ التخصص (الفقرة الثالثة) .
الفقرة الأولى : طبيعة الشخص المعنوي الإفتراضية وصفته الوهمية أو المجازية .
لا يمكن للشخص المعنوي ، أن يكون محلا للمسؤولية الجنائية ، ذلك أنه إفتراض قانوني إقتضته الضرورة من أجل تحقيق مصالح معينة ، ولا يتصور إسناد الجريمة إليه من الناحيتين المادية والمعنوية 25، إذ لا يمكن توجيه إتهام ، وعقاب كيان لا يريد ولا يشعر .26
يشكل هذا الإعتراض حجر الزاوية في رفض المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي ، وهو منطلق كل المناهضين لهذه المسؤولية في الفقه والقضاء . وحاصل حجتهم أن الشخص المعنوي لا وجود له في الحقيقة ، إذ هو ضرب من العدم ، ومن تم فهو لا يستطيع إتيان العمل المادي للجريمة ، كما تعوزه القدرة والإرادة أو القدرة المريدة التي يطلقون عليها((LE POUVOIRE DE VOULOIRE ، أما الأنشطة _ بصورها المختلفة_ التي تسند إليه والأفعال المنسوبة إليه ، فهي وليدة أفعال أشخاص طبيعيين سواء كانون مديرين ، أو منفذين .
ولعل تعبير الأستاذ _WALINE_ في هذا الصدد هو أقصاها إذ يسطر ، هذه الأشخاص والتي
يطلق عليها معنوية ، هي في الحقيقة الوحيدة التي تستعصي على الخضوع لقواعد الأخلاق  ذلك لأنه حتى يتسنى القول بإلتزام أدبي ، أو معنوي فإنه يتعين بداية أن يكون الملتزم به قابلا ، أو صالحا للخضوع لمثل تلك القاعدة ، وأن يكون الإلتزام مقترنا بمسؤولية أدبية أو الذاتية على التصميم والإرادة ، والتي لا يحضى بها إلا من له إرادة مستقلة ، وهي لا تتصور لأي كائن غير الإنسان إلا على سبيل الإستعارة .
وفي ذات المعنى يسطر _سافيني_  (SAVINI) :
¨ tout délit implique dolus ou culpa c’est_à_dire une volonté ou une imputabilité et dés lors ne peut pas étre plus imputé aux personnes juridiques qu’aux impubéres et aux aliénés ¨27
فالشخص المعنوي بحسب هذا الإتجاه لا يمكن أن تنسب إليه جريمة بسبب طابعه_ الوهمي_ ، أو_ المجازي_  Fictif  28 أو الإفتراضي .
الفقرة الثانية : الشخص المعنوي لا يحضى بإرادة خاصة مستقلة .
يذهب هذا الإتجاه إلى عدم تصور تحميل الشخص المعنوي المسؤولية الجنائية ، ذلك أن نصوص القانون الجنائي تتوجه بأوامرها ، ونواهيها ، إلى الأشخاص الذاتيين الذين يتمتعون بالتمييز وحرية الإختيار ، فالجريمة لا تنسب عادة إلا من تتوافر لديه الإرادة والإدراك والشخص المعنوي  لا إرادة ولا إدراك له . فهو أشبه مايكون بالإنسان إذا إنتفت أهليته الجنائية لسبب من الأسباب كالجنون أو غيره ، وتبعا لذلك إذا إرتكب ممثل الشخص المعنوي ( ممثل الشركة مثلا... ) جريمة لحساب هذا الأخير ، فإنه يسأل عنها شخصيا ، ولا يسأل عنها الشخص المعنوي ، فإذ هو غير أهل لذلك وإن صح أن يتخد ضده بعض تدابير الوقاية .29
ويضيف الأستاذ  (battaglini) أن الجريمة لا يمكن تصور إسنادها إلا إلى الإنسان ، وأن إرتكاب الجريمة بواسطة الإنابة أمر غير متصور وأنه وإن أمكن تصور قيام الشخص المعنوي بأعمال قانونية عن طريق ممثليه فإن الأمر يمتنع بالنسبة لإرتكاب الجريمة طالما أن الأصيل يفتقد الإرادة والإدراك والتمييز .
ويرى الأستاذ (waline) في هذا الصدد أن المقصود بإصطلاح الشخص المعنوي أنه هو الشخص غير الطبيعي ، وهذا هو المراد من لفظ معنوي ، ومن ناحية أخرى فإن كلمة "شخص" يمكن قبولها في أضيق الحدود التي تسمح بها قانونا ، أي بإعتبارها مجرد مرادف "صاحب الحق" والذي ليس شخصا طبيعيا ، ويردف قائلا ، إن المقصود بالشخصية في مفهوم القانون ومراده هو الصلاحية لأن يكون الشخص صاحب الحق لتحمل الإلتزامات ، إن الجميع يدركون عن بصر وبصيرة أن كل فرد مزود بإرادة وأنه يستطيع أن يقرر ما يريد ، سواء عن حق أو عن مجرد وهم ، ولكن بالرغم من ذلك فلا مراء "أن الشخص الإنساني" هو وحده صاحب الإرادة وأنه وفقا للشريعة المسيحية ، هو الذي ينفرد بالوعد بغايات سامية في الحياة الأخرى ، وأنه هو وحده في النظم الديموقراطية الحرة يعد في ذاته غاية كإنسان أو كفرد .30
الفقرة الثالثة : عدم مساءلة الشخص المعنوي يتماشى مع مبدأ التخصص .
يذهب هذا الإتجاه المعارض لمسؤولية الشخص المعنوي جنائيا في إستناده إلى هذه الحجة بالقول ، أن الشخص المعنوي وجد لتحقيق غرض معين مشروع ، وفي سعيه لتحقيق لهذا الغرض يعترف له القانون بالوجود ، فمثلا الشركات التجارية وجدت لممارسة التجارة المشروعة ، الهيآت النقابية وجدت للدفاع المشروع عن مهن معينة ، ... وهكذا ، وأي نشاط يخرج عن دائرة هذا الإختصاص فلا وجود له ، بل لا وجود للشخص المعنوي ذاته ، إن إنحرف عن الغرض الذي أنشئ من أجله ، وبالتالي تكون الجريمة _ وهي فعل غير مشروع_ أمرا دخيلا على الأهداف المشروعة للأشخاص المعنوية ، تلك الأهداف التي لا تتطلب لتحقيقها إرتكاب الجرائم ، وتبعا لذلك فإن إستحالة إرتكاب الشخص المعنوي للجريمة _في نظر هؤلاء_ هي إستحالة مطلقة ، لأن عدم دخولها في دائرة إختصاصه يجعله _ قانونيا_ غير قادر ولا مؤهل لإرتكابها 31 .
ويلخص الأستاذ ميستر  (MESTRE) هذا الإعتراض _وهو في سبيل الرد عليه_ بقوله " يذهب القائلون بهذه الحجة إلى أن شخصية الجماعة ليست كلية  "UNIVERSEL" على عكس الشخصية المقررة للأفراد ، إذ هي محدودة بالغرض الذي من أجله رخص القانون بوجودها وقيامها ، وأنه يستحيل أن يكون هذا الغرض هو إرتكاب جرائم ، ومن أجل هذا تكون الجماعة غير أهل لإرتكاب الجرائم . ويردف القائلون بهذه الحجة بأن أعمال مبدأ التخصص بالنسبة للأشخاص المعنوية يستوجب ، قصر نشاطهم ، وتحديده وربطه بالغرض الذي قامت من أجله وأنه لا يمكن أن  يستهدف إنشائها إرتكاب الجرائم ، مما مؤداه بالحثم والضرورة القول بإنتفاء أهليتها لأرتكاب الجرائم ، ويعلق الأستاذ "ريشيه" على ذلك بقوله إن هذه النظرية تنهل من نظرية الخدمة المتخصصة التي تنادى بها بعض الفقهاء . 32
ويضيف أصحاب هذا الإتجاه ، فإذا كان الشارع قد إعترف للشخص المعنوي بأهلية قانونية فإن هذه الأهلية محدودة بالأغراض التي شرع من أجل تحقيقها ولا يعقل أن يتسع نطاق هذه الأغراض لإرتكاب جرائم أو تنصرف إلى ذلك.33
مما سبق إذن ، هناك تعارض فكرة المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية مع مبدأ التخصيص
Le principe spécialité34 أو التخصص .
وهذا  مجمل أسانيد الإتجاه المعارض لمسؤولية الأشخاص المعنوية جنائيا ، والمنصبة في مجال التجريم ، وبقي لنا مبررات المستندة في مجال العقاب وهو محور النقطة الموالية .
الفرع الثاني : في مجال العقاب .
يذهب هذا الإتجاه إلى رفض تحميل المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي ، نظرا لإستحالة تطبيق العقوبات المقررة في التشريع الجنائي ، كونها عقوبات موجهة للأشخاص الطبيعية (الفقرة الأولى) ، زيادة على أن في تطبيق هذه العقوبات إهذار لمبدأ شخصية العقوبة (الفقرة الثانية) ، وعدم تحقيق أي غرض من أغراضها (الفقرة الثالثة) .
الفقرة الأولى : طبيعة العقوبات الجنائية .
يستند فقهاء القانون الجنائي ، وبصفة خاصة الفقهاء الفرنسيون إلى حجة مؤداها أن العقوبات الواردة في التشريع الوضعي الفرنسي مخصصة للأشخاص الطبيعيين ، الأمر الذي ينأى عنه ظاهر تلك النصوص ، ويستفاذ منها بل ويؤكد هذا النظر ما يستفاذ من نوعية تلك العقوبات وطبيعتها بحيث إن الأغلب الأعم منها لا يمكن إنزالها على الجماعات أو توقيعه عليها ، وأبرز تلك العقوبات هي السالبة للحرية والتي يستحيل تطبيقها على غير الأشخاص الطبيعيين 35.
ذهب هذا الإتجاه إذن ، إلى أن العقوبات المقررة جنائيا لا يتصور تطبيقها على غير الأشخاص الطبيعيين ، فالمشرع قد وضع عقوبات قصد تطبيقها على الأشخاص الآدميين الذين تتبث إدانتهم ، ومنها ما هو سالب للحياة مثل عقوبة الإعدام ، ومنها ما هو سالب للحرية مثل عقوبة السجن والحبس وهذه العقوبات لا يتصور إنزالها بالشخص المعنوي .36
وفي الحقيقة أن هناك عقوبات تناسب الشخص المعنوي كالغرامة والمصادرة ولكن حتى على هذا الصعيد ، يخشى أن تظل المسؤولية الجنائية مجرد مجاز ، لأن العقوبة تصيب _في النهاية_ الأعضاء المكونين للشخص المعنوي ، وهنا يمكن تصور أمرين : إما أن يكون إرتكاب الفعل المخالف للقانون قد جاء نتيجة قرار مجمع عليه من كافة الأعضاء ، وفي هذه الحالة يستحسن إيقاع العقاب بهم جميعا ، وإما أن يكون نتيجة قرار الأغلبية وفي هذه الحالة يكون إنزال العقاب بالأقلية البريئة ظلما لها لا تستحقه ، وهو ما يتعارض مع مبدأ شخصية العقوبة .37
الفقرة الثانية : مساءلة الشخص المعنوي جنائيا تنطوي على خرق لمبدأ شخصية العقوبة وتقرير العقاب .
إن الإعتراف بالمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية فيه إخلال بمبدأ شخصية العقوبة 38 ، هذا المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه التشريعات الجنائية المعاصرة ، والذي يقضي بأن العقوبة لا تقع إلا على من إرتكب أو ساهم في  إرتكاب الفعل الإجرامي شخصيا ، أي من إتجهت إرادته إليه أو شارك فيه ، وهو ما لا يتحقق بالنسبة للشخص المعنوي ،لأن توقيع العقاب على هذا الأخير من شأنه أن يصيب _بالضرورة _ كافة الأشخاص الطبيعيين  المؤسسين له وأصحاب المصالح فيه ، ومنهم الأبرياء الذين وقعت الجريمة على غير علم منهم ولا إرادة ، بل منهم من كان معارضا في إرتكابها ومنهم من لم يساهم أو يشترك فيها. لذلك فإن القول بمساءلة الشخص المعنوي جنائيا لا يتفق مع أحكام القانون الجنائي ولا تدعو الحاجة إليه ، إذ يكفي معاقبة ممثله القانوني الذي إرتكب الفعل الإجرامي وتوافرت لديه الإرادة الإجرامية مع إخضاع الشخص المعنوي _في نفس الوقت_  لجزاءات غير جنائية هي تلك المنصوص عليها في قوانين أخرى _غير القانون الجنائي والقوانين المكملة له_ كالقانون المدني والقانون الإداري .39
ويرى الأستاذ  "roux " ، أن إقرار هذه المسؤولية يتنافى مع العدالة لما تؤدي إليه من إستطالة العقاب دون تمييز إلى الذين إنصرفت إرادتهم إلى إرتكاب الجريمة وإلى الذين لا يعلمون عنها شيئا ، وإلى الذين كان في مكنتهم منعها وإلى غيرهم ممن تعوزهم السلطة لمنعها ، وإلى الذين تداولوا في شأنها وأقدموا عليها وإلى آخرين صلتهم منبتة بكل ما يحف بظروفها ، ويضيف الأستاذ "رو" أن التحدي بأن الأقلية يتعين أن تخضع لإرادة الأغلبية إن صحت في مجال القانون الخاص فإنها لا تصلح في مقام القانون الجنائي ، لأن مؤاخدة أشخاص عن أفعال غيرهم يشكل رجعة إلى الوراء ولا يعد تقدما في مضمار المسؤولية ، إن إقصى ما يمكن أن يسند من وزر إلى أولئك الأغيار هو الخطأ في ترك إرادة هذا " الكائن الإجتماعي " لأشخاص غير جديرين بها وعدم الدقة في إختيارهم ،  ويضيف الأستاذ   بتجليني
"battaglini"أن حكمة العقاب كوسيلة للردع والزجر تفقد كل مقوماتها وركائزها بالنسبة للشخص المعنوي .
ويذهب بعض الشراح إلى أن إقرار هذه المسؤولية يؤدي إلى إزدواج العقاب ، لأن معاقبة  ممثل الشخص المعنوي بصفته ممثلا له ، لا يمنع من معاقبته عن فعله هو مما يترتب عليه تحمله العقاب مرتين عن فعل واحد .40
الفقرة الثالثة : عدم نفعية العقوبة بالنسبة للشخص المعنوي .
إذا كانت وظيفة العقوبة هي إصلا ح المذنب وزجر غيره عن الجريمة ، فإن هذه الوظيفة لا محل لها في مجال المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي ، لأن معاقبة هذا الأخير لا صلة لها بإصلاحه ولا بزجر غيره .41
فأصحاب هذا الإتجاه إذن ، يروا أن تطبيق العقوبة على الشخص المعنوي هو أمر غير نافع وغير مجدي ، في كونها لا تحقق أهم أغراض العقوبة المتمثلة في إصلاح المحكوم عليه وإعادة تأهيله وإدماجه في المجتمع وأن هذه الأغراض لا يمكن أن تتحقق إلا بالنسبة للإنسان لما يتمتع به من إرادة وتمييز ما يجعله في تطبيق العقوبات عليه أمرا نافعا في تقويمه وإصلاحه ، في حين أن توقيع العقوبات على الشخص المعنوي لا يتعدى نطاق الصورية ، فإذا تقرر حل الشخص المعنوي فإنه يستطيع أن ينشئ شخصا معنويا آخر بدلا عنه في الحال تحت إسم آخر ما لم يكن القانون يقرر خلاف ذلك وهو ما لا يتوافق مع أغراض العقوبة 42، وإذا تقررت جزاءات مالية في حقه فلا تحقق الغايات المرجوة منها ، إذ سرعان ما يعوضها بتحميلها لعملائها في حدود ما تسمح به قواعد المنافسة طبعا . 43
هذا عن أهم المبررات التي  قال  بها الفقه  المعارض للمسؤولية  الجنائية للأشخاص المعنوية ، ورغم أن  لبعض تلك المبررات وجهاتها من الناحية القانونية  البحثة ، إلا أن هذا لم يمنع كثير من الفقهاء _ وبحق  _ من رفض تلك المبررات ودحضها ، وذلك تأسيسا على ما  تستوجبه الضرورات العملية  من قبول المسؤولية الجنائية  للأشخاص المعنوية التي زاد نموها  و تطورها _  منذ نهاية القرن  19 وخلال القرن   20_ وتوغلها في شتى مجالات الحياة ، وخاصة في مجال السوق والأسعار  والعمل
والبيئة ، ...44 ونضيف السياسة . وعليه سنتطرق إلى الإتجاه المؤيد لهذه المسؤولية في النقطة الموالية .
المطلب الثاني : الإتجاه المؤيد لمسؤولية الأشخاص المعنوية جنائيا .
إتجه الفقه الحديث إلى الإعتراف بالمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية 45، من خلال محاولته لتفنيد حجج الفريق الأول 46  _الإتجاه المعارض_ ، على أساس أنها حجج واهية وكلاسيكية تفتقد للموضوعية في تجاهلها لحقيقة هذه الأشخاص ولا سيما أمام إنتشارها المتزايد وإتساع نشاطها ، فضلا عن الكم الهائل من الجرائم ذات الطابع التجاري أو المالي أو البيئي أو السياسي ... الذي صارت ترتكبه هذه الأشخاص داخل الجماعة الإجتماعية .
هذا الإتجاه إذن إنطلق في إقراره للمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية من تفنيد حجج المعارضين (الفرع الأول) ، وتقديم ما يكفي من الأسانيذ و المبررات لإقرار هذه المسؤولية ( الفرع الثاني) .
الفرع الأول : تفنيد حجج المعارضين .
لقد عمل أصحاب هذا الرأي على الإعتراف بالمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية معتمدين على دحض حجج الرافضين لتلك المسؤولية 47، في مجالي التجريم (الفقرة الأولى) ، والعقاب (الفقرة الثانية) .
الفقرة الأولى : في مجال التجريم .
ذهب هذا الإتجاه ، وإنطلاقا من طبيعة الشخص المعنوي على القول بأن هذا الشخص له وجود حقيقي (أولا) ، وإرادة مستقلة (ثانيا) ، _نفيا بذلك الإتجاه القائل بالنظرية المجازية للشخص المعنوي_ وعليه فطبيعته هذه المتمثلة في الوجود لا تتناقض مع تقرير مساءلته جنائيا  كما أن مبدأ التخصص لا يحول دون مساءلة الشخص المعنوي جنائيا (ثالثا) .
أولا : طبيعة الشخص المعنوي لا تتناقض مع تقرير مسؤوليته جنائيا .
منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر نشأت حركة فقهية قادها في ألمانيا "سافيني" و "جيرك" ناهضت نظرية الفرض أو المجاز .48
ذهب أصحاب هذا الإتجاه إلى دحض حجة المعارضين القائلة بإنكار مساءلة الشخص المعنوي جنائيا نظرا لطبيعته المجازية أو الإفتراضية ، والقول بأن وجود الشخص المعنوي حقيقة لا يمكن إنكارها ، حيث يتمثل في تدرج وهيكل وكيان حقيقي 49 ، كما له إرادة واقعية تمكنه من أن يصبح طرفا في كل عقد مشروع ، وتجعله أهلا للتداعي ، وتحمل المسؤولية عن الفعل الضار .50
وليس صحيحا القول بأن الشخص المعنوي هو مجرد مجاز فهذه النظرية (نظرية المجاز أو الإفتراض) قد هجرت منذ زمن في ظل القانون المدني لتصير الفكرة المستقرة الآن فيه هي أن لهذا الشخص وجودا قانونيا حقيقيا وبأن له إرادة أساسها أهليته لإكتساب الحقوق والإلتزام بالواجبات إذ كيف يتعاقد الشخص المعنوي ويكون بالتالي أهلا للمسؤولية المدنية إن لم تكن له إرادة؟ و لطالما أن الأمر كذلك في القانون المدني فما الذي يمنع من إمتداد هذه الفكرة إلى القانون الجنائي ؟
فالشخص المعنوي هو كيان حقيقي تعترف قواعد القانون بوجوده وتسلم له الشخصية القانونية وتنظم نشاطه ...هذا النشاط _الذي في صدوره_ يعبر عن إرادة جماعية متميزة عن إرادة كل واحد من أعضاء الشخص المعنوي وتلك الإرادة الجماعية هي التي تنسب إليها آثار الأفعال الصادرة عن هذا الأخير .51
فالشخص المعنوي إذن كيان حقيقي مستقل يتمتع بذمة مالية مستقلة ومصالح ذاتية ويحضى بإرادة متميزة أيضا .52
ثانيا: تمتع الشخص المعنوي بإرادة مستقلة ومتميزة .
إعترض هذا المذهب الإتجاه المعارض للمسؤولية  الجنائية للأشخاص  المعنوية  و القائل  بأن هذه  الأشخاص  مجرد مجاز وإفتراض ،  وبالتالي  إفتقادها للإرادة  و مردود هذا الإعتراض ينصب إلى
القول بأن الشخص المعنوي له إرادة مستقلة عن إرادة الأعضاء المكونين له أو أصحاب المصالح وهذه الإرادة بالنظر إلى طبيعة الشخص المعنوي ، ليست إرادة فردية وإنما إرادة جماعية حقيقية يتم التعبير عنها منذ نشأته وحتى إنقضائه من خلال الإجتماعات والمداولات والتصويت لأعضائه ، ويعبر عنها في العقود التي يبرمها ممثلوها بإسمه ولحسابه ويتحمل نتيجة الأفعال الضارة التي يرتكبها ممثليه أو تابعيه بإسمه ولحسابه فيسأل مسؤولية مدنية تقصيرية عن هذه الأفعال ويلتزم  بالتعويض  عنها.53
فالنظرة الصحيحة إلى طبيعة الشخص المعنوي تستوجب النزول على نظرية الحقيقة حسب ما يؤكده الفقيه "دو نديه ده فاير" 54 . والتسليم بأن الشخص المعنوي حقيقة إجتماعية وقانونية وأن له إرادة جماعية مستقلة عن الإرادات الفردية لأعضائه ، يؤدي عقلا ومنطقا إلى الإعتراف بإمكانية تحمله المسؤولية الجنائية عن الأفعال الإجرامية التي ترتكب بإسمه ولحسابه على غرار مسؤوليته المدنية عن الأفعال الضارة التي ترتكب بإسمه ولحسابه .55
ويضيف الأستاذ  "rechier" في هذا الصدد أن التحدي بأن الشخص المعنوي عاطل عن الإرادة كونه لا يعدو حجة ظاهرية ، ذلك لأن الإرادة الجماعية للأفراد الذين يعملون كجهاز للشخص المعنوي تعد مصدرا للقصد الجنائي .56
ثالثا : مبدأ التخصص لا يحول دون مساءلة الشخص المعنوي جنائيا .
إن القول بأن الشخص المعنوي تخصص للغاية التي من أجلها منحه الشارع شخصية ينطوي على إفراط وتفريط على حد سواء.57
ذلك أن منطق هذا القول يؤدي  بدوره إلى عدم إمكان مساءلة الشخص المعنوي  أيضا عن تعويض الأضرار التي يتبث في  إحداثها بمقولة  أنه  لم يخلق  لذلك طبقا لقانون إنشائه .  وعلى ذلك لا ينبغي أن  يترتب على مجرد مجاوزة  الشخص المعنوي نطاق إختصاصه  أو مجرد إنحرافه عن غرضه الذي أنشئ  من أجل تحقيقه زوال وجوده القانوني  . وبالتالي فإنه ليس ثمة ما يحول دون مساءلة الشخص المعنوي عن الإنحراف الذي  يشكل خطأ جنائي  و يضيف القائلون بمسؤولية الشخص المعنوي أن فكرة تخصيص هذا الشخص بالهدف  الذي  وجد من أجل تحقيقه مجالها القانون الإداري ليس قانون العقوبات.
 وأن القول بغير ذلك يضفي إلى نتيجة غير طبيعية وهي منح الأشخاص المعنوية حرية إرتكاب الأفعال التي تنطوي على مخالفة للقانون في حين أن الغاية من التخصيص تنحصر في الحيلولة دون إنحراف الشخص المعنوي عن الطريق الذي رسم له . 58
ويضيف الاستاذ "HACKER " إلى ذلك أن الذين يتحاجون بهذه  الحجة  يخلطون  بين "i’un étre autorisé , un étre capable" ويضرب مثلا لذلك : حالة إعطاء سلاح لفرد لإستعماله
 في غرض نبيل أو مشروع ثم قيامه بإستعمال هذا السلاح لغرض غير مشروع ، ويلخص القول بأن الأمر على غرار ذلك تماما بالنسبة للشخص المعنوي في حالة مجاوزته الغرض الذي نشئ من أجله .59
الفقرة الثانية : في مجال العقاب .
يرى أنصار هذا المذهب أن هناك عقوبات يمكن تطبيقها على الأشخاص المعنوية ، فضلا عن إمكانية إستحداث عقوبات أخرى تتلاءم وطبيعة هذه الأشخاص (أولا) ، دون أن يؤدي تطبيقها إلى الإخلال بمبدأ شخصية العقوبة (ثانيا) ، مضيفين أن لا علاقة بغاية العقوبة بالقدرة على إرتكاب الجريمة (ثالثا) .
أولا : تكييف العقوبات الجنائية وفقا لطبيعة الشخص المعنوي .
إذا كان الإتجاه المعارض ذهب إلى أن العقوبات المقررة جنائيا ، هي خصيصة للاشخاص الطبيعيين وبالتالي لا يتصور تطبيقها على الاشخاص المعنوية ، فإن الفقه الجنائي الحديث أوجد عقوبات أخرى تتلاءم وطبيعة الشخص المعنوي ، مثال أن تحل عقوبة الحل محل عقوبة الإعدام ، وعقوبة التوقف عن النشاط أو الغلق محل العقوبات السالبة للحرية ، إلى جانب إمكانية الحكم عليه بالغرامة أو المصادرة أو الحرمان من بعض الحقوق و المزايا ، إلى غير ذلك من العقوبات والتدابير التي تتلاءم وطبيعة هذه الهيئة .60
والإستناد إلى هذه الحجة _حجة الفريق المعارض_ ينطوي في ذاته على التسليم بالجمود ويؤدي إلى موقف متخلف في  مواجهة المتغيرات الإقتصادية والإجتماعية أو بالأحرى التيارات  التي إجتاحت
المجتمعات كرد فعل للثورات الصناعية وغيرها والتي غيرت تركيب المجتمعات ، إن القانون شانه شأن كل العلوم الإنسانية لا بد أن يواكب ويلاحق ما يطرأ على المجتمعات بل هو لا يعدو أن يكون إنعكاسا لفلسفات سادت في عصور ثم إنحلت في عصور أخرى ليحل بدلا عنها وهو الأمر الملموس في السياسة الجنائية سواء في التجريم أو العقاب .
إن الفقهاء الذين يتمسكون بأن الشارع في قانون العقوبات يوجه خطابه إلى أشخاص طبيعيين فحسب ، مردود عليهم بأن هذه الحجة قد تغلب عليها الفقه والقضاء الإنجليزي بتأويل سائغ مؤداه أن النصوص في صياغتها " كل من إرتكب ... " لا تدل بذاتها على أنها موجهة لأشخاص طبيعيين ، بل قد يتسع مدلول النص إلى الشخص الطبيعي والشخص المعنوي دون تمييز .61
ثانيا : عدم وجود تعارض بين مسؤولية الشخص المعنوي ومبدأ شخصية العقوبة .
إن الإخلال بمبدأ شخصية العقوبة لا يتحقق إلا إذا أوقعت العقوبة على غير من إرتكب الجريمة شخصيا ويكون مسؤولا عنها .62
وعليه فكل ما قيل من طرف الإتجاه المعارض لمسؤولية الشخص المعنوي جنائيا ، من أن إقرار مبدأ مساءلة الشخص المعنوي يشكل إعتداء على قاعدة شخصية العقوبة يدحضه هذا الإتجاه _ المؤيد لمساءلة الشخص المعنوي جنائيا _ في أن توقيع العقوبة على الشخص المعنوي وإمتداد أثرها إلى الشخص الطبيعي الذي ينوب عنه أو يدخل في تكوينه كل ذلك لا يمس القاعدة المذكورة ، وأنه إذا كانت العقوبة قد أصابت أصحاب المصلحة في الشخص المعنوي فيكون ذلك قد حدث عن طريق غير مباشر وبحكم الضرورة . ولا شك ان في ذلك مصلحة مرجوة ، ذلك أن هؤلاء سيعملون قدر طاقتهم على إلزام القائمين بأمر الشخص المعنوي على سلوك أحسن السبل تفاديا لما قد يصيبهم في المستقبل من أثر العقوبة ، ومع ذلك فإن العقوبة ليست دائمة شخصية بالمعنى الدقيق إذ المعروف أن أي عقوبة توقع على رب الأسرة وتنفذ عليه لا بد أنها تصيب في نفس الوقت أفراد أسرته بطريقة غير مباشرة وعلى من يدخل في تكوين الشخص المعنوي أو يتولى أمره أن يتوقع مثل هذا الضرر غير المباشر ويتحمل نتيجته .63
وفي هذا الصدد نورد ماسطره الأستاذ "POLSCOWE"_ مؤثمر بوخاريست 1929 _ " أنه من الناحية التاريخية فإن المفكرين الذين نادوا بمبدأ شخصية العقوبة بغية وضع حد للمظالم ، والمعانات التي كانت تعاني منها المجتمعات بسبب المبادئ الجنائية الظالمة القديمة والتي كانت تؤدي إلى إمتداد العقاب إلى طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره بسبب جريمة إرتكبها والده ، ويضيف قائلا إنه لم يدر بخلد أولئك المفكرين مطلقا ،  إن إعمال مثل هذا المبدأ يؤدي إلى عدم عقاب الشخص المعنوي أو إلى إفلاته من المسؤولية بسبب مثل هذه المبادئ ، بل أنه يورد دفاعا عن إقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، قوله :
/c’est un principe répondant aux besoins sociaux , mais nécéssitant le sacrifice de la logiqie /  64
ثالثا : لا علاقة بغاية العقوبة على إرتكاب الجريمة .
أن القول بأن مسؤولية الشخص المعنوي جنائيا لا تحقق الغاية من العقاب ينطوي على مصادرة للمطلوب ، ولا علاقة له بقدرة الشخص المعنوي على إقتراف الجريمة ، إذ تصادفنا الكثير من الأشخاص الطبيعيين ممن لم تتحقق العقوبات التي أنزلت بهم وظائفها أو أغراضها بالنسبة إليهم مثل معتادي الإجرام ، أو الأشخاص ذوي التكوين الإجرامي أو الذين يضعف أمامهم المانع من إقتراف الجريمة على الدافع إليها لغلبة العامل الخسيس على العمل الشريف ، ولا شك أن توقيع العقوبة على الشخص المعنوي من شأنه أن يجعل القائمين بالأمر أكثر حرصا ومحافظة على تنفيذ القوانين والوفاء بالإلتزامات قبل الغير.65
وعليه نخلص إلى إستنثاجين :
أ : أن البحث في معاقبة الشخص المعنوي لا تتمحور حول أغراض و وظائف العقوبة ، وإنما حول قدرة هذا الشخص على إرتكاب الجريمة وبالتالي إمكانية تحميله المسؤولية الجنائية .
ب : عدم تحقيق أهداف العقوبة  لم  يعد يطرح بالنسبة للأشخاص المعنوية ،  وإنما حتى بالنسبة  للأشخاص الطبيعية ، إذ نجد الكثير منهم  من  لم  تتحقق فيهم أهداف الجزاءات الجنائية  ( الإصلاح
 و التهذيب ) ، وذلك مثل معتادي الإجرام 66 أو ذوي التكوين البيولوجي الإجرامي .67
ونختم بحسب أحد الباحثين في ميدان العلوم الجنائية أن هذه الحجة تبقى ناقصة فيما تنطوي عليه من الحد من أغراض العقوبة وحصرها في الإصلاح والتهذيب ، في حين أن هناك أغراض أساسية من شأنها أن تتحقق بالنسبة للشخص المعنوي كالردع والوقاية والتأثير على نشاط هذا الشخص لتجنب الوقوع في هاوية الجريمة مرة أخرى .68
فالفقه الجنائي الحديث إذن قد عمل في تأييده لمسؤوليتة الأشخاص المعنوية جنائيا على دحض حجج الإتجاه المعارض _القائل بنفي مسؤولية الأشخاص المعنوية جنائيا _ والإستناد إلى مجموعة من المبررات .
الفرع  الثاني : مبررات تقرير المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية .
 إن الإقرار بالمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية حسب الفقه الجنائي الحديث ينبني على أسانيد ومبررات تتوزع بين  ثلاث زوايا الأولى فلسفية (الفقرة الأولى) ، والثانية قانونية (الفقرة الثانية) ، والثالثة إجتماعية ونفعية (الفقرة الثالثة) .
الفقرة الأولى : المبررات الفلسفية .
فإنها تنهض من واقع أن الفلاسفة مثلهم في ذلك مثل فقهاء القانون ، قد أسهمو في التسليم بحقيقة الجماعات وأن كثيرين منهم يسلمون بوجود الشخص المعنوي أو حياته أو بذاتيته الخاصة وإرادته المستقلة وأسلوبه المتميز في العمل وبإنقضاء وجوده ، وبالتالي بقابليته للمسؤولية ذلك لأن التسليم بوجود الشخص المعنوي إستقلالا عن أعضائه المكونين له ، وإنفراده بشخصية مستقلة وذمة مالية قابلة للوجوب والأداء على السواء ، وتمتعه بإرادة شرعية هي إرادة الجماعة التي يترخص بتمثيلها شخص أو أشخاص من بين المكونين له طبقا لترخيص من أعضائه ، فإن  كل ذلك يستتبع بالحتم والضرورة إعتبار الأفعال الخارجية المشروعة منها وغير المشروعة  ،  وكأنها صادرة  منه فالمجادلة بعدئد في مساءلته تؤدي 
إلى مفارقة لا تسوغ في العقل هي صلاحيته للإفادة من تصرفاته النافعة وإستحواذه عليها وإستئثاره بنتائجها ، ومن ناحية أخرى التشكيك في قابليته للمساءلة عن الوجه الآخر من تصرفاته التي تنطوي على إلحاق الأذى بالجماعة التي يعيش في كنفه لا سيما إذا كانت الحجج التي تثار في وجه مساءلته سواء الإجرائية منها أو ما يتصل بنوعية العقاب يسهل غلبتها بواسطة تطويع هذه وتلك كي تنسجم مع الطبيعة الخاصة للشخص المعنوي ، إستهدافا لتحقيق ذات الحكم من مساءلة الشخص الطبيعي وهي الردع والزجر على السواء .69
الفقرة الثانية : المبررات القانونية .
فهي تجمل في أسانيد قانونية عامة وخاصة على السواء ، بمعنى أنه يمكن إرساءها من ناحية إما على أساس من العدالة  وقاعدة شخصية العقوبة ، أو من ناحية أخرى إستنادا إلى مبدأ حرية الإختيار وما يترتب عليها من حثمية المسؤولية .
فبالنسبة لإعتبارات العدالة وإعمال مبدأ شخصية العقوبة ، فذلك لأن الأفعال الصادرة من الشخص المعنوي سواء كانت جنائية أم لا فإن تنفيذها يتم بواسطة أعضائه أو تابعيه ، فإذا كان الفعل موثما وإتجهت المحكمة إلى البحث عن الشخص الطبيعي بإعتباره مرتكب لجريمة لتنزل عليه العقاب ، فإن ذات هذا الشخص لا يعدو كونه الذراع أو اليد للشخص المعنوي ، وهو لم يرتكب هذا الفعل أو ذاك إلا تنفيذا لإرادة ذلك الشخص متمثلة في شكل أمر أو رغبة صادرة ممن يمثلون إرادته ومن تم فإن التركيز على مساءلة الشخص الطبيعي دون الشخص المعنوي ينطوي على إخلال بالعدالة وعدم مساءلة هذا الأخير أيضا يؤدي إلى الإخلال بمبدأ شخصية العقوبة .70
أما بالنسبة لمبدأ حرية الإختيار كخاصية ، لا ينفرد بها الأشخاص الطبيعيين بل تتوافر أيضا للشخص المعنوي أخذا بنظرية الإرادة الجماعية أو الشرعية .  ويقول الفقيه "PRINS" في هذا الصدد "أنه مما يتفق مع العقل بالنسبة للنقابات والإتحادات المهنية ألا تنكر إمكانية إنحرافها طالما أننا نعترف لها بالملكية وبحقيقتها العضوية وأهليتها القانونية ، والقدرة على التعبير عن إرادتها الجماعية ، إن القانون يحمي التصرفات المشروعة التي تبرمها الأشخاص المعنوي ومن هنا فإنه له الحق في مؤاخدتها حين تقترف أفعالا غير مشروعة . 71
الفقرة الثالثة : المبررات الإجتماعية والنفعية .
إن تقرير المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي هو الحل الحتمي الذي يسد النقص الناتج من الإكتفاء بالمسؤولية الفردية ، بل ويحقق من جهة أخرى كفالة تحقيق الدفاع الإجتماعي بل والفردي على السواء ، حسب ما يرى الأستاذ  "HACKER" . ونضيف ما أورده الفقيهان "جيتسبيرج و مومار" في قولهما " ذلك أنه من ناحية فإن العقوبة التي يقضي بها على ممثل الشركة تكون مخففة فالعقاب والحالة هذه يفقد آيته فلا تتحقق العدالة ، ومن ناحية أخرى فإن هذه العقوبة المخففة تبدو قاسية بالنسبة للشخص الطبيعي الذي يحتويه إحساس بأنه يتحمل نتائج أفعال أسهم آخرون في إرتكابها بذات الدرجة إن لم يتجاوزها ، ومن أجل تحقيق العدالة فإنه يتعين في حالة إرتكاب الجريمة أن يمس العقاب أو اللوم المذنب الرئيسي وفي هذا الفرض فإنه هو الشخص المعنوي ، إن إدانة الشخص الطبيعي وحده يرسب في نفوس الرأي العام إنطباعا محزنا بسبب عجز الدعوى العمومية عن بلوغ غايتها ، وكيف يمكن أن نظل نسمح بأن يقف الحكم عند الشخص الطبيعي وحده كمسؤول عن جريمة إرتكبت بصفة أساسية بواسطة شخص معنوي ، في حين أن اللوم العام يستطيل إلى هذا الأخير ؟ إن تقرير المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي هو الذي يحقق العدالة " . 72


20  د.العلمي عبدالواحد ،شرح القانون الجنائي المغربي ، ط:2007 ،مطبعة النجاح الجديدة ، ص : 305 .
21  د.أمين مصطفى محمد ، م.س ، ص:185 .
22  د.عبدالواحد العلمي ، م.س ، ص:305 .
23  د.أمين مصطفى محمد ، م.س ، ص:185 .
24  دة.حسنة كجي ، محاضرات في القانون الجنائي العام ـ ألقيت على طلبة الفصل الثاني ـ، جامعة القاضي عياض :الكلية المتعددة التخصصات ـآسفي ـ ، س.ج :2007/2006 ، ص: 50 .
25  د.عزالدين الدناصوري & عبدالحميد الشواربي ، المسؤولية الجنائية في قانون العقوبات والإجراءات الجنائية ، ط:1993 ، الإسكندرية ـ منشأة المعارف ـ ، ص :71 .
26  د.أمين مصطفى محمد ، م.س ، ص :185
27  د.إبراهيم علي صالح ، المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية ، ط:1980 ، دار المعارف القاهرة ، ص:102 وما بعدها .
28  دة.بضراني نجاة ، القانون الجنائي العام ـ القسم العام ـ ، ط:1992 ، دار النشر الشرقية وجدة ، ص : 54 .
29  دة.بضراني نجاة ، م.ن ، ص:53 وما بعدها .
30  د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:104 وما بعدها .
31  دة.بضراني نجاة ، م.س ، ص:55 .
32  د..إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:105 وما بعدها .
33  د.عزالدين الدناصوري & عبد الحميد الشواربي ، م.س ، ص:71 .
34  د.أمين مصطفى محمد ، م.س ، ص:186 .
35  د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:107 .
36  د.عزالدين الدناصوري & عبد الحميد الشواربي ، م.س ، ص:71 وما بعدها .
37  دة.بضراني نجاة ، م.س ، ص:57 .
38  دة.شادية شومي ، في القانون الجنائي العام ، ط:2004 ، ص:142 .
39  دة.بضراني نجاة ، م.س ، ص:56 .
40  د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:106 وما بعدها .
41  دة.بضراني نجاة ، م.س ، ص:57 .
42  د. محمود سليمان موسى ، المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي في القانونين الليبي والأجنبي ، ط:1/1985 ، الدار الجماهيرية للتوزيع والنشر والإعلان ، ص:150 .
43  دة.بضراني نجاة ، م.س ، ص: 57 وما بعدها .
44  د.أمين مصطفى محمد ، م.س ، ص:187 .
45  دة.شادية شومي ،م.س ، ص:143 .
46  د.عبدالواحد العلمي ، م.س ، ص:306 .
47  د.أمين مصطفى محمد ، م.س ، ص:187 .
48  د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:108 .
49  د.أمين مصطفى محمد ، م.س ، ص:187 .
50  د.عزالدين الدناصوري & عبد الحميد الشواربي ، م.س ، ص:72 .
51  دة.بضراني نجاة ، م.س ، ص:61 .
52  د..إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:110 .
53 د.علي عبد القادر القهوجي ، قانون العقوبات ـ القسم العام ـ ،  ط:1998 ، دار المطبوعات الجامعية ـ الإسكندريةـ ، ص:25 .
54  د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:111.
55  د.علي عبدالقادر القهوجي ، م.ن ، ص:25 .
56  د..إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:112 .
57  د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:113 .
 58  الطالب : درابلة العمري سليم ، رسالة ماجيستر ـ فرع القانون الجنائي و العلوم الجنائيةـ تحت عنوان : تنظيم المسؤولية الجنائية عن جرائم الصحافة المكتوبة ، جامعة الجزائر كلية الحقوق والعلوم الإدارية ـ إبن عكنون ـ ، 2003/2004 ، ص:119 .
59  د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:113 .
60  د.علي عبد القادر القهوجي ، م.س ، ص:26 .
61   د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:117 وما بعدها.
62  دة.بضراني نجاة ، م.س ، ص:64 .
63  د.عزالدين الدناصوري & عبدالحميد الشواربي ، م.س ، ص:73 .
64  د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:117 .
65  د.عزالدين الدناصوري & عبد الحميد الشواربي ، م.س ، ص:73 وما بعدها .
66  المجرم المعتاد هو مجرم يعتاد على النشاط الإجرامي ن لأنه لا يستطيع مقاومة الشر الكامن في نفسه بعد القيام بأول جريمة ، فيصبح عنده السلوك الإجرامي مسألة عادية ويعتبر الباحثون إجرام هؤلاء أكثر خطورة لا بسبب كميته وإنما بسبب  طبيعته بإعتباره مصدرا دائما للإجرام ، فالمجرم المعتاد هو دائما مجرد عائد في المعنى القانوني للعود .(راجع محمد الأزهر ، مبادئ في علم الإجرام ، ط:8/2005 ، مطبعة دار النشر المغربية ، ص:237) .
67  المقصود بهم المجرمين الذين يتميزون عن غيرهم بصفات خاصة عضوية (مثل :عدم إنتظام وتشابه نصفي الوجه ، كبر زائد في أبعاد الفك وعظام الوجنتين ، تشوهات في العينين...) ونفسية (مثل: كثرة وجود الوشم ، ضعف الإحساس بالألم ...) ( د.محمد الأزهر ، م.س ، ص:60 وما بعدها ).
68  د.علي عبدالقادر القهوجي ، م.س ، ص:26 .
69  د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص: 135 وما بعدها .
70  د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:136 .
71  د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:137 .
72  د.إبراهيم علي صالح ، م.س ، ص:139 وما بعدها .

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 6:19 م
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi