4‏/8‏/2012

قـرار الإحـالة ج02


المبحث الأول

الأحكام العامة المتعلقة بقرار الإحالة


 إذا تبين من مجمل إجراءات التحقيق أن الجريمة قد وقعت فعلاً ، وأنها قائمة قانوناً ، وأن الأدلة على ارتكاب المتهم لها أو الظن بارتكابها بأدلة وإن كانت ضعيفة لكنها متوفرة وكافية للإحالة ، فيجب على قاضي التحقيق أن يتخذ قرار بإحالة المتهم  على المحكمة الجزائية المختصة والقرار بالإحالة يخضع لقواعد قانونية محددة، كما أن نموذج قرار الإحالة  يتضمن بيانات محددة، وللإحاطة بتلك القواعد والبيانات أرتأينا دراستها في مطلبين على التوالي:

المطلب الأول
قواعــد الإحــالة
 القرار بإحالة المتهم يختلف باختلاف طبيعة الجريمة كونها مخالفة أو جنحة أو جناية، كما يختلف باختلاف نوع الجريمة حيثُ خص المشرع بعض المحاكم للنظر في جرائم محددة .يضاف إلى ما تقدم  فإن لقرار الإحالة في حالة تعدد الجرائم قواعده الخاصة.وكذلك يختلف بحسب عمر المتهم وما إذا كان بالغاً سن الرشد أم حدث.وسنتولى دراسة قواعد الإحالة بحسب طبيعة الجريمة ونوعها وعمر المتهم وتعدد الجرائم في فقرات أربع على التوالي.
أولاً ـ قواعد الإحالة بحسب طبيعة الجريمة     
1 ـ الإحالة في جرائم المخالفات .
    الجرائم بحسب طبيعتها تتدرج في الجسامة وهي المخالفات والجنح والجنايات . فإذا تبين أن الجريمة مخالفة فيجب التفريق بين حالتين :
الحالة الأولى ـ  إذا كانت المخالفة لم يقع فيها طلباً بالتعويض أو بطلب رد المال ، وفي هذهِ الحالة يجب على قاضي التحقيق أن يفصل فوراً فيها ، فلا داعي إذاً لصدور قرار بالإحالة،ولهذا النظام مزاياه فبموجبه نتفادى البطء في الإجراءات وبلا مسوغ ،([1]) غير أنه لا يجوز له أن يأمر بتنفيذ الحكم الصادر بالحبس إلا بعد اكتسابه درجة البتات وذلك استناداً لنص الفقرة (د) من المادة (134) من الأصول الجزائية . وبتقديرنا فأن لهذا الاتجاه ما يسوغه قانوناً فضئآلة خطورة الجريمة لا تستدعي أبداً الإسراع في تنفيذ حكم بسيط بالحبس ما لم يكتسب القرار الصادر به الدرجة القطعية .
الحالة الثانية ـ  إذا كانت المخالفة قد وقع بشأنها طلباً بالتعويض أو برد المـال ،
         وعلى هذهِ الحالة تنص المادة (134) بفقرتيها (ب) و (ج) من الأصول الجزائية على ما يأتي : (( ب ـ يُحال المتهم في مخالفة على محكمة الجنح بقرار من القاضي أو أمر من المحقق  بدعوى موجزة . ج ـ يجب تدوين إفادة المتهم قبل صدور القرار بالإحالة بمقتضى الفقرة (ب) ، كما يجب إجراء التحقيق في المخالفة إذا قرر القاضي ذلك )) . ويعني هذا النص أن التحقيق في المخالفات من الممكن أن يقتصر على تدوين إفادة المتهم ، لكن وبقرار من قاضي التحقيق من الممكن اتخاذ الإجراءات التحقيقية كافة ، والذي عليه العمل في الغالب هو أن قاضي التحقيق لا يكتفي بإحالة المتهم على المحكمة المختصة بعد تدوين إفادة المتهم فقط ، إنما يطلب من المحقق إجراء التحقيق معه قبل الإحالة ، وسبب ذلك أن الأدلة قد لا تكون واضحة ، وأن ظروف المخالفة قد تكون غامضة ، لذلك فالقاعدة أن الإحالة في جرائم المخالفات تتم بدون تحقيق كامل إذ قد يكتفى بتدويين أقوال المتهم ، إلا أنه يجوز إجراء التحقيق فيها استثناء .([2])
غير أن ما نأخذه على نص الفقرة (ب) من المادة (134) آنفة الذكر هو إعطاء صلاحية إحالة المخالفة للمحقق بأمرٍ منه . فبعد أن ازدادت محاكم التحقيق وتوزعت في المناطق كافة ، في الوقت الذي ازداد فيه من يمارس عمل المحقق رغم عدم توافر المؤهلات المطلوبة للتحقيق فيهم ـ وبخاصة من ضباط الشرطة ممن هم من غير خريجي كلية الشرطة ـ لهذه الأسباب نرى ضرورة تعديل النص،بحذف عبارة ( أو أمر من المحقق ) من الفقرة المذكورة،وبهذا التعديل نضمن عدم صدور أمر بالإحالة من المحقق والاقتصار باتخاذه على قضاة التحقيق .
2 ـ الإحالة في جرائم الجنح
     إذا تبيَّنَ لقاضي التحقيق أن الفعل المرتكب يُكَيَّف على أنه جنحة ، فيصدر قراره بإحالة المتهم على محكمة الجنح طبقاً لنص المادة (134/أ) من الأصول الجزائية ونصها : (( . . . ويُحال المتهم في جُنحة على محكمة الجنح ، بدعوى غير موجزة إن كان مُعاقباً عليها بالحبس مدة تزيد على ثلاث سنوات ، وبدعوى موجزة أو غير موجزة في الأحوال الأخرى )) . ويتضح من النص أن قرار الإحالة يختلف باختلاف العقوبة المقررة لجريمة الجنحة ، فأن كانت العقوبة هي الحبس مُدة تزيدُ على ثلاث سنوات فيجب إحالتها بدعوى غير موجزة ، أما إذا كانت عقوبتها الحبس مدة ثلاث سنوات فأقل فيجوز إحالتها بدعوى موجزة أو غير موجزة ، وأمر تقدير إحالتها بصورة موجزة أو غير موجزة متروك لقاضي التحقيق وذلك بحسب تقديره لخطورة الجنحة المرتكبة .([3])  غير أننا لا نرى ما يسوغ هذهِ التفرقة ، ونقترح أن يُصار إلى إحالة المتهمين في المخالفات بدعوى موجزة ، وإحالة المتهمين في الجنح عموماً بدعوى غير موجزة وذلك لسببين :
الأول ـ لأن محكمة الجنح غير مُلزمة بالتكييف القانوني الذي أسبغه قاضي التحقيق على الواقعة ، فقد تذهب محكمة الجنح إلى تكييفها وفقاً لنص آخر يُعاقب بالحبس مدة أكثر من ثلاث سنوات .
الثاني ـ ولأن الإحالة بدعوى غير موجزة تلزم قاضي التحقيق باتخاذ الإجراءات التحقيقية كاملة وفي ذلك ضمان أكبر للمتهم ولمتطلبات العدالة معاً.ولِهذهِ الأسباب نقترح تعديل نص الفقرة(أ)من المادة (134)آنفة الذكر وجعـلها بالشكل الآتي: ((يُحال المتهم في جناية على محكمة الجنايات ، ويُحال المتهم في جنحة على محكمة الجنح ، بدعوى غير موجزة )) .
3 ـ الإحالة في جرائم الجنايات
      إذا تبين لقاضي التحقيق أن الجريمة جناية ، ففي مثل هذه الحالة يتوجب عليه أن يقرر إحالة المتهم بدعوى غير موجزة على محكمة الجنايات التي من اختصاصها النظر في مثل هذهِ الجرائم ، وذلك بعد أن ينتهي من اتخاذ كافة الإجراءات التي يتطلبها التحقيق في الجناية المرتكبة وذلك استناداً لنص المادة (134/أ) من الأصول الجزائية ونصها : (( أ-يُحال المتهم على محكمة الجنايات بدعوى غير موجزة ..... ))  .
وجدير بالذكر أن التكييف القانوني للواقعة يخضع لسلطة قاضي التحقيق خلال مرحلة التحقيق ولحين إصدار قراره بالإحالة ، فله أن يُقرِر التكييف الذي يراه مُنسجماً مع الوقائع والأدلة المتحصلة وفق التكـييف الأنسب بحسب رأيه في نهاية التحقيق ،([4])  وعلى سبيل المثال له أن يَعْدِل عن تكييفه للواقعة من سرقة إلى خيانة الأمانة أو العكس ، أو عن تكييف الواقعة من قتل خطأ وفق المادة 411 عقوبات إلى المادة 405 منه وهكذا . كذلك فأن التكييف الذي أسبغه على الواقعة-في قرار الإحالة غير مُلزِم لمحكمة الموضوع ، فلمحـكمة الموضوع أن تُسبِغ على الواقعة التكييف الذي تراه مُناسباً .
 غير أن ما يجدر التنويه إليه أن الخطأ في التكييف القانوني الذي يقرره قاضي التحقيق ويضعه في قرار الإحالة قد يتسبب في إحالة الدعوى إلى محكمة غير مختصة ، كأن تُحال دعوى الجنحة إلى محكمة الجنايات،أو أن تُحال دعوى الجنايات إلى محكمة الجنح ، هذهِ المسألة تـمت معالجتها في المادة (139) من قانون أصـول المحاكمات الجزائية بقـولها : (( أ ـ  إذا تراءى لمحكمة الجنح بعد إجراءها التحقيق القضائي أو المحاكمة في الدعاوي المحالة بصورة غير موجزة أو قبل ذلك بناءً على تدقيقها الأوراق أن الفصل في الدعوى الجزائية يخرج من اختصاصها ويدخل في اختصاص محكمة الجنايات فتقرر إحالة المتهم عليها،وإذا وجدت محكمة الجنايات أن الفصل في الدعوى داخل في اختصاص محكمة الجنح فلها أن تفصل فيها أو تعيدها إلى محكمة الجنح .
ب ـ إذا وجدت محكمة الجنايات أن الفـصل في الدعوى المحالة علـيها من
      قاضي التحقيق داخل في اختصاص محكمة الجنح ، فلـها أن تفصل فيها أو تحيل المتهم على محكمة الجنح .
ج ـ يكون قرار محكمة الجنايات بالإحالة أو الإعادة واجب الإتباع )) .
 وواضح من مضمون النص أنه يقرر قاعدة مستقرة هو أن من يملك الأكثر يملك الأقل وليس العكس ، لذلك فمحكمة الجنايات بإمكانها النظر في دعاوي الجنح إذا ما رأت أن الدعوى المحالة عليها بصفة جناية من الممكن تكييفها قانوناً وعدلاً كجنحة .

ثانياً ـ قواعد الإحالة بحسب نوع الجريمة
         تتميز أنواع من الجرائم بخطورة خاصة ، لذلك خصَّها المشرع بمحاكم تختص بنظر تلك الجرائم فقط،فهي إذاً محاكم مختصة بذاك النوع من الجرائم . من جانب آخر فأن هذهِ المحاكم المختصة تخضع كافة قراراتها وأحكامها للطعن التمييزي ، شأنها في ذلك شأن القرارات والأحكام الصادرة من محاكم الجنايات ، لذلك فهي ليست محاكم خاصة كالتي كانت موجودة إبان النظام السابق بل هي  محاكم مختصة بأنواع معينة من الجرائم.من ذلك القضايا الخاصة بجرائم الإرهاب والمنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 ([5])،حيثُ تختصُ بنظرها المحاكم الجنائية المركزية التي استحدثت ابتداءً بالأمر رقم (13) لسنة 2004 . ([6])   وبناءً عليه يُلزَمْ قُضاة التحقيق بإحالة هذهِ القضايا إلى المحاكم وحسب ولايتها المكانية حصراً . فإذا ما خالف قاضي التحقيق ذلك كان قراره معيباً وموجباً للنقض ، وعلى هذا المنوال تتجه محاكم الجنايات بصفتها التمييزية في قراراتها . من ذلك قرار لمحكمة جنايات صلاح الدين بصفتها التمييزية جاء فيه : (( لدى التدقيق والمداولة وجد ما يستوجب التدخل التمييزي المباشر بقرار الإحالة ونقضه ، وذلك لأن جريمة الخطف مشمولة بالقانون رقم 13 لسنة 2005 المادة الثانية الفقرة الثامنة والنافذ بتأريخ 9/11 / 2005 . وبذلك تكون هذهِ المحكمة غير مختصة بنظر هذهِ الدعوى ، ولذا قرر التدخل التمييزي المباشر بقرار الإحالة أعلاه ونقضه ، وإعادة الإضبارة إلى محكمتها بغية إحالتها إلى المحكمة المختصة . وصدر القرار بالاتفاق استناداً للمادة 265الأصولية في 4/9/2006 ))([7]).
غير أن ما ينبغي الإشارة إليه هو أن الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب لا تختلف عن بقية الجرائم الخطرة والتي قرر لها المشرع عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد أو المؤقت في قانون العقوبات ، حيثُ تختص بنظر الجرائم الأخيرة محاكم الجنايات . وبما أن جرائم الإرهاب ـ شأنها في ذلك شأن الجرائم الأخرى ـ تخضع القرارات والأحكام الصادرة بشأنها إلى الطعن التمييزي ، وحيثُ  أن الدعاوي ـ من خلال العمل ـ المحالة على هذهِ المحاكم في مراكز المحافظات ليست من الكثرة لكي تستوجب تشكيل محاكم مختصة بها ، وبما أن القضاة الذين ينظرون هذهِ القضايا هم في الغالب ذات القضاة الذين ينظرون القضايا المحالة على محاكم الجنايات ، وحيثُ أن تنسيب الهيئة القضائية وكادرها إلى المحاكم الجنائية المركزية وتحت هذا العنوان قد يعرضهم للخطر بسبب الظروف الأمنية الراهنة ، لذلك كله نقترح إعادة النظر في تشكيل هذه المحاكم في مراكز المحافظات وإعطاء صلاحية النظر في هذهِ الدعاوي إلى محاكم الجنايات في المحافظات ، وقصرها على العاصمة بغداد بسبب وجود ثلاث محاكم جنايات مركزية فيها مما يعني  كثرة الدعاوى المحالة عليها . وبهذا المقترح نضمن تحقيق أمرين : الأول ـ اطمئنان القضاة في عملهم ومهما كان نوع الجريمة وسواء نص عليها في قانون العقوبات أم في قانون مكافحة الإرهاب . والثاني ـ عدم وقوع قضاة التحقيق في الخطأ عند اتخاذهم قراراً بالإحالة ، حيثُ ستنحصر قراراتهم بالإحالة على محاكم الجنايات فقط وبذلك نضمن سرعة حسم الدعاوي .
من جانب آخر ، فقد خص المشرع جريمتي الاختلاس و خيانة الأمانة بمعاملة خاصة وذلك بمقتضى المادة ( 189/أ ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، فعدَّها جريمة واحدة وإن تكرر ارتكابها خلال سنة واحدة ، وأوجب بسبب ذلك إحالتها بقرار إحالة واحد ، إذ نصت هذه المادة على أنه : (( أ ـ إذا كانت الجريمة المسندة إلى المتهم خيانة الأمانة أو اختلاس الأموال العامة ، فيكفي أن يذكر في التهمة جملة المبالغ التي وقعت عليها الجريمة دون ذكر تفاصيلها أو تواريخ الاستيلاء عليها . ب ـ تعتبر الأفعال المذكورة الواقعة خلال سنة واحدة جريمة واحدة . )) .  
وجديرٌ بالذكر أن خص هذهِ الجرائم بمعاملة متميزة في نظام إحالتها واعتبارها جريمة واحدة وإن تعددت،طالما أنها ارتكبت خلال سنة واحدة ، ليس له بنظرنا ما يبرره ، وإن قيل أن هذا الاتجاه التشريعي تُسَوِّغه الرغبة في كفالة السرعة بحسم هذهِ الدعاوي وتحقيق وظيفة الردع العام([8]).غير أننا نرى أن وظيفة الردع العام لا تتحقق بهذا الاتجاه بل العكس ، حيثُ سيتمادى من يرتكب الجريمة الأولى بارتكاب جرائم أخرى طالما أنه لن يُحاسب إلا عن جريمة واحدة خلال السنة الواحدة ، هذا من جهة . ومن جهة ثانية فأن الجمع بين جريمة الاختلاس حيثُ تمس الجريمة المال العام ، مع جريمة خيانة الأمانة حيثُ تمس الجريمة المال الخاص ، هو غاية في الغموض ، فليس هناك رابط بين النوعين من الجرائم.كما أن الغرابة تكمن أكثر في تقرير معاملة خاصة تتميز بالرأفة لمن يحترف الإجرام بنوع معين ، ومثال ذلك أن من يرتكب جرائم متعددة من جنايات الاختلاس ولسنة كاملة سوف يعاقب وكأنه مرتكب لجريمة واحدة ، وسوف يتساوى في النهاية مع من تورط فأرتكب جريمة الاختلاس لأول مرة ولمرة واحدة فقط . وهكذا الأمر بالنسبة لمن احترف جريمة خيانة الأمانة ، فمن يبقى يتصيد هذا وذاك من الضحايا فيستولي على أموالهم ، سوف يُحاسب ومن ثم يُعاقب وكأنه مرتكب لجريمة واحدة مهما تعددت جرائمه خلال السنة ، وسوف يتساوى  في النهاية مع من تورط بارتكاب جريمة واحدة من جرائم خيانة الأمانة . لذلك نرى أن لا مبرر للإبقاء على هذا النص وبخاصة ما يتعلق منه بجريمة الاختلاس ، ونرى ضرورة إلغائه أو تعديله بجعل ارتكاب الجريمة لمرات متعددة خلال سنة واحدة ظرفاً مشدداً للعقوبة ، وبذلك نكفل ضمان الردع العام للعقاب المقرر لهذهِ الجرائم .

ثالثاً ـ قواعد الإحالة بمقتضى قانون رعاية الأحداث
   وضع قانون رعاية الأحداث في أحكامه قواعد خاصة تتعلق بإحالة المتهمين الأحداث ، وهي تتميز عن تلك المقررة للبالغين من ناحيتين :
الأولى ـ من حيث الاختصاص ، وفيهـا ينبغي التميـيز بين حالتين أيضاً ، فإذا
         كانت الواقعة جنحة ، أو إذا كانت من حالات التشرد والانحراف فالقرار بالإحالة يكون على محكمة الأحداث،غير أن قاضي الأحداث ( وحده ) هو المختص بنظرها عملاً بنص المادة ( 56 ) من قانون رعاية الأحداث ونصها : (( ينظر قاضي محكمة الأحداث في الجنح وقضايا المشردين ومنحرفي السلوك  و القضايا الأخرى التي نص عليها هذا القانون )) . أما الحالة الثانية فـهي التي نصت عليها المادة ( 57 ) بالقـول : (( ينظر قاضي الجنح في الوحدة الإدارية التي لا توجد فيها محكمة أحداث في المخالفات والجنح المعاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات ، ويطبق بشأنها أحكام هذا القانون )) . وهذا يعني أن جرائم المخالفات وكذلك جرائم الجنح التي لا تزيد عقوبتها عن ثلاث سنوات تُحال على محاكم الجنح في الوحدات الإدارية التي لا توجد فيها محاكم أحداث . وبما أن محاكم الأحداث موجودة في مراكز المحافظات فقط ، فهذا يعني أن محاكم الجنح الموجودة في الأقضية وبعض النواحي هي المختصة بنظر تلك الجرائم وعلى قاضي التحقيق أن يقرر إحالتها عليها كلما رأى أن العقوبة المقررة قانوناً للجريمة لا تزيد على ثلاث سنوات . أما جرائم الجنايات فهي حصراً من اختصاص محكمة الأحداث بهيئتها المشكلة من الرئيس والأعضاء ، حيثُ تنظر في الجنايات ، وتفصل بصفة تمييزية بقرارات قاضي التحقيق ومنها القرار بالإحالة .
الثانية ـ من حيث تعدد الجرائم ، حيـثُ نصت المادة  ( 67 ) من قانون رعاية
         الأحداث على أنه : (( إذا اتهم حدث بارتكاب أكثر من جريمة يضمها باب واحد من قانون العقوبات جازت محاكمته بدعوى واحدة والحكم عليه بالتدبير المقرر لكل جريمة والأمر بتنفيذ التدبير الأشد دون سواه )) .وتطبيقاً لهذا النص فقد أستقر قضاء محاكم الأحداث بصفتها التمييزية على نقض قرار الإحالة كلما وجد أن المتهم المحال عليها مرتكباً لأكثر من جريمة يضمها باب واحد من قانون العقوبات من أجل إحالة جميع القضـايا بقـرار إحالة واحد ، وكـأن القانون أوجب ذلك رغم أن صياغة النص تقول ( جازت محاكمته بدعوى واحدة ) ، من ذلك قرار لمحكمة أحداث صلاح الدين بصفتها التمييزية جاء فيه : ((.... وجد أن هذهِ القضية مفرقة عن قضايا أخرى تخص نفس المتهمين ويضمها جميعاً باب واحد من قانون العقوبات خلافاً لأحكام المادة (67) من قانون رعاية الأحداث  رقم 76 لسنة 1983 ، والتي أجازت محاكمة الحدث بدعوى واحدة إذا أتهم بارتكاب أكثر من جريمة يضمها باب واحد من قانون العقوبات،مما يقتضي توحيد كافة القضايا الخاصة بها وإحالتها بدعوى واحدة . . . وحيثُ أن النواقص المذكورة قد أخلَّت بصحة القرار المميز قُرِر نقضه . . . ))([9]).ومع أن هذا الاتجاه له ما يبرره إذ من شأنه المساهمة في معالجة الحدث بأسلوب من التسامح والرأفة ، حيثُ تتجه العديد من تشريعات الأحداث إلى إحالة الأحداث المتورطين بارتكاب جرائم متعددة إلى محكمة الأحداث وبدعوى واحدة ،([10]) إلا أن النص لا يخلو برأينا من نقد ، من ذلك أنه يشترط لأعماله أن تكون الجرائم المرتكبة من قبل الحدث جرائم متقاربة من حيث النوع ، أي ( يضمها باب  واحد من قانون العقوبات ) ، فأن لم تكن كذلك وجب أحالة كل قضية على إنفراد بدعوى مستقلة وهو أمر يتعارض مع هدف القانون المنصوص عليه في المادة (1) منه الرامي إلى معالجة الحدث وتكييفه اجتماعياً . لذلك نرى أن التقيد بهذا النص من شأنه الإكثار من عدد الدعوي التي يحال بها الحدث وبالتالي أن تفرض عليه تدابير متعددة .
وتعزيزاً لرأينا آنف الذكر ، نشير إلى نص المادة ( 16) من قانون الأحداث المصري رقم 31 لسنة 974 ونصها : (( إذا أرتكب الحدث الذي لا تزيد سنه على خمسة عشرة سنة جريمتين أو أكثر ، وجب الحكم عليه بتدبير واحد مناسب )) . والنص المصري واضح الدلالة في إحالة الحدث في الجرائم المتعددة وإن تباينت من حيث النوع ، حيثُ لم يشترط أن يضم تلك الجرائم باب واحد من أبواب قانون العقوبات ، والحكم عليه بتدبير واحد مناسب فقط ، وهذا ما نؤيده وندعو المشرع العراقي إلى تعديل نص المادة ( 67 ) من قانون رعاية الأحداث وجعلها بالشكل الآتي : (( إذ أتهم حدث بارتكاب أكثر من جريمة جازت محاكمته بدعوى واحدة والحكم عليه بالتدبير الأشد وحده المقرر قانوناً لتلك الجرائم )) .
رابعاً ـ الإحالة في حالة تعدد الجرائم
           الأصل العام أن لكل جريمة دعوى مستقلة ، غير أن المشرع قد خرج عن هذهِ القاعدة في حالتين :
الأولى ـ بمقتضى المادة ( 132 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، حيثُ نصت على أنه : (( أ ـ إذا نسب إلى متهم ارتكاب جرائم متعددة ، فتتخذ الإجراءات ضده بدعوى واحدة في الأحوال التالية :    
1 ـ إذا كانت الجرائم ناتجة عن فعل واحد .
2 ـ إذا كانت الجرائم ناتجة عن أفعال مرتبطة ببعضها ويجمع بينها غرض واحد.
3 ـ إذا كانت الجرائم من نوع واحد ، ووقعت من المتهم نفسه على المجني عليه
      نفسه ولو في أزمان مختلفة .
4 ـ إذا كانت الجرائم من نوع واحد ، ووقعت خلال سنـة واحدة على مجني
      عليهم متعددين بشرط أن لا يزيد عددها على ثلاث في كل دعوى .
ب ـ تعتبر الجرائم من نوع واحد إذا كانت معاقباً عليها بنوع واحد من العقاب بمقتضى مادة واحدة من قانون واحد . )) .   
 وعلى هذا النهج تسير محكمة التمييز في قراراتها من ذلك قرار جاء فيه : (( . . . ولدى عطف النظر على أوراق الدعوى والقرارات الصادرة فيها يتبين بأنها غير صحيحة ومخالفة للقانون من الناحية الشكلية ، حيثُ لا يجوز محاكمة المتهم عن أربع جرائم في دعوى واحدة استناداً لأحكام المادة ( 132 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية،فكان على محكمة التحقيق إحالة المتهم بدعوتين بموجب قراري إحالة،الأول لمحاكمته عن ثلاث جرائم،والثاني عن الجريمة الرابعة.إضافة إلى أن قرار الإحالة جاء خالياً من إسم المصابين (ر) و (هـ) خلافاً لأحكام المادة (131) من الأصول الجزائية عليه قرر نقض كافة القرارات الصادرة في الدعوى والتدخل بقرار الإحالة ونقضه بغية إعادة القضية التحقيقية إلى محكمة التحقيق لتنظيم قراري إحالة جديدين وفق ما تقدم ))([11]) .
ونص الفقرة (ب) أعلاه لا يخلو بنظرنا من نقد ، فاعتبار الجرائم من نوع واحد بالشروط التي أتى عليها النص وهي وحدة المادة القانونية ووحدة القانون قد يعيق من سرعة حسم الدعاوي ، في وقت تكون فيها السرعة في الحسم  من مستلزمات تحقيق العدل لأطراف الدعوى وأكثر إرضاء للجمهور الذي يتـطلع إلى أن يـرى الجـاني قد صدر بحقه الحكم العادل وبسرعة . ونرى أن الجـرائم تعتبر من نوع واحد كلما كانت معاقباً عليها بنوع واحد من العقاب ، فعلى سبيل المثال كلما كانت الجرائم وإن اختلفت في النوع معاقب عليها بالإعدام ، أو كانت معاقب عليها بالسجن المؤبد أو المؤقت ، أو كانت معاقب عليه بالحبـس كانت من نوع واحـد، فجسـامة الجـريمة برأينا هي المعيار الأنسب للتماثل ، والأخذ بهذا الرأي يتطلب تعديل نص الفقرة (ب) من المادة ( 132 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وذلك بحذف العبارة التالية من عجزها :(( بمقتضى مادة واحدة من قانون واحد )) .
 وجـديرٌ بالذكر أن التحقيق إذا شمل أكثر من جريمة واحـدة من اختصاص محاكم من درجة واحدة وكانت مرتبـطة ببعضها ويجمعها غرض واحد فتحال جميعها بقرار إحالة واحد على المحكمة المختصة ، أما إذا كانت من اختصاص محاكم من درجات مختلفة فتحال على المحـكمة الأعلى درجـة ([12]).فقـد تكون الجرائم المرتبطة ويجمع بينها وحدة الغرض بعضها من الجنايات والأخرى من الجنح حيثُ تحال جميعاً على محكمة الجنايات.
الثانية ـ حالة تعدد المتهمين ، حيثُ نصت المادة (133) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على انه : (( تتخذ الإجراءات بمقتضى المادة 132 في دعوى واحدة ولو تعدد المتهمون سواء كانوا فاعلين أم شركاء )) . وهذا يعني أن المتهمون ـ مهما كان عددهم ـ تتخذ بحقهم نفس الإجراءات التي تتخذ بحق المتهم الذي نسبت إليه ارتكاب جرائم متعددة كما أشرنا سابقاً ، وسواء كانوا فاعلين أصليين أم شركاء ، ويعني ذلك أن قرار إحالة واحد يصدر بحق الجميع .
غير أن ما تجدر الإشارة إليه ونحن بصدد تعدد المتهمين ، كثيراً ما يحصل أن يشترك بارتكاب الجريمة حدثاً ورشيد مما يتعين تفريق دعواهما وإحالة الحدث إلى المحكمة المختصة بالأحداث ، وإحالة البالغ إلى المحكمة المختصة بالبالغين ، حيثُ نصت المادة ( 235 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه : (( أ ـ إذا أتهم حدث ورشيد بارتكاب جريمة فعلى قاضي التحقيق تفريق الدعوى وإحالة كل منهما على المحكمة المختصة )) . كما عالجت الموضوع ذاته المادة ( 53 ) من قانون رعاية الأحداث ونصها : (( إذا أتهم حدث مع أحد بالغ سن الرشد بارتكاب جريمة فعلى قاضي التحقيق تفريق الدعوى وإحالة كل منهما على المحكمة المختصة )) .   



([1]) د. محمد ظاهر معروف ـ المبادئ الأولية في أصول الإجراءات الجنائية ـ ج1 ـ دار الطبع والنشر الأهلية ـ بغداد ـ 1972 ـ ص129.
([2]) د. صالح عبد الزهرة الحسون ـ الموسوعة القضائية-دار الرائد العربي-بيروت بلا سنة طبع ـ ص 631 ـ 632.
([3]) د. سامي النصراوي ـ دراسة في أصول المحاكمات الجزائية ـ ج2ـ مطبعة دار السلام ـ بغداد ـ 1976 ـ ص 82 .
([4]) جمـعة سعدون الربيعي ـ الدعوى الجزائية وتطبـيقاتها القضائية ـ مطبـعة الجاحظ ـ بغداد ـ 1990 ـ ص58 .
([5]) منشور بالوقائع العراقية ـ العدد 4009 في 9 تشرين ثاني 2005.
([6]) منشور بالوقائع العراقية ـ العدد 3983 في حزيران  2004.
([7]) القرار رقم 277/ت/2006 في 4/9/2006 ( غير منشور ) .
([8]) د. رؤوف عبيد ـ  مبادئ الإجراءات الجنائية في القانون المصري  ـ مطـبعة جامـعة عين شمس ـ 1978 ـ ص447 .
([9]) القرار رقم 11/ت/990 في 27/7/1990 ( غير منشور ) .
([10]) د . رؤوف عبيد ـ المرجع السابق ـ ص448 ـ 450 .
([11]) القرار رقم 29/ هيئة عامة /997 في 3/9/1997 ( غير منشور ) .
([12]) د . رمسيس بهنام ـ الإجراءات الجنائية تأصيلاً وتحليلاً ( الأستقصاء والمحاكمة ) ـ منشأة المعارف ـ     الإسكندرية ـ 1978 ـ ص135 ـ 136
     د . رؤوف عبيد ـ المرجع السابق ـ ص442
     د . صالح عبد الزهرة الحسون ـ المرجع السابق ـ ص633  .

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 11:10 م
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi