29‏/8‏/2012

مبدأ تقرير المصير بين روح القانون الدولي والتوظيف السياسي


1- دفاعا عن روح القانون الدولي : تقرير مصير الشعوب/الدول و ليس تقرير مصير الأقليات

راج مفهوم (النظام العالمي الجديد) أواخر الثمانينيات و بداية التسعينيات؛ و خصوصا مع الرئيس الأمريكي الأسبق ( جورج بوش الأب) باعتباره مفهوما يفتح المجال أمام القوة الأمريكية لإعادة صياغة خرائط العالم؛ خصوصا بعد نهاية القطبية الثنائية؛ التي كانت تحقق توازن الرعب . و على أعتاب الألفية الثالثة؛ كان الرئيس الأمريكي الأسبق (جورج بوش الابن) قد وصل إلى قيادة الولايات المتحدة الأمريكية؛ و بقدر ما كان متحمسا لتحقيق الاستمرارية في سياسة الحزب الجمهوري؛ فقد عمل على استنساخ صورة الأب؛ و في هذا السياق جاء مخطط الشرق الأوسط الكبير لتحقيق استمرارية النظام العالمي الجديد في طبعة جديدة.

لقد تم الإعلان عن مخطط الشرق الأوسط الكبير؛ خلال قمة الدول الثماني في شهر مارس من سنة 2004 ؛ و منذ هذا التاريخ تم الإعلان بصيغة غير مباشرة عن عهد جديد في العلاقات الدولية؛ تعمل خلاله الولايات المتحدة و حلفاؤها من الأوربيين؛ على إعادة صياغة خرائط دول الشرق الأوسط و شمال إفريقيا؛ التي اعتبرها الإستراتيجيون الأمريكيون؛ دولا في حاجة إلى إعادة الصياغة و رسم الحدود (1) لأنها –في اعتبارهم - دول غير طبيعية؛ الشيء الذي يخلق الصراعات السياسية في هذه المنطقة؛ التي تبقى في حاجة إلى الاستقرار السياسي؛ لضخ المزيد من الطاقة في محرك الرأسمالية الجديدة !!!

ضمن هذا التصور الاستراتيجي البعيد المدى؛ حضرت خطط كثيرة لإعادة صياغة خرائط المنطقة العربية؛ كي تستجيب للتصور الأمريكي- الأوربي-الصهيوني الجديد. و في هذا السياق تم الترويج إعلاميا و سياسيا؛ و بشكل مدقع لمفهوم تقرير المصير؛ حضر هذا الترويج في العراق مع الملف الكردي؛ و حضر في السودان مع ملف انفصال الجنوب؛ و هناك بوادر جديدة لتوسيع الرقعة في اتجاه المغرب العربي؛ من خلال إثارة ملف الأقليات؛ سواء فيما يرتبط بملف الأمازيغ في الجزائر؛ أو ملف الصحراء الغربية في المغرب؛ و تبقى القائمة مفتوحة لضم دول عربية جديدة في الآجال القريبة؛ عبر استغلال المؤسسات الدولية لشرعنة الاستعمار الجديد .

تقرير المصير مفهوم حمال أوجه؛ لا يستقر على دلالة واحدة؛ حيث اتخذ تأويلات مختلفة حسب المراحل التاريخية؛ و من ثم تباينت وجهات نظر فقهاء القانون الدولي و مواقف الدول من هذا المفهوم؛ لأنه حضر منذ رواجه كمفهوم مرتبطا بالصراعات التي عاشتها أوربا منذ (ح ع 1) و مرورا ب (ح ع2)؛ كما ارتبط بتفكك الإمبراطوريات الكبرى في العالم؛ و ارتبط كذلك بحصول الدول المستعمرة على استقلالها.

و قد عرف هذا المفهوم تحولا كبيرا؛ بعد نهاية الحرب الباردة و بزوغ فجر العولمة؛ و تعاظم الحركات الحقوقية عبر العالم؛ بحيث بدأ يخرج عن السياق الذي ولد فيه؛ باعتباره آلية لفض النزاعات بين الدول؛ ليتحول إلى آلية لتفكيك الدول على أساس أثني و عرقي و قومي و لغوي و ديني ... و ذلك في تناقض واضح مع الأهداف المرسومة من طرف الأمم المتحدة نفسها؛ و خصوصا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية؛ الذي ربط حق تقرير المصير بالشعوب/الدول و ليس بالأقليات المشكلة للشعوب/الدول .

نقرأ في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية في الجزء الأول منه ضمن المادة الأولى ما يلي :

1- لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها. وهى بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
2- لجميع الشعوب، سعيا وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة. (2)

هكذا يبدو واضحا أن حق تقرير المصير جاء مرتبطا بالشعوب /الدول و ليس بالأقليات و القوميات؛ و ذلك لأن كل دول العالم تقوم على تنوع عرقي و ديني و لغوي ... و ليست هناك دولة تتميز بالنقاء. و إذا سمحنا بربط تقرير المصير بالأقليات؛ فإن جميع الدول في العالم سيتم تفكيكها إلى دويلات؛ مما سيهدد وحدة الشعوب و استقرارها عبر العالم .
و لعل هذا هو ما وعت به أوربا مبكرا؛ حينما رأى قادتها أن تقرير المصير يهدد استقرار دول القارة بأكملها؛ و قد كان استقلال النرويج عن السويد عام 1905 تحت شعار تقرير المصير؛ بمثابة جرس الإنذار الذي يؤذن بتفكيك أوربا؛ و لذلك فقد رفضت فرنسا بعد ذلك مبدأ تقرير المصير؛ و امتنعت عن إجراء أي انتخابات في إقليمي الألزاس و اللورين؛ و احتجت بوجود مستوطنين ألمان بكثافة في الإقليمين .

و إذا انتقلنا إلى أمريكا الشمالية؛ فإننا نعثر على نماذج دالة من الولايات المتحدة و كندا؛ تؤكد جميعها على استحالة تطبيق مفهوم تقرير المصير لتفكيك الدول؛ فقد خاضت الدولتان حروبا داخلية مدمرة للحفاظ على تماسك ووحدة الدولتين . فقد خاضت الحكومة المركزية للولايات المتحدة الأمريكية؛ حربا شاملة في مواجهة الولايات الجنوبية الإحدى عشر؛ التي أعلنت انفصالها عن الولايات المتحدة. وقد كان مستند الرئيس الأمريكي (أبراهام لنكولن) في شنه الحرب على الولايات المنفصلة؛ هو قرار الأغلبية الشعبية؛ والدستور الأمريكي الذي ينص على أن الوحدة الأمريكية وحدة دائمة وغير قابلة للانفصال؛ ومن ثم فإن أي محاولة لنقضها يعتبر خروجا على الدستور؛ و يجيز للحكومة الفدرالية مواجهتها بالقوة .

أما في كندا و على إثر قيام حركة انفصالية في مقاطعة (كيبك) أصدرت المحكمة العليا في كندا حكما؛ يقضى بإلزام الحكومة الكندية المركزية بمواجهتها وعدم السماح لتلك المقاطعة بالانفصال، و قد ذهبت المحكمة العليا إلى أن الحكومة الكندية لا تملك حق السماح لأي مقاطعة بالانفصال؛ وأن الحكومة ملزمة بالقيام بواجب الحفاظ على وحدة التراب الكندي؛ وأضافت المحكمة في حيثيات حكمها؛ أنه لا ينطبق على حالة كيبك مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها؛ وأنه لا يوجد في القانون الدولي ما يسمى حق طائفة أو شريحة من الشعب في الانفصال بإرادتها الانفرادية .

إن ما تؤكد عليه هذه النماذج الدالة؛ سواء من أوربا أو أمريكا؛ هو أن مفهوم تقرير المصير الذي جاء مؤطرا بقوانين دولية واضحة؛ يرتبط بالشعوب/الدول الخاضعة لاستعمار قوى أجنبية؛ لكنه لا يرتبط بانفصال الأقليات و القوميات التي تشكل الشعب/الدولة؛ لان القانون الدولي لا يسمح بتفكيك الدول إلى دويلات غير قابلة للحياة . و قد كان العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية واعيا بهذا التمييز بين الدول و الأقليات؛ في دعوته إلى تقرير مصير الشعوب؛ و من هذا المنظور يمكن أن نطلع في الجزء الثاني ضمن المادة الثانية؛ من العهد الدولي على ما يلي:

- تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.
فالدعوة هنا واضحة إلى احترام الدولة لحقوق جميع الأفراد؛ دون أي تمييز بينهم على أي أساس؛ لكن العهد الدولي هنا لا يحمل أية إشارة إلى حق هذه المكونات المختلفة للدولة الواحدة؛ في تقرير مصيرها؛ عبر الانفصال عن الوطن الأم .

و في الجزء الثاني ضمن المادة 27 من العهد الدولي نقرأ:

- لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم. و هذه المادة واضحة بجلاء؛ فهناك حرص كبير من العهد الدولي؛ على حماية الحقوق الدينية و الثقافية و اللغوية للأقليات؛ لكن ضمن الدولة الأم؛ التي تشمل هذا التنوع و التعدد. و العهد الدولي يحدد مسؤوليات الطرفين بشكل واضح؛ يجب على الدولة حماية حقوق الأقليات؛ و في مقابل واجب الدولة؛ يحضر واجب الأقليات بشكل مضمر في العهد الدولي؛ من خلال احترام وحدة و سيادة الدولة .

و لعل منطق العهد الدولي؛ بخصوص احترام سيادة ووحدة الدول؛ هو ما يؤكد عليه الإعلان الأممي بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية؛ حيث جاء في المادة الثامنة منه :

- لا يجوز بأي حال تفسير أي جزء من هذا الإعلان على أنه يسمح بأي نشاط يتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، بما في ذلك المساواة في السيادة بين الدول، وسلامتها الإقليمية، واستقلالها السياسي. (3) إن منطق القانون الدولي بخصوص مبدأ تقرير المصير واضح بجلاء؛ فهو لا يغامر بوحدة و سيادة الدول؛ من خلال فتح المجال أمام الأقليات والقوميات؛ لتفكيك الدولة الواحدة القوية و المستقرة؛ إلى دويلات متنازعة؛ تشكل خطرا على نفسها و على الاستقرار العالمي . و لذلك فإن هذه المادة وحدها؛ يمكنها أن تحد من أية تأويلات مغرضة للقانون الدولي؛ لأنه بريء من شرعنة الانفصال؛ باسم مبدأ تقرير المصير؛ و أية محاولة مغرضة لتفكيك أية دولة؛ يمكن التعامل معها كخرق للقانون الدولي؛ يجب مواجهتها عبر الانتصار للشرعية الدولية؛ التي تربط حق تقرير المصير بالشعوب/الدول الخاضعة للاستعمار؛ و ليس بالأقليات المشكلة للدول .

و يمكن أن نحيل الحلف النيوكولونيالي؛ الذي يستثمر في الانفصال لتحقيق مصالحه الإستراتيجية باسم القانون الدولي؛ يمكن أن نحيله على النموذج الأمريكي و النموذج الكندي؛ و هما نموذجان في غاية الدلالة؛ على أن الدعوة إلى الانفصال باسم تقرير المصير؛ هي دعوة تقوم على خرق القانون الدولي؛ حينما تهدد وحدة و استقرار الدول؛ و بالتالي يجب الاحتكام إلى الشرعية الدولية لمواجهة هذه الدعوات؛ سواء كانت داخلية أو خارجية . و لنا في الرئيس الأمريكي (أبراهام لنكولن) و في قرار المحكمة العليا الكندية؛ الدليل الواضح؛ على أن تفكيك الدول تحت شعارات مزورة؛ يعد خرقا واضحا للقانون الدولي نفسه؛ الذي يقر صراحة أنه حريص على سلامة الدول و استقلالها السياسي .

2- النظام العالمي الجديد: مبدأ تقرير المصير لتفكيك الدول

النظام العالمي الجديد مصطلح؛ استخدمه الرئيس الأمريكي الأسبق (جورج بوش الأب) في خطاب وجهه إلى الشعب الأمريكي؛ بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج؛ حيث أشار في (الحادي عشر من شتنبر)!!! سنة 1990 إلى إقامة نظام عالمي جديد؛ يكون متحررا من الإرهاب؛ فعالا في البحث عن العدل؛ و أكثر أمنا في طلب السلام؛ و قد راج هذا المصطلح خلال سنة 1991 في خطاب الأمم المتحدة؛ بنفس الأبعاد الأمريكية. (4) لكن؛ رغم الظهور المتأخر لهذا المصطلح في الخطاب السياسي؛ فإنه ظهر على الصعيد الأكاديمي أول مرة بداية الستينات؛ عندما استعمله المحامي الأمريكي المتقاعد(كرنفينك كلارك)؛ المستشار الفاعل لعدد من وزراء الخارجية في البيت الأبيض؛ في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي. (5)

و قد ظهر مصطلح النظام العالمي الجديد؛ للتعبير عن الوضع الدولي الجديد؛ بعد نهاية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفييتي؛ و ما نتج عنه من بداية بروز القوة الأمريكية الواحدة على الساحة الدولية؛ بطموحات سياسية و عسكرية توسعية؛ تسعى إلى التحكم في النظام الدولي من منظور يخدم مصالحها الإستراتيجية عبر العالم .

و قد ظهر هذا النظام الدولي الجديد -بدلالته السياسية و العسكرية- مقترنا بنظام العولمة –بدلالته الاقتصادية و الثقافية- ليشكلا معا التوجهات الأمريكية المستقبلية؛ التي تسعى إلى إعادة تشكيل العالم على المقاس الأمريكي (6) و إعادة التشكيل هذه تتطلب –حسب الإستراتيجية الأمريكية- اللعب في خرائط العالم؛ عبر استغلال القانون الدولي؛ من منظور جديد ؛ يقوم على أساس إعادة توجيه الخطاب الأممي؛ في اتجاهات مغايرة لما تم رسمه ؛ خلال مرحلة التوازنات الدولية . و إذا كان مبدأ تقرير المصير؛ قد حضر في القانون الدولي؛ مرتبطا بنضال الشعوب من أجل الحصول على استقلالها؛ فإن النظام العالمي الجديد؛ الذي تقوده القوة الأمريكية؛ كان يبشر بواقع جديد؛ فقد انفتح المجال أمام صناع القرار الأمريكي؛ خلال هذه المرحلة للعودة إلى مبدأ تقرير المصير؛ مع إعادة شحنه بدلالات سياسية جديدة؛ تخدم المصالح الأمريكية عبر العالم؛ و ذلك بعد إفراغه من دلالته القانونية؛ التي رسخها نضال حركات التحرر عبر العالم؛ في صراعها ضد الدول الاستعمارية.

هكذا بدأت بعض الأقليات التي كانت تشكل وحدة سياسية؛ بدأت تفكر في استثمار المعطيات الدولية الجديدة؛ لبلورة مشاريعها الانفصالية؛ و هذا ما حصل للاتحاد السوفييتي السابق؛ الذي انقسم إلى دول؛ انضم بعضها إلى رابطة الدول المستقلة؛ بينما انفصل بعضها الآخر في شكل مستقل؛ مثل أستونية و ليتوانية و لاتيفية ... و نفس المصير عاشه الاتحاد اليوغسلافي السابق الذي انقسم إلى دول مثل: كرواتيا؛ البوسنة و الهرسك؛ مقدونية؛ سلوفينية ... وقد تم ذلك باسم حق تقرير المصير؛ الذي أعيدت صياغته أمريكيا؛ لكن حقيقة الأمر؛ كانت توجها أمريكيا واضحا؛ نحو تفكيك المعسكر الشرقي؛ الذي شكل لعقود قوة متكافئة مع القوة الأمريكية؛ بالإضافة إلى تفكيك الاتحاد اليوغسلافي؛ الذي كان يشكل امتدادا للاتحاد السوفييتي .

و قد تم استغلال المؤسسات الدولية خلال هذه المرحلة لإنجاح عملية التفكيك؛ التي كانت تقودها الولايات المتحدة؛ و ذلك من خلال رد الاعتبار لمفهوم تقرير المصير؛ الذي تم استغلاله أبشع استغلال؛ و من ثم فتح باب الجحيم على مصراعيه؛ لتعم الفوضى (الخلاقة) !!! كل ربوع العالم؛ حيث تم فسح المجال أمام الأقليات و القوميات التي كانت تشكل دولا موحدة و مستقرة؛ تم فسح المجال أمامها للتعبير عن نزوعاتها الانفصالية؛ مستغلة الدعم الأمريكي المطلق.

و هكذا عاد تقرير المصير القومي للانبعاث؛ بعدما تم الحسم معه في القانون الدولي؛ لصالح تقرير مصير الدول/ الشعوب؛ و هذا الوضع الدولي الجديد لو استمر على هذا الحال؛ سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في العلاقات الدولية؛ لأنه ليس هناك دولة واحدة في العالم تضم قومية واحدة. لذلك فإن مبدأ تقرير المصير بشكله النيوكولونيالي يمر من مأزق خطير؛ خصوصا إذا حل الشعب بالمعنى القومي محل الشعب بالمعنى القانوني .

إن تفكيك الاتحاد السوفييتي و الاتحاد اليوغسلافي؛ من طرف النظام العالمي الجديد؛ لم يكن في الحقيقة إلا نقطة البداية؛ حيث سيشرع الباب على مصراعيه؛ أمام الأقليات و القوميات عبر العالم؛ للدخول في حركات انفصالية؛ تتخذ مبدأ تقرير المصير في طبعته النيوكولونيالية؛ كشعار لشرعنة مطالبها الانفصالية . و يعرف العالم الآن الكثير من النماذج الانفصالية؛ التي يقودها النظام العالمي الجديد؛ لتصفية الحسابات السياسية و الإيديولوجية؛ مع القوى الدولية المناوئة لهذا النظام؛ سواء اتخذت طابعا شيوعيا؛ أم اتخذت طابعا إسلاميا. و تحضر الصين كنموذج بالغ الدلالة ضمن هذا المسار؛ الذي تم تدشنه مع نهاية القطبية الثنائية؛ فالولايات المتحدة و معها أوربا؛ تهدد الصين في كل لحظة بإقليم التيبت؛ الذي يطالب بالانفصال؛ و تقدم هذه القوى الغربية دعما سياسيا كبيرا للدالاي لاما ؛ باعتباره الزعيم الروحي للتيبتيين.

و يحضر مبدأ تقرير المصير بقوة ضمن هذه الحركية الانفصالية المغلفة بالشرعية الدولية؛ لكن الهدف الواضح؛ هو تطبيق سياسة (فرق تسد)؛ التي طبقتها الحركة الاستعمارية إبان مرحلة القرن التاسع عشر بإتقان كبير. إن النيوكولونيالية حينما تسوق لمبدأ تقرير المصير في الصين؛ لا تهمها مبادئ حقوق الإنسان؛ و لكن ما يهمها بالدرجة الأولى؛ هو إلحاق الصين؛ كقوة شيوعية صاعدة؛ بالاتحادين السوفييتي و اليوغسلافي؛ الذين تم تفكيكهما بناء على نفس الشعارات . لكن هذه الدول النيوكولونيالية؛ التي تسعى إلى تزوير القانون الدولي خدمة لمصالحها الإستراتيجية؛ في صراعها مع القوى الدولية الصاعدة؛ كانت أول من صاغ القوانين الدولية؛ الداعمة لوحدة و استقرار الدول؛ و ذلك حينما كانت القارتان الأوربية و الأمريكية مهددتان بالنزعات الانفصالية؛ خلال مرحلة عرفت مدا قوميا كاسحا؛ كان يهدد بتقسيم الدول الكبرى إلى دويلات تمثل التعدد القومي السائد .

و هذا ما انعكس بشكل مباشر؛ على القوانين الدولية الداعمة لحق الدول في حماية وحدتها و استقرارها؛ و هي قوانين واضحة؛ تربط حق تقرير المصير بالشعوب/الدول و ليس بالأقليات و القوميات . و لعل هذه القوانين الداعمة لوحدة الدول؛ هي التي شرعنت الحرب التي قادها الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن؛ على الولايات التي كانت تهدد بالانفصال عن الدولة المركزية؛ كما أن هذه القوانين نفسها؛ هي التي كانت المنطلقات الرئيسية للمحكمة العليا في كندا؛ لإرغام الحكومة المركزية؛ على مواجهة الدعوات الانفصالية في مقاطعة الكيبك . إن نفس هذا القوانين هي التي يجب أن تؤطر نضال الشعوب و الدول الآن في مواجهتها للحركات الانفصالية؛ التي تزور القانون الدولي؛ بدعم من واضح من النظام العالمي الجديد؛ الذي لا تهمه وحدة و استقرار الشعوب؛ بل ما يهمه هو خلق الفوضى (الخلاقة) للصيد في الماء العكر .

3- مبدأ تقرير المصير: الأجندة النيوكولونيالية في المنطقة العربية

إن المؤسف حقا في ما يجري اليوم من مشاريع انفصالية؛ و خصوصا في المنطقة العربية؛ هو أن المؤسسات الأممية؛ المفروض فيها حماية القانون الدولي؛ لأنها تمثل إرادة جميع شعوب العالم؛ هذه المؤسسات أصبحت أداة طيعة في يد النيوكولونيالية الأمريكية؛ تستعملها في فرض شعارات فارغة على الأمم و الشعوب؛ في استغلال بشع للشرعية الدولية؛ التي أصبحت تهدد استقرار الكثير من دول العالم؛ خدمة لأهداف إستراتيجية أمريكية خاصة .

و لعل ما يجرى في السودان الآن من تفكيك و تمزيق للدولة؛ باسم تقرير المصير؛ ليعد تواطؤا واضحا بين النيوكولونيالية الأمريكية و الأمم المتحدة ؛ حول خرق القانون الدولي؛ لشرعنة الانفصال؛ الذي يحمل بين طياته أجندة أمريكية-صهيونية مفضوحة؛ تستهدف مجموع المنطقة العربية؛ ضمن ما أطلقت عليه الولايات المتحدة في شراكة مع الصهيونية و الاتحاد الأوربي؛ مخطط الشرق الوسط الكبير؛ الذي يقوم على أساس إعادة صياغة خرائط المنطقة العربية؛ على أساس حدود الدم Blood border كما جاء مع (رالف بيترز) (7) و كذلك مع هنري كيسنجر؛ الذي وضع مخططا لتقسيم المنطقة العربية (8) .

إن هذه المخططات –طبعا- لن تتوقف عند تقسيم السودان؛ بل إن هنالك دول عربية أخرى في الطريق؛ ستسير بها النيوكولونيالية على خطى النموذج السوداني؛ ففي العراق يعبر الأكراد عن نزوعات انفصالية في واضحة النهار؛ و في تحد سافر للدستور العراقي؛ الذي شاركوا في وضعه؛ و من المفروض أن يعملوا على حمايته؛ عبر مؤسسة رئاسة الدولة التي يمثلونها في النظام السياسي الجديد؛ لكن الأكراد أنفسهم لا يمثلون قرارهم السياسي الخاص؛ بل ورطوا أنفسهم ضمن مخططات انفصالية موضوعة مسبقا من طرف صناع القرار الأمريكي؛ الذين دخلوا العراق من أجل تطبيق هذه المخططات الانفصالية؛ لتوسيعها فيما بعد على المنطقة العربية ككل. و من دون حضور الروح الوطنية لدى أكراد العراق؛ التي تربط المواطنة بالانتماء السياسي للدولة؛ و ليس بالانتماء القومي؛ فإن العراق مرشح بقوة للسير على خطى النموذج السوداني؛ خصوصا و أن الدعم الأمريكي في الحالة العراقية؛ يخدم أهداف إستراتيجية؛ خاضت النيويكولونيالية الأمريكية حربا مدمرة على العراق؛ من أجل تحقيقها؛ بهدف توسيعها فيما بعد على المنطقة العربية ككل .

و بالإضافة إلى السودان و العراق؛ فإن آخر اكتشافات النيوكولونيالية ضمن مخطط الشرق الأوسط الكبير؛ هو استثمار الأقلية المسيحية في مصر؛ لتبرير التدخل الدولي في البداية؛ تمهيدا لزرع بذور الانفصال لاحقا؛ و هذا ليس تخمينا و حسب؛ بل يدخل ضمن مخططات بأبعاد إستراتيجية بعيدة المدى؛ تنتظر الفرصة السانحة فقط؛ للخروج إلى حيز التطبيق . و من دون نجاح الدولة المصرية في تطبيق إصلاحات سياسية حقيقية؛ تقوم على أساس التداول السلمي للسلطة؛ من خلال انتخابات ديمقراطية شفافة و نزيهة؛ حتى يشعر الأقباط بأنهم مكون أساسي في دولتهم؛ و أنهم يتمتعون بجميع حقوق المواطنة؛ من دون هذه الإصلاحات السياسية الحقيقية؛ فإن النيوكولونيالية ستظل تتربص بوحدة مصر و استقرارها؛ ضمن مخططات جاهزة؛ تسعى إلى إعادة ترتيب التوازنات القائمة؛ خدمة للمصالح الإستراتيجية الأمريكية-الصهيونية .

و ليس بعيدا عن المشرق العربي؛ فإن مبدأ تقرير المصير-بأبعاده النيوكولونيالية- أصبح يخترق بقوة دول المغرب العربي؛ سواء في المغرب أو في الجزائر؛ باعتبارهما دولتان قائمتان على أساس تعدد عرقي و لغوي؛ أصبح يستثمر من طرف قوى خارجية؛ لزعزعة وحدة و استقرار البلدين. ولعل آخر ما كشف عنه الستار؛ هو الاختراق الصهيوني للأقلية الأمازيغية؛ بهدف خلق نموذج كردي في كل من المغرب و الجزائر؛ قابل للانفصال في أية لحظة؛ بدعم نيوكولونيالي سياسيا و عسكريا.

و بالإضافة إلى الاختراق الصهيوني للأقلية ألأمازيغية في المغرب العربي؛ يحضر كذلك الاختراق الفرنكفوني؛ الذي يمتلك رصيدا تاريخيا محترما؛ في دعم انفصال الأمازيغ عن العرب في المنطقة المغاربية؛ و هذا رهان كبير بدا في تحقيقه المقيم العام الفرنسي (ليوطي) لكن الوعي الوطني المرتبط بأبعاد عربية-إسلامية أفشل هذا الرهان قبل ولادته؛ لأن الظهير البربري الذي حاول تطبيق هذا المخطط الاستعماري في المغرب؛ هذا الظهير الذي كان يخطط لفصل الأمازيغ عن العرب في المنطقة المغاربية؛ كان المسمار الأخير الذي دقته الحركة الوطنية المغربية في نعش الاستعمار الفرنسي .

لكن ما أصبح يخيف الآن هو أن المخططات الفرنكفونية؛ أصبحت تعود بقوة؛ مستغلة غياب الحس الوطني لدى الناشئة؛ التي لم تعش لحظات التحرر الوطني؛ و آخر بوادر هذا النجاح تم التعبير عنها على أرض الدولة الاستعمارية السابقة؛ عبر تشكيل حكومة أمازيغية صورية؛ ستكون البداية الفعلية لتقسيم الجزائر إلى دويلتين متنازعتين؛ بدعم فرنكفوني؛ يمكنه أن يتحول في أي وقت إلى دعم دولي؛ يطالب بتقرير مصير (الشعب الأمازيغي) الذي لم يكن يوما إلا شعبا جزائريا؛ أو شعب المغرب الأوسط في التاريخ الوسيط؛ باعتباره شعبا موحدا يتشكل من عرب و أمازيغ و أندلسيين و أفارقة؛ حيث تعايشت جميع هذه الأعراق بسلام ووئام؛ حتى دخول الجزائر ضمن الحسابات الإمبريالية؛ لما يزيد عن قرن من الزمان .

إن مبدأ تقرير المصير بأبعاده النيوكولونيالية؛ هو الأداة الفتاكة التي يعتمدها مخطط الشرق الأوسط الكبير؛ لتفكيك الدول العربية؛ إلى دويلات/قبائل غير قابلة للحياة؛ و ذلك بهدف تحويل العالم العربي إلى ساحة خلفية للنيوكولونيالية الأمريكية-الأوربية-الصهيونية؛ باعتباره خزان وقود كبير لتحريك عجلة الرأسمالية؛ و باعتباره سوقا استهلاكية تتوفر على ملايين السكان؛ القادرة على ترويج المنتوجات الصناعية؛ و كذلك باعتباره سوقا لليد العاملة الرخيصة؛ القادرة على تحريك القطاعات الرأسمالية غير المهيكلة ...

و يقدم لنا النموذج السوفييتي و النموذج اليوغوسلافي؛ دروسا بليغة في هذا المجال؛ فبعد أن كان الاتحادان السوفييتي و اليوغسلافي يشكلان دولا قوية بثرائها البشري؛ الذي انعكس على شكل اقتصاد قوي؛ و سياسة وازنة؛ و موقع جيوسياسي استراتيجي؛ بعد أن تمتع الاتحادان بهذه المكانة الوازنة في العالم؛ و بعد أن حضرا بشكل متكافئ إلى جانب أوربا و الولايات المتحدة؛ بعد كل هذا تمكنت النيوكولونيالية من تفكيكهما إلى دويلات ضعيفة و متناحرة؛ غير قادرة على حماية أمنها الداخلي؛ فما بالك التموقع في العالم كقوى دولية وازنة ! و في مسار التفكيك هذا الذي قادته القوى الامبريالية الغربية؛ كان مبدأ تقرير المصير بأبعاده النيوكولونيالية حاضرا بقوة؛ ينخر كورم سرطاني مدمر أجسادا ظلت قوية لوقت قريب .

4- مبدأ تقرير المصير في الصحراء المغربية :بين القانون الدولي و التوظيف السياسي

إذا كان مبدأ تقرير المصير؛ قد اتخذ أبعادا سياسية خطيرة بعد بزوغ فجر النظام العالمي الجديد؛ الذي تقوده الولايات المتحدة؛ منذ سقوط المعسكر الشرقي؛ فإن المغرب قد عانى من التحريف الذي مورس على القانون الدولي قبل ذلك بعقود. فبعد أن كان تقرير المصير في إقليم الصحراء؛ الذي كان محتلا من طرف الاستعمار الاسباني؛ يسير في اتجاهه الصحيح؛ عبر المطالبة المغربية بإجلاء الاستعمار عن منطقة صحراوية تابعة للمغرب؛ بمعطيات الجغرافيا و التاريخ و القانون الدولي؛ و بعد أن تمكن المغرب عبر المفاوضات و عبر المقاومة المسلحة من طرد آخر جنود الاستعمار الإسباني؛ بعد كل هذا المسار الطويل وجد المغرب نفسه يواجه وضعا دوليا جديدا؛ يحوله من دولة مستعمرة (بفتح الميم) تطالب بحقها في الاستقلال و تقرير المصير؛ إلى دولة (مستعمرة) – (بكسر الميم) تطالبها الشرعية الدولية المزورة بتقرير مصير (شعب صحراوي) لم يوجد يوما إلا في مخيلة المستعمرين و التوسعيين .

إن النموذج المغربي في علاقته بهذا المبدأ الدولي (الحمال أوجه) يقدم دروسا بليغة؛ حول ما يمكن أن يعتري القانون الدولي من أنواع الخلل؛ إذا بقي عرضة للتحريف؛ من طرف القوى الدولية خدمة لمصالحها الخاصة. و قد كان المغرب ضحية الموجة الشيوعية التي ضربت المنطقة المغاربية؛ إبان ستينيات و سبعينيات القرن العشرين؛ فمن المعروف أن الدولة السوفييتية؛ قد تبنت منذ ظهورها مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها؛ باعتباره مبدأ أساسيا للتسوية السلمية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى؛ كما أنها كانت تعده أساس سيادتها بصدد القوميات؛ إذ لا يقوم موقفها في هذا المجال على الدفاع عن مبدأ القوميات؛ بصورة تقليدية؛ بل تعطي مبدأ تقرر المصير أساسا أكثر عمقا؛ حين تقرن مسألة القومية بمسألة التحرر من الاستعباد الامبريالي؛ لشعوب المستعمرات و البلاد التابعة .

و بما أن المغرب كان يمثل الخيار الليبرالي/الرأسمالي في المنطقة المغاربية؛ فإنه اعتبر من طرف الإيديولوجية الشيوعية؛ تابعا للامبريالية؛ و لذلك فما يصدق على (الامبريالية) ينطبق على المغرب كذلك . هكذا كانت الحقوق التاريخية و الجغرافية للمغرب مستهدفة بقوة من طرف تحالف اشتراكي عالمي؛ يمتد من أمريكا اللاتينية إلى شمال إفريقيا؛ و قد استغل هذا التحالف مبدأ تقرير المصير؛ لتصفية حساباته الإيديولوجية مع المغرب؛ و قد نجح حقا في قلب الحقائق؛ من خلال النجاح في تزوير مبادئ القانون الدولي؛ لتحويل المغرب من دولة مستعمرة (بفتح الميم) تطالب بتقرير مصيرها؛ إلى دولة مستعمرة (بكسر الميم) مطالبة من طرف (حركات التحرر) بتقرير مصير (الشعب الصحراوي) . لقد أدى المغرب ثمنا غاليا في معاناته مع الأطروحة الانفصالية في أقاليمه الصحراوية؛ و ذلك من منطلق مبدأ تقرير المصير دائما؛ فجبهة البوليساريو تتخذ هذا المبدأ كشعار لفصل امتداد ترابي مغربي خالص؛ بمعايير التاريخ و الجغرافيا و القانون الدولي؛ عن الوطن الأم. لكن هذا المبدأ يحضر-كما أسلفنا- من منطلقات قانونية خاطئة؛ تطالب بتطبيق الشرعية الدولية؛ لكنها تخرقها في نفس الآن .

و ذلك لأن مبدأ تقرير المصير ارتبط في القانون الدولي بحق الدول/الشعوب المستعمرة من طرف قوى أجنبية؛ في تقرير مصيرها؛ لكن الصحراويين ظلوا على امتداد التاريخ القديم منه و الحديث؛ مواطنين مغاربة كاملي المواطنة؛ لأن المغرب ليس دولة طارئة على التاريخ؛ بل يمتلك سيادة و مؤسسات لأكثر من إثني عشر قرنا؛ و طوال هذه القرون؛ لا يسجل التاريخ أن سكان الصحراء المغربية؛ شكلوا دولة مستقلة عن المغرب؛ كما لا يثبت التاريخ؛ أن الصحراويين شكلوا يوما شعبا خاصا منفصلا عن المغرب؛ و ذلك لأن المغرب دولة صحراوية في الأساس؛ أغلب الأنظمة السياسية التي حكمته ذات أصول صحراوية . إن البوليساريو تطالب بتطبيق مبدأ تقرير المصير؛ من منطلقات غير قانونية؛ لأن الصحراويين لم يمتلكوا عبر التاريخ دولة منفصلة عن المغرب؛ كما لم يشكلوا عبر التاريخ شعبا منفصلا عن الشعب المغربي؛ و على خلاف ذلك تماما فإن مبدأ تقرر المصير؛ ارتبط في القانون الدولي بالدول/ الشعوب المستعمرة؛ و القرارات الأمية تؤكد بالواضح و المباشر؛ أنها غير مسؤولة عن أي تأويل لقراراتها؛ للمس بسيادة الدول و سلامتها الإقليمية؛ و استقلالها السياسي :

لا يجوز بأي حال تفسير أي جزء من هذا الإعلان على أنه يسمح بأي نشاط يتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، بما في ذلك المساواة في السيادة بين الدول، وسلامتها الإقليمية، واستقلالها السياسي. (الإعلان ألأممي 135/47 المؤرخ في 18 دسمبر 1992) . إن جبهة البوليساريو تبني مطالبتها بتقرير مصير ما تسميه (الشعب الصحراوي) على أساس جغرافي؛ باعتبار أن سكاهن الصحراء المغاربة؛ يتميزون عن سكان الجبال و السهول المغاربة؛ في أشكال العيش و في اللهجة و في العادات و التقاليد... و من ثم فهم يشكلون مجموعة بشرية خاصة ضمن سكان المغرب؛ و هذا ما يؤهلهم –حسب البوليساريو- ليشكلوا شعبا خاصا !!!

لكن لنعتمد هذه المنطلقات الجغرافية؛ للتعامل مع باقي ساكنة المغرب؛ التي تتميز بالتنوع؛ فهل من هذا المنطلق الجغرافي؛ يمكن لسكان الجبال أن يشكلوا شعبا خاصا داخل المغرب؟ و مثلهم في ذلك؛ هل يمكن لسكان السهول أن يشكلوا شعبا متميزا ؟ إذن عن أي مغرب نتحدث إذا حذفنا هذه المكونات السكانية ؟! و جميع المؤرخين و الأنطروبولوجيين يقرون بان المغرب بلد التنوع السكاني؛ على امتداد أكثر من اثنتي عشر قرنا (تاريخ نشوء الدولة المغربية)؛ حيث تعايشت جميع الانتماءات الإثنية و اللغوية بسلام و أمن؛ في احترام تام لكل أشكال الاختلاف؛ و من دون أن يثار يوما سؤال الاختلاف من منطلقات انفصالية؛ و حتى في أحلك اللحظات التاريخية التي مر منها المغرب؛ إبان تقسيمه بين القوى الامبريالية .

هكذا يبدو أن مطالبة جبهة البوليساريو؛ بتقرير مصير السكان الصحراويين المغاربة؛ فيه الكثير من التجني على القانون الدولي؛ و لعل ما عاناه المغرب طوال هذه العقود داخل أروقة الأمم المتحدة؛ ليس له أي تفسير قانوني مقنع؛ ضمن القرارات الأممية المؤطرة لمبدأ تقرير المصير . نعم يمكن أن نقر بان القضية سياسية؛ ذات أبعاد استعمارية؛ نظرا للتاريخ الاستعماري للدولة الاسبانية في منطقة الصحراء؛ و كذلك ذات أبعاد إيديولوجية؛ نظرا للصراع الإيديولوجي الذي عرفته منطقة المغرب العربي؛ خلال مرحلة الحرب الباردة بين المغرب؛ الذي مثل الخيار الليبرالي/الرأسمالي في المنطقة؛ و بين ليبيا و الجزائر اللتان مثلتا الخيار الشيوعي/الاشتراكي .

و نظرا لهذا التداخل بين الأبعاد الاستعمارية و الإيديولوجية؛ فقد تم تحريف مبدأ تقرير المصير؛ لخدمة أجندة خارجية؛ إقليمية و دولية؛ و تم تقديم سكان مغاربة؛ كشعب يطالب بتقرير مصيره؛ في تحد سافر لروح القانون الدولي. إن ما يجب أن نعي به جميعا؛ هو أن جبهة البوليساريو في تزويرها للمبادئ الأساسية للقانون الدولي؛ لا تخدم أجندتها الخاصة؛ لأن قدراتها السياسية لا تمكنها من ذلك؛ و لكنها تخدم مصالح استعمارية و توسعية واضحة؛ إقليميا و دوليا؛ و هذه المصالح تنبني على أساس استغلال الشرعية الدولية؛ بدعم من قوى دولية فاعلة؛ و هذا أمر أصبح طبيعيا الآن؛ في ظل الاستراتيجيات النيوكولونيالية؛ الهادفة إلى تفكيك الدول خدمة لمصالحها.
ـــــــــــ
الهوامش:
1- يمكن الإشارة هنا إلى مخطط رالف بيترز و مخطط هنري كيسنجر ؛ و المخططان معا دعوة إلى إعادة صياغة خرائط المنطقة العربية .
2- أنظر: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية – اعتمد و عرض للتوقيع و التصديق و الانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200ألف (د-21) المؤرخ في 16 دسمبر 1966- تاريخ بدء النفاذ: 23 مارس 1976 وفقا لاحكام المادة 49 .
3- أنظر: الإعلان الأممي بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية و إثنية و إلى أقليات دينية و لغوية – اعتمد و نشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 135/47 المؤرخ في 18 دسمبر 1992 .
4- أنظر: صادق جلال العظم: ما هي العولمة ؟ ورقة بحث مقدمة للمنظمة العربية للثقافة و التربية و العلوم – تونس – 1996 .
5- نفس المرجع
6- حضر مصطلح العولمة باعتبارها (أمركة) عند المفكر محمد عابد الجابري؛ كما حضر بنفس المعنى عند المفكر الاقتصادي سمير أمين؛ كما حضر بنفس المعنى عند عدة مفكرين عبر العالم. و من هذا المنظور كانت العولمة تحضر دائما باعتبارها امتدادا للنظام العالمي الجديد؛ الذي يقوم على أساس التحكم الأمريكي في بوصلة العالم؛ خدمة للمصالح الأمريكية .
7- - Ralf Peters – Blood borders: how a better middle east would look – AFJ (Armed Forces Journal.
8- أنظر: ساسين عساف – الوحدة العربية في مواجهة المشروع الصهيوني – مجلة المستقبل العربي- فبراير/شباط 2010 – ع: 372
_________
بقلم: د. إدريس جندا ري *كاتب و باحث أكاديمي مغربي

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 6:42 م
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi