29‏/8‏/2012

مراحل تطور المجتمع الدولي


1- نشأة وتطور المجتمع الدولي

المجتمع الدولي في العصر القديم : يجمع أغلب المؤرخون على أن هذا العصر مصدر زمنيا حوالي سنة 3100 ق م إلى غاية سقوط روما عاصمة الإمبراطورية لرومانية سنة 476 م لقد شكل اكتشاف الزراعة غير هذه الفترة عامل أساسي الاستقرار الإنسان في حيز ومكان محدد لكونها تقتضي الإقامة الطويلة والمستمر للقيام بالزرع والرعي والجني مما أدى إلى بروز فكرة التملك الجماعي والفردي للأراضي الخصبة حول الأنهار والبحيرات ومن ثم أدت غزيرة التملك إلى فكرة وضع الحدود الملكية وبالتالي مع مرور السنين ساهم ذلك في ظهور جماعات إنسانية متميزة من حيث العقائد والتقاليد …. واستقرت كل منها في نطاق مساحة محدودة وخضعت السلطة عليا واحدة مثل هذه الجماعات تطورت معظمها لتشكل الدول والإمبراطوريات والحضارات التي عرفها العصر القديم لقد تميزت هذه المرحلة بنوعين من التنظيمات السياسية من جهة الإمبراطوريات التي أسستها القوى العظمى آنذاك واتسعت رقعتها إلى أرجاء واسعة مترامية الأطراف ومن جهة أخرى وجود الدول ( المدن كما كان الحال في اليونان قديما التي تأسست على مساحات محدودة وامتازت بالانسجام في تعاملها والتنظيم في علاقاتها أي العلاقات بين مختلف الديانات السالفة الذكر والحضارات امتازت بطابع الانعزالية والاكتفاء الذاتي وهما الأمر أثار الخلاف بين الفقه حول مدى وجود مصادر أولية للتنظيم الدولي خلال هذه الحقبة التاريخية فهناك اتجاه أول يرى أنه بالرغم من الحضارات القديمة عرفت أو طبقت بعض قواعد القانون الدولي مثل إيفاء بعثات رسمية إلا عن الحرب قبل بدئها أو عقد .
أولا : الشرق القديم : ونقصد به الحضارات التي نشأت حول واد الرافدين ونهر النيل .

حضارة بلاد الرافدين : تذكر الأبحاث التاريخية أن حضارة واد الرافدين امتازت بوجود معاهدة عام 3100 ق م بين زعيمي قبيلتين من منطقة ما بين النهرين نصت على وضع حد للنزاع القائم بينهما حول الحدود كما نصت على اللجوء للتحكيم في حالة النزاع فيما بينها .

الحضارة الفينيقية : دولة دستورية حكمها جمهوري لها مجلس منتخب فيه 28 عضو . لقد ملك الفينيقيون قوة تجارية كبرى وامتد نفوذهم الاقتصادي من بلاد الشام شرقا حتى بلاد الأسبان غربا وقويت شوكتهم خاصة بعدما قامت دولتهم في تونس وبناء مدينة قرطاجة سنة 825 والدولة القرطاجية دستورية ونظام حكمها جمهوري ولها مجالس متخصصة مثل مجلس الشيوخ مجلس التجار ومجلس القضاء الذي يحتوي على 104قاض . وفي الجزائر قامت إمارات ودويلات أشهرها اٌلإمارة النميدية التي حكمها يوغرطة سنة 118 ق م .

الحضارة الفرعونية : كتبت معاهدة سنة 1292 ق م كشفت عنها الأبحاث التاريخية ببابل بين رمسيس ملك مصر وحاتوبيل ملك الحبشيين حيث تعهد الطرفان من خلالها . بتبادل المساعدة ضد الأعداء الداخليين والقيام بتسليم هؤلاء إلى بلد الطرف الآخر على شرط عدم توقيع عقاب عليهم قبل ذلك ، وتعتبر هذه المعاهدة أقدم شكل معروف لتسليم المجرمين السياسيين وكان احترام وتقنين هذه المعاهدات يتم بضمان الآلهة فقد جرت العادة أن يقسم كل طرف من أطراف المعاهدة بعدد من الآلهة بعدم الخروج عنها .

الديانة اليهودية : اتصفوا بالانعزالية والتعالي على الشعوب الأخرى وتمجيد العنف وأسلوب الحرب لدرجة أنهم أطلقوا على إلههم "رب الانتقام " ففي العهد القديم تضمن الإصحاح الخامس عشر من سفر سموائيل أمرا صريحا من رب اليهود مفاده "...ولا تعفوا عنهم رجلا طفلا ورضيعا جملا وحمارا ..."

الغرب القديم : الحضارة الإغريقية:

كانت اليونان مقسم لعدد من الوحدات السياسية المستقلة يبلغ عددها 12مدينة خلال القرن الخامس ميلادي وكان يطلق على كل منها مصطلح مدينة ما يقابله حاليا دولة . وتميزت العلاقة بين المدن اليونانية بأنها كانت وثيقة تتميز بالاستقرار والتفاهم نظرا لانتمائها لحضارة واحدة تستند لعدة اعتبارات عقدية وعرقية ولغوية ودينية مشتركة وقد علاف الإغريق وسيلتين أساسيتين للعلاقات القانونية فاستعملوا :

المعاهدة : كوسيلة قانونية لتنظيم العلاقات فيما بينهم في كثير المجالات ومن تلك المعاهدات معاهدة تعزيز السلم سنة 446 ق م بين أثينا وإسبرطة ومعاهدة تحالف عسكري سنة 418 ق م بين إسبرطة وآغورس .كما استعمل الإغريق وسيلة الدبلوماسية لفك النزاع بينهم .

الحضارة الرومانية : تأثر الرومان بالتنظيمات التي سادت المدن اليونانية حيث قامت خلال القرن الخامس قبل الميلاد رابطة تجمع بين رومان بعض المدن اللاتينية على أساس المساواة بين الأعضاء كما أبرمت روما في حدود سنة 306 ق م معاهدة مع قرطاجة وتتضمن النص على إقامة السلم والتنازل المتبادل في مناطق نفوذها وحماية مواطنيهم إن لجأو إلى بلد الطرف الآخر.

غير أن موقف روما في علاقاتها تعتبر عندما أحست بتفوقها العسكري خاصة بعد القضاء على قرطاجة واتبع الرومان في علاقاتهم نوعين من القانون :

1- قانون الشعوب :وهو قانون بديل للقانون المدني كان ثمرة اجتهاد القانون الروماني أنشأته روما عام 242ق م هو قانون للفصل في المنازعات بين الرومان والرعايا الأجانب ويسمى أيضا بقانون الغرباء.
2- قانون الفيتال : حرصت روما أن تطبع علاقاتها مع غيرها بطابع ديني لتجلب بركة الآلهة فأنشأت هذا القانون يشرف على تطبيقه مجموعة من رجال الدين عرفوا باسم الإخوة فيتال وكانوا يعتبرون بمثابة سفراء يتمتعون بالحصانة وعددهم 20 وجوهر هذا القانون أن هؤلاء الذين يقررون إن كان هناك سبب عادل لإعلان الحرب ضد بلد آخر كما يمارس السلطة الدينية عند إعلان الحرب أو عند عقد السلم ومن أشهر الذين عالجوا موضوع الحرب في ذلك الوقت القديس أوقستين الذي ميز بين الحرب العادلة والحرب غير العادلة في كتابه مدينة الله.

2 المجتمع الدولي في العصر الوسيط :

لقد استمرت الصراعات القائمة بين إمبراطوريات الشرق والغرب في هذه المرحلة لأكثر وذلك أن ظهور الديانة المسيحية ساعدت على اشتداد هذه الصراعات لأن من آثار انتشار تعاليم المسيحية قيام الرابطة الدينية بين الدول الأوربية في شكل عصبة دينية مما أدى لنشوء ما يسمى بالأسرة الدينية بالمسيحية التي يساوي كل أعضائها في الحقوق والواجبات . ويتفق أغلب المؤرخين على أن عصر الوسيط يبدأ بسقوط روما سنة 476ق م لينتهي بسقوط القسطنطينية سنة 1453 على يد محمد الفاتح .

1- العالم المسيحي : يمكن القول أن هذا العصر شهد عدة عوامل حالت دون قيام تنظيمات دولية حقيقية لأوربا بالإضافة لسيطرة الكنيسة وتسلطها وجمعها بين السلطتين الدينية والدنيوية والحد من استقلالية الدول وكذلك إخراج كل الدول غير المسيحية من المجتمع الدولي بالإضافة لكل هذا هناك عوامل أخرى تمثلت في الفرص السياسية .
ونظام الإقطاع والصراع القائم بين نظام الإقطاع الصراع بين البابا والإمبراطور أيضا الديانة المسيحية والحروب الصليبية .

1-الفوضى السياسية : في عهد الإمبراطور تيودوس جرى تقسيم الإمبراطورية سنة 395 م بين ولديه إمبراطورية غربية عاصمته روما ، وإمبراطورية شرقية عاصمتها القسطنطينية ، وكان هذا التقسيم سببا في انهيارها على يد القبائل الجرمانية سنة 700م وعلى أنقاضها قامت مجموعة من المماليك والإمارات المتصارعة يحكمها العداء والحرب وبقي الأمر على حاله من سنة 800م حيث تمكن الإمبراطور شارلمان من توحيد هذه الوحدات السياسية في إطار ما يسمى بالإمبراطورية الرومانية المقدسة ولكن بمجرد وفاته عام 843 حتى عادت الفوضى والفساد من جديد .
ب نظام الإقطاع : انتشر هذا النظام في أوربا ابتداء من القرن التاسع ميلادي ليستمر لنهاية العصر الوسيط تقريبا هذا النظام يتمثل من الناحية السياسية في استئثار الأمير بجميع مظاهر السلطة داخل إقليم معين على أساس أنه يعتبر بمثابة ملك شخصي له التصرف فيه كما يشاء وهو ما يعرف قانونا بمبدأ الدولة الموروثة وهذا الوضع لم يساعد على نشوء تنظيم دولي لأن كل مملكة أصبحت مقدمة بين عدد كبير من الإمارات الإقطاعية وبالتالي فالعلاقات بين تلك الممالك مجرد علاقات داخلية تخضع لسلطة عليا هي البابا والإمبراطور .

حدوث الصراع بين البابا والإمبراطور : اتسم العصر الوسيط بالصراع الحاد بين البابا والإمبراطور حول من يستأثر بالسلطة الزمنية وحاول كل طرف تأكيد أحقيته بذلك فالبابا استند إلى نظرية السيفين ومفادها أن الله خلق سيفين سيف يمثل الروح والآخر يمثل الجسد تمنح سيف الروح للبابا وسيف الجسد للإمبراطور ومادامت الروح تسمو على الجسد ، فالبابا يسموا على الإمبراطور أما الإمبراطور فاستند إلى نظرية الحق الإلهي ومفادها أن الله فوض حكم الناس وأعطاه للسلطة العامة . وبلغ الصراع لحد إقدام الإمبراطور هنري الرابع على خلع البابا جري وجوري السابع في حدود منتصف القرن 11 وهذا الصراع أدى إلى تفاقم الفوضى السياسية .

الديانة المسيحية والحروب الصليبية : لقد استمرت الحروب الصليبية على طوال قرنين من الزمان من 1098 إلى غاية 1221 م .وبإقرار الإمبراطور تيودورس كديانة رسمية لروما سنة 380 م فقد كان لهذه الوحدة الدينية المسيحية آثار سلبية في مجال علاقاتها مع البلاد غير المسيحية حيث رفضت الممالك الأوربية الاعتراف بالبلاد الإسلامية والدخول معها في علاقات على أساس المساواة للإشارة فإن هذه الممالك عرفت بعض القواعد المتعلقة بحالة الحرب منها :

o سلم الرب :1095يتعلق الأمر بحياد المنشآت الدينية وحماية الربان والشيوخ والنساء و الأطفال عند الحرب.
o هدنة الرب 1096 ويتعلق الأمر بتحديد الحرب في بعض أيام الأسبوع خاصة تلك المصادفة للأعياد الدينية .

العالم الإسلامي : جاء الإسلام مؤكدا دعوات الرسل والنبيين للإيمان برب العالمين ومن ثم مقررا وحدة مصدر هذه الدعوات وهو الله الواحد الأحد وجوهر هذه الدعوات هو الإيمان به دون شريك وبالتالي فإن دعوة الإسلام لوحدة الأديان في مصدرها وفي جوهرها ومن ثم الإيمان بجميع الرسل وهو تأكيد لوحدة الإنسانية كلها في أصلها وفي اعتقادها لأن دعوة الإسلام لوحدة العالم قائمة على الأخوة لا يستبعد فيها الفرد لصالح الجماعة فهي وحدة قائمة على الحرية والعدالة وقد ساهم الفكر الإسلامي كثيرا في تخليق جملة من مبادئ القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان ولا زال اليوم قادرا على التأثير في تطوير وإثراء مبادئ القانون الدولي أو يبرز كل ذلك من خلال المبادئ المتمثلة في :

o عالمية الشريعة الإسلامية : لقد اهتم الإسلام بمختلف جوانب الحياة وجاء بمبادئ إنسانية سامية تصلح لأن تكون أساسا متينا أو دائما لتنظيم حياة الجماعة الدولية من خلال المبادئ الإنسانية العالمية وتمتاز بأنها ليست ذات صبغة إقليمية ، أي أنها ذات صبغة عامة لجميع البشر دون تمييز أو تفضيل لبعضهم البعض
o أنها رسالة سلام : فالسلام هو أصل علاقة المسلم مع غيره من أجل توثيق أواسر المحبة والرحمة والأخوة بين كافة الناس ، حيث حرم القتال بين الناس إلا دفاعا عن النفس .
o الوفاء بالعهد : إن تثبيت السلم يتوقف على مدى احترام العقود والعهود والالتزام بها . كما قدم العهد على نصرة المستضعفين وهي لقداسة العهود في الإسلام .
o الكرامة الإنسانية : تكريم الإنسان دون تخصيص جنس على آخر ولا لون على حساب لون آخر .
o المساواة بين البشر : يؤكد الإسلام أن الإنسانية ذات أصل واحد ويؤكد الله أن اختلاف اللغات والألوان لا يمنع من وحدة الإنسانية بل الأصل هو التقوى التي محلها القلب وتجسدها الأعمال .
o حقوق الإنسان وحرياته : احترام حرية العقيدة احتراما كاملا فمنع إكراه الناس وإجبارهم على الدين

نظرة الفقه الإسلامي للعلاقات الدولية : للإسلام نظرة متميزة للعلاقات الدولية لأنه لا يعترف بانقسام العالم لدول ذات سيادة إنما يهدف إلى توحيد المسلمين كافة تحكمهم أحكام الشريعة الإسلامية . وينقسم هذا النظام إلى ثلاث أقسام دار الإسلام : هي الأراضي التي تكون فيها الكلمة العليا للمسلمين وتطبق فيها الشريعة الإسلامية دون منازع في جميع القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية .

1- دار العهد : وهي تشمل البلدان التي لا تخضع لحكم المسلمين غير أنها تقيم عهدا مع المسلمين ويدخل في هذه الدار الذميين والمستأمنين .
2- دار الحرب : وهي تلك البلاد التي ليست للمسلمين عليها ولاية ولا سلطان وليس بينها وبين المسلمين أي عهد .

المجتمع الدولي في العصر الحديث :

يبدأ العصر الحديث حسب المؤرخين من سقوط القسطنطينية على يدج محمد الفاتح 1453 إلى وقتنا الحالي :

المرحلة الأولى : من 1453إلى غاية 1815 تميزت هذه المرحلة بظهور مفهوم الدولة الحديثة وسيادة التوازن الدولي .
المرحلة الثانية : من 1815إلى 1914 الح الع 1 تميزت هذه المرحلة بعقد المؤتمرات الدولية بصورة بارزة.
المرحلة الثالثة : من الح الع 1 إلى يومنا هذا أو منا يسمى بمرحلة المنظمات الدولية .

أولا : يمكن القول أن هذه المرحلة عرفت ميلاد تنظيم دولي حقيقي بقارة أوربا ولهذا يطلق عادة على القانون الدولي التقليدي تسمية القانون العام الأوربي لأنه نشأ في أحضان الدول الأوربية الكبرى والتي كانت تنظر إليه بنوع من الأنانية المفرطة لتحضر تطبيقه على علاقاتها المتبادلة أي في إطار ما يسمى بالنادي الأوربي وشهدت هذه المرحلة عدة عوامل أثرت بطريقة أو بأخرى على نمو التنظيم الدولي الحديث وهي :

1- ظهور الدولة الحديثة المستقلة : تعتبر المرحلة الأولى والثانية هي المرحلة التي شهدت نشوء القانون الدولي في أوربا ولذلك يوصف القانون الدولي التقليدي بالأوربية . وقد نشأ هذا القانون ليحكم العلاقات الأوربية المسيحية بما فيها الذهب الكاثوليكي والبروتستانتي وبات القانون الدولي قانون تلك الدول دون سواها وأطلق عليها قانون الوصف العام الأوربي وظلت هذه الدول تنظر لقواعد ذلك القانون بوصفها نوعا من الامتياز القاصر عليها ، وتتم صياغة هذه القوانين داخل نادي أمم أوربا الغربية وفي نظر هؤلاء لا معنى لوجود باقي العالم إلا كوسيلة للحفاظ أو لتعزيز محتمل لنوعية حياة الطبقات ثم اتسع نطاق الأسرة الدولية ليشمل دول مسيحية غير أوربية وهي الدول الأمريكية التي حصلت على استقلالها ، ولم يتحرر القانون الدولي العام من الطابع المسيحي إلا سنة 1856 حين سمح لتركيا أن تنظم المجتمع الدولي ، وقد تم هذا الدخول تطبيقا للمعاهدة السلام المادة السابعة سنة 1856 .

العوامل المساعدة على نشوء جماعة دولية : لقد كان للنهضة الفكرية والعلمية دور في إبراز وإثراء الكثير من مبادئ وأحكام القانون الدولي من خلال كتابات ومؤلفات المختصين من خلال مدرستين أساسيتين هما : مدرسة القانون الطبيعي والتي من أبرز روادها الفقيه فيكتوريا 1480-1546 والفقيه جورسيوس ، أما المدرسة الوضعية الإرادية فمن أبرز مفكريها السويسري ثارتل هؤلاء المفكرين ساهموا إلى جانب الجامعات التي أنشأت في أوربا في القرنين 13-14 على تطوير جميع فروع العلوم والمعارف ومنها العلوم القانونية وزادت هذه الحركة العلمية بعد سقوط القسطنطينية ثم الأندلس وهجرة علمائها إلى أوربا وظهرت في هذه الفترة أهم قواعد القانون الدولي .

بعض آراء المفكرين :

فيكتوريا من أهم أفكاره الاعتراف بسيادة الدول وحرياتها وخضوعها للقانون الطبيعي ، ويعتبر فيكتوريا وهو راهب إسباني أستاذ القانون بجامعة تستمتكا أول من اعترف بسيادة الدول وحرياتهم وذهب إلى القول بأن الدول شأنها في ذلك شأن الأفراد في حاجة للانخراط في المجتمع ولا يتأتى ذلك إلا بقواعد القانون الدولي .

جورسيوس 1583-1645 وهو فقيه هولندي ويعتبر المؤسس الأول للقانون الدولي الحديث ومن أفكاره التمييز بين القانون الطبيعي والإرادي معتبرا الأول بوصفه تعبير عن العقل أو المنطق أو قانون الطبيعة ، أما القانون الإرادي فهو الذي يستمد قوته الإلزامية من إرادة جميع الأمم والشعوب ويمكن القول أن كتابات الفقهاء الوضعيين تكشف لنا عدد من المبادئ .

- أن الدول ذات سيادة وأنها مستقلة وأنها متساوية فيما بينها .
- المجتمع الدولي عبارة عن مجتمع مكون من مجموعة من الدول متساوية فيما بينها .
- القانون الدولي هو قانون الدول ولا مجال لتطبيقه على الأفراد .
- مصادره مستمدة من إرادة الدول ورضاها وتتمثل في المعاهدات الدولية .
- أن الدول هي الوحيد التي يمكنها أن تقرر ما يجب فعله أو تمتنع عن فعله.

أما بالنسبة للمدرسة الإرادية فيرى الفقيه قارتل 1714-1768 يرى أن القانون الإرادي يفسر ويترجم القانون الطبيعي ولا يخضع له ويتوقف تطبيق مبادئه على إرادة الدول فحسب .

2-الاكتشافات الجغرافية الكبرى : لقد اكتشاف أمريكا سنة 1492 إلى فتح مجال جديد للقانون التقليدي وهو التسابق بين الدول الأوروبية للحصول على المستعمرات والتي كانت تهيمن لنشأة النظام الاستعماري ومن أنظمة القانون التقليدي ،كما أدت الاكتشافات إلى توسيع العلاقات الدولية السياسية والتجارية ونظم عن ذلك تطور في عدد مجالات القانون الدولي كنظام الملاحة وتطور قانون البحار وكذلك قواعد اكتساب السيادة الإقليمية حيث أصبح الأمر مطروحا بشكل " من له الحق في الاستيلاء على الإقليم يكون بناء على الاكتشاف أم إقرار باطل ؟.

3- حركة الإصلاح الديني ومعاهدة واست فانيا : لقد كانت حركة الإصلاح الديني نتيجة حتمية لتعسف الكنيسة خاصة الكاثوليكية ومن رواد هذه الحركة هارتن لوثر في ألمانيا ، وكلقن في سويسرا وعلى إثر هذه الحركة انقسمت المجموعة الأوربية إلى مجموعتين :

1- مساندة للكنيسة مصرة على بقاء وحدة الكنيسة.
2- مجموعة تطالب بالحرية الدينية أو الاستقلال عن الكنيسة .

مما أدى لحروب دينية متواصلة بين الدول الكاثوليكية والبروتستانتية دامت 30 سنة من 1618إلى 1648 وانتهت هذه الحرب بإبرام معاهدة واست فانيا الأولى 14-10-1648 والثانية في 24-10-1648 واعتبرت هاتان المعاهدتان بمثابة ميلاد القانون الدولي المعاصر من خلال المبادئ التي أقرتها وهي :

- الاعتراف بانحلال الإمبراطورية الرومانية المقدسة وتقسيمها لدويلات قومية .
- إنهاء سيطرة الكنيسة وزوال السلطة البابوية من الناحية الزمنية وبقاؤها في النطاق الديني
- إقرار مبدأ سيادة الدولة والاعتراف بتساوي الدول في السيادة بغض النظر عن معتقدها ونظام حكمها.
- من الفكرة السابقة زالت الفكرة العادلة وغير العادلة وأصبحت الحرب حق من حقوق السيادة تمارسه الدولة متى شاءت .
- نشوء قانون التمثيل الدبلوماسي بواسطة سفارات دائمة وبعثات مؤقتة .
- أصبحت المعاهدات الدولية تقوم على أساس تراضي الدول الأطراف الوسيلة الفنية للمحافظة على النظام الأوربي الجديد .

3- الثورة الأمريكية : تظهر أهمية الثورة الأمريكية بصفة خاصة في أنها أسفر عن ميلاد دولة مسيحية مستقلة غير أوربية انضمت لميدان العلاقات الدولية وكان لها دور في تثبيت أكبر قواعد القانون الدولي .

5- الثورة الفرنسية : قامت في 1789 وقد سعت إلى إقرار عدد من المبادئ أبرزها :
الاعتراف بالحريات الأساسية والحقوق العامة التي يتمتع بها الإنسان كفرد من أفراد المجتمع .
التأكيد على أن السيادة هي ملك للشعب والأمة يمارسها عن طريق النواب .
الإقرار بمبدأ حق تقرير المصير حتى تتمكن الشعوب من تكوين دولة على هذا الأساس .

وكان من نتيجة ذلك أن ارتبط مبدأ تقرير المصير بمبدأ القوميات والذي أصبح يسمى مبدأ تحرير المصير القومي وقد نجح هذا المبدأ في كثير من الحالات وانفصال اليونان عن الدولة العثمانية وانفصال بلجيكا وهولندا .

المرحلة الثانية : تميزت هذه المرحلة بعقد المؤتمرات واللجوء لاستعمال المعاهدات لقد تحرر القانون الدولي في مطلع القرن 19 م من الطابع الأوربي عندما شمل المجتمع الدولي دولا غير أوربية كالدول التي نالت استقلالها وعلى رأسها الو م أ وفي منتصف القرن التاسع عشر تحرر من صفة المسيحية عندما دخلت لميدان العلاقات الدولية لأول مرة الدولة العثمانية والصين واليابان .

1-مؤتمر فينا : انعقد هذا المؤتمر في جوان 1814 واستمر إلى غاية 1815 وكان يهدف لإعادة النظر في التوازن الدولي لقارة أوربا التي انهارت بسبب حروب نابليون وأهم قرارات المؤتمر مايلي :

تنظيم التوازن الأوربي وقد اختلفت وجهات النظر حول كيفية إعادة التوازن حيث أكدت الوجهة الفرنسية الأخذ بمبدالمشروعية والذي يعني احترام الحق الشرعي للملك في السيادة على إقليمية ورعاياه . وجهة نظر بروسيا وقد كانت معارضة لوجهة النظر الفرنسية مبينة أن المؤتمر هو ذو طابع سياسي لذى يجب أنة ينصب عمله على معالجة مبدأ التوازن السياسي ورغبات الدول المشاركة .وقد تبنى المؤتمر في الأخير الوجهة الفرنسية .

2- الحلف المقدس : وضع الاتفاق السابق موضع التطبيق في 26-9-1815 وأنشأت كل من روسيا النمسا وبروسيا ثم بريطانيا وفرنسا ما يسمى بالحلف المقدس وكان يهدف هذا الحلف أيضا بالتصدي إلى مبدأ تقرير المصير الذي جاءت به الثورة الفرنسية وقد اتخذت عدة مؤتمرات للقضاء على حركات التحرر كما حصل في إسبانيا 1820 وإيطاليا 1821 ولما أرادت التدخل في بعض المستعمرات البرتقالية والإسبانية في قارة أمريكا وتصدت الولايات المتحدة مكن خلال تصريح في شكل رسالة من الرئيس الأمريكي جيمس هنرو بتاريخ 02-12-1883 موجه للكونغرس الأمريكي أن التدخل من الحلف المقدس في شؤون الدول الأمريكية الجنوبية الحديثة الاستقلال يعتبر بمثابة خطر يهدد سلامة أمريكا وهكذا انهار الحلف المقدس في أقل من خمس سنوات لتنتشر بعد ذلك الأفكار التحررية ومبدأ القوميات ويظهر مبدأ جديد في تحديد العلاقات الدولية.

إقرار بعض التنظيمات الدولية : وحاولت تحديد وضعية خاصة بالمبعوثين الدبلوماسيين وتنظيم الملاحة والأنهار الدولية الراين الألب والدانوب ، وضع سويسرا في الحياد الدائم وحضر تجارة الرق .

مبدأ القوميات : يرتبط الحديث عن القوميات بمعيار القومية أو الأمة وقد ثار خلاف بخصوص المقوم الأساسي لتشكيل الأمة وبسبب النزاع بين فرنسا وألمانيا على مقاطعتي الألزاس واللورين ظهرت في الفقه الغربي نظريتان حول هذا الموضوع :

1- النظرية الموضوعية : وتمثلها المدرسة الألمانية وتستند لاعتبارات موضوعية في تحديد مفهوم الأمة فهناك جانب يعتبر أن اللغة هي المقوم ويرى هتلر أن العرق هو الأساس وأن اللغة تابعة له ويقول الفقيه مومس " إن كان الألزاسيون قد فقدوا وعيهم القومي بسبب الاحتلال الفرنسي فإنهم لا يزالون ألمانا باللغة ".

2- النظرية الإرادية الشخصية : وهي المدرسة الفرنسية الإيطالية وهي تعرف الأمة استنادا لاعتبارات نفسية فالعنصر الأساسي عندهم في بناء القومية وتكوين الأمة هو الإرادة وقد دافع عن هذه النظرية الفقيه الإيطالي مانتشيني والفرنسي إيرنيست رينان وأكدا أن الإرادة وحدها لا تكفي بل لا د من توافر معطيات وهكذا انتشر خلال القرن 19 مبدأ القوميات وبذلك انفصلت اليونان عن الدولة العثمانية ثم بلجيكا عن هولندا واستقلت رومانيا وبلغاريا في 1878 وألبانيا في 1912 وهذا المبدأ لعب دورا كبير في القضاء على الحلف المقدس .

اتساع استعمال المعاهدات الدولية : حيث أصبحت المعاهدة أسلوبا قانونيا تتجه مختلف الدول في معاملاتها فساعد هذا على التنظيم الدولي ونذكر على سبيل المثال معاهدة باريس سنة 1856 بشأن قانون البحار واتفاقية جنيف بشأن وضع أسرى وجرحى الحرب سنة 1864 واتفاقية بروكسل المتعلقة بحضر تجارة الرقيق 1890 ومعاهدة لاهاي في 1899 و 1907 المتعلقين بمسألة معالجة مسألة السلم في العالم وإنشاء محكمة عدل دولية .

ملاحظة : سياسة الوفاق الأوربي التي انتهجتها الدول الأوربية هيأت فكرة المساواة القانونية بين الدول وذلك من خلال سياسة الباب المفتوح في ميدان العلاقات الدولية مما سمح لدخول دول غير مسيحية وغير أوربية إلى المجموعة الدولية .

المرحلة الثالثة : 1914 إلى العصر الحالي :

تميزت بظهور منظمات دولية كأشخاص جديدة في المجتمع الدولي . حدوث تغيرات هامة على الساحة الدولية أثرت في تطور المجتمع الدولي ومنه في قواعد القانون الدولي ويمكن إجمالها في :

• تبلور ظاهرة التنظيم الدولي من خلال تسجيل عدة معاهدات واتفاقات هدفها هو إرساء وتطوير التعاون الدولي ، ظهور الشركات المتعددة الجنسيات ، تجسيد فكرة التنظيم الدولي بعد الح الع 1 وظهور عصبة الأمم بمقتضى معاهدة فرساي سنة 1919 لحفظ السلم وتنظيم العلاقات المختلفة وتأسيس هيأة الأمم المتحدة 1945 .

• عالمية المجتمع الدولي وساعد على ظهور الطابع المسيحي المسيطر وأدى إلى بروز دول جديدة على الساحة الدولية وانهيار النظام الاستعماري بفعل الحركات التحررية ، وظهور الكثير من الدول الحديثة الاستقلال وتكتل الدول الحديثة للدفاع عن مصالحها ، بروز ظاهرة الوعي القومي في أوربا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، اتحاد بعض الدول كالألمانيتين واليمنين وارتفاع عدد أعضاء المجتمع الدولي .

تقسيم العالم : تقسم العالم لتكتلات سياسية واقتصادية نتيجة ظهور المصالح الخاصة واشتداد التنافس والحرب الباردة وظهور دول عدم الانحياز .

الكتلة الغربية : بقيادة الو م أ التي شملت حماية أوربا الغربية وأسست الحلف الأطلسي .

الكتلة الشرقية : بقيادة الاتحاد س الذي ضم أوربا الشرقية معتمدا على حلف وارسو ومنظمة الكوميكون .

مجموعة دول عدم الانحياز : التي قامت لعدة أسباب منها انتشار الحركات التحررية والرغبة في التنمية والحرب الباردة .

التقدم العلمي والتكنولوجي : لعب دورا كبير في نمو وتطور العلاقات والقانون الدولي وتنظيم هذه العلاقات وتجلى ذلك من خلال الاختراعات والاكتشافات العلمية التي استعملت في ميدان التسلح وما يشكله من خطر وسعت عدة دول لوضع الترتيبات اللازمة حيث أقيمت عدة معاهدات أهمها معاهدة موسكو 1963 لحضر التجارب النووية في الجو وتحت الماء ، ومعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية التي أقرتها الأمم المتحدة وقد وقعتها أكثر من 160 دولة منها الجزائر سنة 1994 إضافة للاتفاقات الثنائية للحد من الأسلحة النووية الإستراتيجية .

الاتساع الموضوعي للعلاقات الدولية : أما هذه التطورات الجديدة المتلاحقة لم يجد التنظيم الدولي منصبا على المجالات السياسية بل ليشمل مجالات أخرى منها :

المجال الاجتماعي والإنساني :والدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الأجانب ومن إبادة الجنس البشري وحماية الأقليات ومنع التفرقة العنصرية وتنظيم شؤون العمل .

المجال الاقتصادي : من خلال تنظيم الاستثمارات الأجنبية وتنظيم نشاطات الشركات المتعددة الجنسيات وميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية وحق الشعوب في التصرف في مواردها .
ـــــــــــــــــ
شنكاو هشام - باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 6:39 م
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi