8‏/1‏/2012

تسليم المجرمين


♥♥● السلام عليكم و رحمة الله تعاالى و بركااته  ♥♥●
مقدمــــــــة
يعتبر التعاون القضائي الدولي من أسمى مظاهر التعاون الدولي في مكافحة الجريمة , إذ يوفق بين استقلال كل دولة في ممارسة اختصاصها الجزائي على حدود إقليمها , و بين ضرورة ممارسة حقها في العقاب , و بدون هذا التعاون , فلا يمكن للدولة أن تمارسه, و لعل هذا التعاون قد أدت إلى ظهوره الأسباب التالية :
أولا : تقيد سلطات الدولة بحدود إقليمها, إذ لا يمكن أن تسري قوانينها العقابية أو مباشرة الإجراءات خارج حدود الإقليم الوطني للدولة لأن ذلك سيمس بسيادة الدولة الأجنبية.
ثانيا : تلازم حق الدولة في العقاب و مجال الدعوى العمومية تطبيقا لتشريعاتها الجزائية.
و هكذا فإنّ التعاون الدولي قد انحصر في التخلص من مشكلة الحدود الإقليمية بين الدول, التي تحول دون قدرتها على محاكمة الجاني طبقا لقانونها أو تنفيذ العقوبة عليه. وقد كان نظام تسليم المجرمين أفضل وسيلة لتحقيق ذلك , فراحت الدول إلى إصدار تشريعات داخلية لتنظيمه أو الارتباط بمعاهدات ثنائية أو جماعية فيما بينها.

تعريف تسليم المجرمين
إن اصطلاح " تسليم المجرمين " يعد الترجمة العربية لكلمة extradition الفرنسية التي استعملت لأول مرّة في مرسوم 19 فيفري 1791 في فرنسا . ولكلمة extradition الإنجليزية التي اشتقت من الفرنسية واستعملت لأول مرّة في بريطانيا في قانون التسليم سنة 1870.
ولم يتفق أغلب الفقهاء على تعريف واحد لتسليم المجرمين وذلك يعود إلى أسباب أهمها الاختلاف حول طبيعة التسليم ومدى تسليم الرعايا من عدمه, وكذلك تفرع هذا النظام وامتداده على الصعيدين الداخلي و الدولي والتي أدت إلى تعدد تعاريف هذا النظام و نذكر من بينها:
تعريف الدكتور جندي عبد المالك للتسليم بأنه " عمل تقوم بمقتضاه الدولة التي لجأ أرضها شخص متهم أو محكوم عليه في جريمة بتسليمه إلى الدولة المختصة بمحاكمته أو تنفيذ العقوبة عليه " .
ويعرفه الدكتور محمد الفاضل بأنه " هو أن تتخلى دولة عن شخص موجود في إقليمها إلى دولة أخرى بناءا على طلبها لتحاكمه عن جريمة يعاقب عليها قانونها أو لتنفيذ فيه حكما صادرا عليه من إحدى محاكمها "
ويعاب على هذا التعريف استعماله لفظ التخلي الذي يفيد بأن الدولة طالبة التسليم تمارس سلطاتها ( القبض والتنقل داخل الدولة المطلوب منها التسليم )
وهذا ما يتعارض مع ما هو متفق عليه في الاتفاقات الدولية بشأن التسليم.
كما يعرّفه عبد الأمير حسن جنيح بأنه "أحد مظاهر التضامن الدولي لمكافحة الجريمة تقوم بموجبه دولة ما بتسليم شخص مقيم في إقليمها إلى دولة أخرى تطلبه لتحاكمه عن جريمة انتهك بها حرمة قوانينها أو لتنفيذ فيه حكما صادرا عليه من إحدى محاكمها"
ويرجح التعريف الأخير كونه يعرّف التسليم على أنه أحد مظاهر التعاون الدولي لمكافحة الجريمة وكذا الأركان الأساسية التي يقوم عليها (وجود طرفي في التسليم دولتين أو أكثر).
الأساس القانوني للتسليــم ..
تعددت الأسس التي يقوم عليها التسليم، وقد اختلف الفقهاء حول تحديد هذه الأسس التي يقوم عليها التزام الدول عند التسليم.
فمنه من يرجعه إلى أنه حق من حقوق الملك المستمدة من الله ،ومنهم من يرى أنّ الأساس في التسليم هو حق العقاب، أي تمكين الدولة الطالبة للتسليم من إنزال العقاب بالجاني الذي ارتكب الجرم في إقليمها ،ومنهم من يرى أنّ أساس التسليم هو الدفاع عن القانون ، ومنهم من يرى أنّ أساس التسليم هو المصلحة المشتركة للدول ، لمنع وقوع الجرائم وضمان المعاقبة عنها .
ومنهم من يرى أنّ أساس التسليم يرجع إلى أمرين ّ:
1- أنّ المجرم اللاجئ تقتضي محاكمته من طرف قاضي الدولة، التي وقعت فيها الجريمة حيث تتوفر أدلة الجريمة.
2- وجود الجاني الهارب على أرض الدولة المطلوب منها التسليم، يكون خطرا عليها لذا يقتضي تسليمه إلى الدولة طالبة التسليم، لإنزال العقاب عليه وتخليصها من خطره، وإبقاء لحسن العلاقات الدولية، فمن واجب الدولة طالبة التسليم معاقبة الجاني بإنزال العقاب العادل بحقه،لكونها ممثلة المجتمع الذي اقترفت فيه الجريمة، و من واجب الدولة المطلوب منها التسليم، إبداء المساعدة القضائية للدول الأخرى باعتبارها عضو في المجتمع الدولي.
شروط تسليم المجرمين ...
يقول بيكاريا " من أنجح الوسائل لمنع الجريمة التيقن من عدم وجود مكان، يمكن أن يفلت منه العقاب " ،وعليه فالتسليم حتى يقوم لابد أن تكون هناك جريمة ارتكبها شخص مطلوب تسليمه، ولما كانت الجريمة ومكافحتها هي الغاية من وجود نظام التسليم، فما هي الشروط الواجب توفرها في الجريمة المطلوب التسليم بشأنها .؟؟؟؟؟
إن الشروط العامة للجريمة المطلوب التسليم بشأنها لا تخرج عن إطار جسامة الوقائع و مبدأ التجريم و مكان ارتكاب الوقائع و سير الدعوى العمومية.
أ- شرط جسامة الوقائعتختلف الجرائم من حيث خطورة وقائعها إلى جنايات وجنح ومخالفات فمنها ما تستوجب عقوبة جسيمة قد تصل إلى الإعدام، ومنها ما هو مخالفة لا تستوجب سوى عقوبة بسيطة تتناسب وخطورتها على المجتمع.
لكن هل من الممكن طلب تسليم مرتكب مخالفة بسيطة ليس لها من الخطورة ما يبرر الإجراءات والنفقات التي يتطلبها التسليم عادة ؟ وبناءا على هذه الإشكالية : كيف يتم تحديد الجرائم الجسيمة القابلة للتسليم ؟ وعلى ضوء ذلك اتبعت الدول طريقتين الترقيمية وطريقة الاستبعاد.
أولا-الطريقة الترقيمية :وهي تعداد أسماء الجرائم وإدراجها في بنود الاتفاقية أو المعاهدة سوءا الثنائية منها أو الجماعية أو في نصوص القانون الداخلي المتعلق بالتسليم أو في قائمة ملحقة بها
وقد شاع استعمال هذه الطريقة بين الدول الأوروبية، فمنذ زمن طويل إذ كان التسليم يقتصر على جرائم محددة حصرا – ذات خطورة – على أمن المجتمعات آنذاك،إ لا أن هناك بعض البلدان أخذت بهذه الطريقة في اتفاقياتها ليس حصرا للجرائم وإنما بيانا لها و استدلالا، إذ يجوز التسليم في غير الجرائم الواردة في بنود المعاهدة بناءا على مبادئ المجاملة والمعاملة بالمثل .
وقد تم العدول عن هذه الطريقة لعيوب تخللتها أهمها:
ـ* قد تظهر جرائم جديدة بعد نفاذ المعاهدة، و عند تطبيقها يتطلب عقد معاهدة جديدة أو إحداث ملحق بالمعاهدة، الذي يتطلب وقتا لا يتلاءم وعملية التسليم.
ـ * قد يتم إدراج جرائم في معاهدة رغم قلة أهميتها، على حساب جرائم أخرى أكثر جسامة.
ثانيا- طريقة الاستبعاد:وهي طريقة تعتمد على معيار العقوبة أساسا لها في تحديد الجرائم القابلة للتسليم، و يكفي للقانون الداخلي أو الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتسليم الإشارة إلى الحد الأدنى أو الأقصى للعقوبة المقررة قانونا للجريمة المطلوب بشأنها التسليم.
ولقد اتبعت هذه الطريقة لأول مرة في القانون الجنائي الدولي الموقعة سنة 1899 في مدينة مونتيفيديو والتي ضمت خمس دول ( البرغواي، الأرجنتين، بوليفيا، البيرو والأرغواي )
وهناك العديد من الاتفاقيات الجماعية لتسليم المجرمين التي اتبعت هذه الطريقة منها على سبيل المثال، اتفاقية جامعة الدول العربية سنة 1952، والميثاق الأوروبي للتسليم سنة 1957.
تجدر الملاحظة إلى أن المشرع الجزائري اتبع في ما مضى الطريقة الترقيمية شأنه شأن باقي الدول أما حاليا فإنه انتهج طريقة الاستبعاد وهذا ما تشير إليه أحكام المادة 697 ق إ ج
ب-شرط ازدواج التجريم:يقصد بازدواج التجريم أن يكون الفعل المطلوب التسليم بشأنه معاقبا عنه في قوانين كلتا الدولتين الطالبة للتسليم والمطلوب منها ذلك، وإذا لم يتحقق هذا الشرط بالنسبة للدول التي تتمسك به فإنه يرفض التسليم لعدم توفر شرط من شروطه.
ج- شرط مكان ارتكاب الوقائع :يلاحظ إجماع شبه كلي للاتفاقيات الدولية الثنائية منها والجماعية في مجال تسليم المجرمين, وكذا التشريعات الداخلية التي تنظم عملية التسليم على مبدأ إقليمية قانون العقوبـات والإجراءات الجزائية, ولما امتدت الجريمة خارج إقليم الدولة, إذ أصبحت ذات طابع عالمي كالإرهاب وترويج المخدرات وتبييض الأموال, وأصبح من الضرورة إنزال العقاب لمرتكبي هذه الجرائم الخطيرة التي تهدد كيان الفرد والمجتمع, وعندما كان إطلاق مبدأ إقليمية قوانين العقوبات يؤدي إلى نتائج لا يمكن قبولها, إذ التمسّك بالسيادة لا ينبغي أن يحول دون تضامن الدول في المصالح المشتركة, و لا سيما في مكافحة الجريمة و هو ما ينجم عنه نظام تسليم المجرمين الذي راح في شروطه يحافظ على سيادة الدول في تجسيد التعاون والقضاء على الصعوبات التي قد تعترض تطبيق هذا النظام, فظهر نظام مكمّل له وهو مبدأ عالمية حق العقاب الذي يقر بأن مصلحة الدول جميعا تقتضي عدم ترك الجاني بدون عقوبة.
د-: شرط عدم انقضاء الدعوى العمومية و يقصد بهذا الشرط أن تكون الدعوى العمومية للجريمة التي أتهم بارتكابها الشخص المطلوب تسليمه وكذا العقوبة الصادرة بحقه لا تزال قائمة ولم تسقط أو تنقضي لأي سبب من أسباب الانقضاء القانونية منها أو القضائية, فعدم تحقق هذا الشرط يفقد التسليم أهميته ويصبح بدون جدوى ما دام الشخص مطلوب لوقائع لن يتابع لأجلها كسبب انقضاء الدعوى العمومية، أو يسلّم بشأن عقوبة سقطت سيفرج عنه حتما بعد التسليم.

خاتمــــة

إذا كان نظام تسليم المجرمين يعد من أبرز صور التعاون التي تحققت للمجتمع الدولي في مكافحة الجريمة , والذي تنظم شروطه وأحكامه الاتفاقات الدولية المبرمة في هذا الشأن, إذ يكفل عدم إفلات المجرم من العقاب إذا التجأ إلى دولة أخرى غير تلك التي ارتكب فيها الجريمة, غير أنّ هذا النظام لم يبلغ بعد المرحلة التي يمكن أن تحقق معها كل الفائدة المرجوة منه , فمن المبادئ المقررة بصفة عامة : " أنه لا يجوز التسليم من أجل بعض الجرائم ( الجرائم السياسية والعسكرية , الدينية ) , كما لا يجوز تسليم رعايا الدول المطلوب منها التسليم , ولا شك أنّ هذه المبادئ من الممكن والجائز أن تتفق على خلافها الدول تماشيا مع ما تقتضيه روح التضامن الدولي في مكافحة الجريمة لكن ليس بصفة دائمة ومطلقة....
و أمام هذا فإن نظام التسليم و إن كان له دور في التقليل من التضارب القائم بين السيادة للدول والاختصاص القضائي فإنه يبقى عاجزا عن تحقيق الغاية كلما ساءت العلاقات الدولية أو عندما تتمسك الدول بالمبادئ السابقة دون التنازل عنها, فأصبح من الضرورة بمكان من إيجاد نظام عالمي مكملا له وهو مبدأ عالمية العقاب وهذا عندما تثور صعاب بالنسبة للعمل بنظام تسليم المجرمين.

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 4:16 م
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi