31‏/8‏/2011

مجالات تطبيق القانون الأجنبي أما المحاكم الجزائري والاستثناءات الواردة عليها


مجالات تطبيق القانون الأجنبي أما المحاكم الجزائري والاستثناءات الواردة عليها
من إعداد:
1- الأستاذ/ عبد النبي مصطفى

المركز الجامعي بغرداية
2 - الأستاذ. شعاشعية لخضر
المركز الجامعي بغرداية

- إشكالية الدراسة:
تهدف هذه الدراسة إلى تحديد أهم المجالات التي يمكن أن يطرح بشأنها مسألة تطبيق القانون الأجنبي لذلك نجد أن كل التشريعات قد عمدت إلى وضع فئات معينة تسمى بالفئات المسندة ثم ربط كل فئة منها بقانون معين عن طريق ضابط الإسناد لذلك نجد أن هذه الفئات من المنازعات هي التي تشكل مجالات لتطبيق القانون الأجنبي أما القضاء الوطني غير أن تلك التشريعات قد استثنت تطبيق القانون الأجنبي على أحد المجلات التي قد تحددها قاعدة الإسناد خاصة ما يتعلق منها من النظام العام.

- مقدمة:

يعتبر القانون الدولي الخاص فرع من فروع القوانين حديثة النشأة، إذ كان يطلق عليه في أول ظهور له " تنازع القوانين " و يعتبر الفقيه الأمريكي جوزيف سطوري أول من استعمل عبارة القانون الدولي الخاص[1], بيد أن الفقه اختلف في تحديد الموضوعات التي تدخل في نطاق هذا الفرع من القانون هل هو فقط موضوع تنازع القوانين ولكن هناك من الفقه من يضيف إليه موضوع الجنسية و مركز الأجانب و تنازع الاختصاص القضاء الدولي.
كما يعتبر موضوع تنازع القوانين من أهم المواضيع التي تطرح بشأن القانون الدولي الخاص حاولنا من خلال هذه الدراسة تحديد أهم المجالات التي ينازع فيها قانون أجنبي- الذي تشير إليه قاعدة إسناد- قانون جزائري من حيث التطبيق، و لما كان القانون الأجنبي صادر عن سلطة أجنبـية و هذه الأخيرة ليس لها أن تصدر أوامر للقاضي الوطني فكل هذا جعلنا نتساءل عن المجالات التي تطبق فيها المحاكم الجزائرية القانون الأجنبي؟ و كذا عن الاستثناءات الواردة عن هذا التطبيق للقانون الأجنبي؟ هذا ما سوف نحاول الإجابة عليه من خلال هذه المداخلة مقسمين الدراسة إلى محورين كالاتي:

الفرع الأول: تحديد مجالات تطبيق القانون الأجنبي أمام المحاكم الجزائرية

نجد أن المشرع الجزائري قد عمد إلى وضع بعض المجالات التي تكون محل لمنازعة قانونية ويكون أحد أطرافها كليهما أجنبي والتي يطلق عليها تسمية الفئات بحيث أن كل فئة تتضمن مسائل قانونية متقاربة و متشابهة بحيث ربط كل فئة بقانون معين عن طريق ضابط الإسناد والمنصوص عليه في القانون المدني الجزائري كقاعدة عامة، و من خلال قراءتنا لمواد القانون المدني الجزائري يمكن حصر تلك المجالات في خمس حالات و هي كالاتي:
- أولا: المسائل المتعلقة بالأشخاص: (الأحوال الشخصية):

يقصد بالأحوال الشخصية المسائل المتعلقة بالأشخاص و يطلق عليها القانون الشخصي و هي كالتالي:
- 1) الحالة: حالة الشخص الطبيعي هي مجموعة الصفات التي تحدد ذاته و تحدد مركزه من أسرته و تسمى الحالة المدنية [2] و التي تشمل الاسم الذي يتميز به الشخص عن غيره[3] و الموطن سواء أكان موطننا عاما اختياريا أو موطننا خاصا إلزامي [4]، بالإضافة إلى من الصفات الطبيعية ككونه ذكرا أو أنثى أو قاصرا، متزوج، أعزب.....إلخ، و لما كانت الحالة بصفة عامة ليست مجالا لتنازع القوانين كون أن كل دولة تنفرد ببيان من هم مواطنوها، لذلك نجد أن المشرع الجزائري قد أخضع حالة الأشخاص لقانون جنسيتهم [5] وبتالي يقع على القاضي الجزائري تطبيق قانون جنسية الأجنبي المتنازع فيما يتعلق بالحالة و هذا ما أقرته المادة 10 من القانون المدني الجزائري.
- 2) الأهلية: يقسم الفقه الأهلية إلى أهلية وجوب و أهلية أداء, تعتبر الأولى صلاحية الشخص في اكتساب الحقوق أما الثانية فهي قدرة الشخص في تلقي الحقوق و تحمل الالتزامات[6]، وأمام هذا الطرح قد يتبادر إلى أذهاننا التساؤل عن أي من الأهليتين التي يطبق عليها قانون الجنسية؟ نجد أن المادة 10 من القانون المدني سيما الفقرة الأولى منها الأهلية لقانون الجنسية وهذا ما يفهم من نص المادة فقد أخضعت المادة الأهلية لقانون الجنسية، إذ يستخلص أن الأهلية المقصودة هنا هي أهلية الأداء [7].
كما تقسم أهلية الأداء إلى عامة و أخرى خاصة، بحيث أن الأولى محورها التميز لذلك لا خلاف بين الفقهاء أن هذه الأهلية هي التي تخضع لقانون الجنسية [8]، بيد أن أهلية الأداء الخاصة وهي التي يتطلبها القانون في بعض الحالات كعدم السماح لرجال القضاء و المحامين من شراء الحقوق المتنازع عليها أو منع المفلس من التصرف في ماله خلال فترة الريبة حماية للدائنين[9] فإنها تخرج من تطبيق قانون الجنسية و أنما تخضع لقانون القاضي.
- 3) الزواج: تختلف وجهة نظر في مسألة إشهار الزواج إذ يعتبرها البعض مسألة تتعلق بالشروط الموضوعية و من ثمة لابد أن يكون الزواج وفقا لطقوس دينية محددة يقوم بها رجل الدين و هو ما يتطلبه القانون اليوناني، في حين أن دول أخرى تعتبر الزواج مسألة مدنية بحتة يجوز إجراؤها أمام موظف مؤهل لذلك[10] لذلك تختلف التشريعات في وصفها لزواج فهناك من تعتبرها رابطة أبدية لا تنحل غير أن البعض يرى خلاف ذلك، إلا أن هذه الأخيرة تختلف في شروط انعقاده و طريقة انحلاله.
و لما كان التشريع الجزائري واحد من التشريعات التي لا تأخذ بأبدية الرابطة الزوجية فأخضع الزواج لجملة من الشروط الموضوعية و الشكلية المنصوص عليها في قانون الأسرة الجزائري، فاخضع الشروط الموضوعية لعقد الزواج – الرضا، الأهلية، الولي، الصداق، خلو الزوجين من الموانع الشرعية – لقانون جنسية الزوجين الأجنبيين[11] هذا ما يستخلص من نص المادتين 11 من القانون المدني و المادة 97 من قانون الحالة المدنية، لكن تطبيق قانون الجنسية على الشروط الموضوعية لعقد الزواج أمام المحاكم الجزائرية قد يثير العديد من الصعوبات لا سيما إذا كان الزوجين الأجنبيان من جنسيتين مختلفتين، فما هو القانون الواجب التطبيق قانون الزوج أم قانون الزوجة ؟
إذا كان الزوجان من جنسية أجنبية واحدة فإن هذا لا يثير أية صعوبة فإن القاضي الوطني يطبق قانون جنسية الزوجين و إن كان أحد الزوجين قد اكتسب جنسية الزوج الأخر بمناسبة هذا الزواج[12]، أما إذا كان الزوجان منم جنسية مختلفة اختلف الفقه بين التطبيق الجامع و الذي مفاده أن يطبق كلا القانونين على الزوجين لتأكد من توافر الشروط الموضوعية التي يستلزمها قانون جنسية الزوج و قانون جنسية الزوجة أيضا و من بين المدافعين عن هذا الرأي الفقيه " Pigeonniere-Lerebours " [13] وأما شطط حجج أصحاب هذا الرأي ونظرا لصعوبات التي قد يثيرها هذا الرأي من الناحية العملية ظهر رأي ثلتي و هو الأكثر ذيوعا و هو التطبيق الموزع الذي مفاده أن تتوفر في كل زوج الشروط الموضوعية التي يتطلبها قانون جنسيته و هو الاتجاه الذي أخذ به التشريع الجزائري من خلال قراءتنا للمادة 11 من القانون المدني الجزائري،
أما انحلال الزواج فإنه حسب نص المادة 14 من القانون المدني الجزائري يخضع لجنسية الزوج وقت رفع الدعوى[14], غير أن الإجراءات فإنها تخرج من نطاق تطبيق قانون جنسية الزوجين وإنما تخضع لقانون الإجراءات المدنية الجزائري [15].
- 4 ) النسب: يعتبر النسب من المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية مما يجعل القانون الشخصي هو القانون الواجب التطبيق على مسألة إثبات النسب، لذلك نجد أنه في مجال إثبات النسب يطبق قانون الجنسية من يدعي النسب أو من ينفي النسب[16].
- 5) النفقة بين الأقارب: والنفقة المقصودة هنا ليست النفقة التي تترتب عن أثار الزواج و إنما النفقة الواجبة للأقارب و التي تخضع إلى قانون جنسية المطالب بها هذا ما نصت عليه المادة 14 من التقنين المدني الجزائري.
- 6) الميراث و الوصية: تفرق تشريعات بعض الدول بين الميراث في العقار و الميراث في المنقول فيخضع الميراث في المنقول لقانون غير الذي يخضع له الميراث في العقار، و لما كان الميراث في الجزائر مرتبط بنظام الأسرة فقد أخضعه القانون المدني الجزائري إلى قانون جنسية المتوفى و هذا ما نصت عليه المادة 16 و الأمر سيان بالنسبة للوصية و كافة التصرفات التي تنفذ بعد الموت لقانون الذي يصدر منه هذا التصرف[17].

- ثانيا: نظام الأموال: و التي قد تأخذ وصف الأموال المادية أو غير المادية

1) الأموال المادية: لقد أخضع المشرع الجزائري الأموال المادية- عقارية أو منقولة- لقانون موقعها [18]، إذ أن تطبيق قانون الموقع بالنسبة للعقار لا يثير أية صعوبة كون أن العقار ثابت في مكان و غير متنقل[19]، غير أن الأموال المادية المنقولة كونها أنها تتمتع بالحركة فقد تثير نوع من الصعوبة تكمن في تحديد مكان وقوعها، لكن الرأي الغالب و كذلك جل التشريعات أخذت بمكان وجودها الفعلي أو الحقيقي لكن بشأن السفن و الطائرات فإنه لا يمكن الاعتداد بمكان وجودها الفعلي وإخضاعها لقانون الدولة التي ترفع السفينة أو الطائرة علمها باعتبارها الدولة التي قيدت فيها و نفس الأمر بالنسبة للبضائع التي تحملها [20].
- 2) الأموال غير المادية: و التي يمكن حصرها في المجلات الآتية:
- بالنسبة لحقوق المؤلف: تطبق المحاكم الوطنية بشأن حقوق المؤلف قانون البلد الذي نشر فيه المصنف لأول مرة أما بالنسبة للمصنف الذي نشر في أكثر من دولة فإن المحكمة تطبق قانون الدولة من تلك الدول التي تعدد فيها النشر الذي يقرر مدة أقصر لحماية المؤلف و هذا بالاستناد إلى اتفاقيتا بارن و جنيف المتعلقتان بحماية حقوق المؤلف [21].
- بالنسبة لبراءة الاختراع: نجد أن حماية براءة الاختراع لا تكون إلا وفقا لقانون الدولة المانحة لهذه البراءة لذلك فإن القاضي الوطني يطبق قانون الدولة التي منحت هذه البراءة لصاحبها [22].
-بالنسبة لرسوم والنماذج الصناعية: بصفة عامة فإن الرسم أو النموذج الصناعي هو عبارة عن المظهر الخارجي الزخرفي أو الجمالي لسلعة معينة سواء تعلق بشكل السلعة أو بخطوطها أو بألوانها و الذي يشترط فيه أن يكون لافتا للنظر و قابلا للاستنساخ بالوسائل الصناعية و جديدا جدير بالحماية[23] و تتطلب الرسوم الصناعية من أجل حماية حقوق أصحابها بتسجيلها، و تلعب عملية التسجيل نفس الدور الذي تلعبه نشر المصنف، إذ يتضح من ذلك أن القانون الواجب التطبيق أمام المحاكم الوطنية بشأن المنازعات التي قد تثور بشأن الرسوم و النماذج التجارية لقانون البلد الذي سجلت فيه[24].
-بالنسبة للعلامات و الأسماء التجارية: تعتبر هذه الأسماء و العلامات التجارية هي وسائل للحيلولة دون المنافسة غير المشروعة، و يكون بذلك القانون الواجب التطبيق أمام المحاكم الجزائرية بشأن المنازعات المتعلقة بالعلامات و الأسماء التجارية هو قانون الدولة التي تم فيها تسجيل هذه العلامات[25].
-بالنسبة للديون الثابتة في أوراق قابلة للتداول: يعتبر الدين من الحقوق الشخصية، فهو بذلك يخضع لقانون الإرادة إذا كانت ناشئة عن عقد أو القانون المحلي إذا كانت ناشئة عن فعل، غير أنه يمكن النظر إلى الدين على أنه مال معنوي يمكن التصرف فيه عن طريق الحوالة مما يقتضي البحث فيما إذا كان يبقى بهذا الاعتبار خاضعا للقانون الذي يحكم الحقوق الشخصية بصفة عامة أم أن هناك قانون خاص به.
لقد فرق الفقه بين الديون العادية التي تخرج عن نطاق الدراسة كون أنها تخضع لقانون موقعها و بين الديون الثابتة في أوراق قابلة للتداول, فإذا كان الدين ثابت في ورقة اسمية كالسهم و السند الرسمي فإنه يخضع لقانون البلد الذي يوجد فيه الشخص المعنوي مصدر هذا السند، أما فيما يتعلق بالأوراق الإذنية كالسفتجة والسند لأمر إلى البلد الذي تمت فيه فيخضع التزام الساحب لقانون بلد الإصدار و التزام المظهر لقانون بلد التظهير و التزام المسحوب عليه لقانون بلد القبول، و قد ساد هذا الاتجاه اتفاقية جنيف المعقودة في 07/06/1930 والخاصة بتنازع القوانين في الشيك و الكمبيالة والسند لأمر و كذلك المنعقدة في 19/05/1931 الخاصة بتنازع القوانين في الشيك[26].

-ثالثا: الالتزامات التعاقدية و الالتزامات غير التعاقدية

- 1) الالتزامات التعاقدية: العقود التي تكون محلا لتنازع القوانين هي العقود الدولية لأنها تشمل على عنصر أجنبي، أما العقود الداخلية فهي تخرج من نطاق هذا التنازع، و لا يكفي لاعتبار العقد دوليا التصريح من طرف أطرافه بأنه دولي، بل لبد أن يشتمل بالفعل على عنصر أجنبي وقد يتعلق هذا العنصر بمحل إبرامه أو بمكان تنفيذه أو بموضوعه أو بأطرافه[27].
و بالرجوع إلى نص المادة 18 من القانون المدني نصت على أنه يسري على الالتزامات التعاقدية قانون المكان الذي يبرم فيه العقد ما لم يتفق المتعاقدان على تطبيق قانون أخر فيكون بذلك المشرع الجزائري جعل من مكان إبرام العقد ضابطا احتياطيا, و جعل من حرية المتعاقدين في اختيار القانون الواجب التطبيق إذ ما نشب نزاع بين أطرافه كقاعدة عامة و هذا تماشيا مع متطلبات التجارة العالمية [28] نستنج أن الالتزامات التعاقدية التي يثور بشأنها النزاع أمام المحاكم الجزائرية تكون محل لتطبيق قانون مكان إبرامها أو قانون الذي تختاره إرادة المتعاقدين و في كلتا الحالتين قد يكون قانون أجنبي، غير أن المادة 18 في الفقرة الثانية استثنت العقود المنصبة على عقار من التطبيق السالف الذكر بقولها ".... غير أن العقود المتعلقة بعقار يسري عليها قانون موقعه ".
- 2) الالتزامات غير التعاقدية: الالتزامات غير التعاقدية هي الالتزامات الناشئة عن الفعل الضار أو المترتبة عن الفعل النافع كالإثراء بلا سبب فقانون المحل هو الذي يبين أركانه، فمكان وقوع الفعل هو الذي تستند إليها المحاكم الجزائرية من أجل تحديد أركانه و هو القانون الذي يبين معنى الإثراء ومعنى الافتقار و معنى انعدام السبب القانوني و هو الأمر نفسه بالنسبة للدفع غير المستحق و الفضالة [29] .
أما بشأن الفعل الضار-المسؤولية التقصيرية- فإن قانون الذي تطبقه المحاكم الجزائرية هو قانون مكان وقوع الفعل الضار و هذا استنادا إلى نص المادة 20 فقرة 01 من القانون المدني الجزائري التي تنص: " يسري على الالتزامات غير التعاقدية قانون البلد الذي وقع فيه البلد المنشأ للالتزام "، بحيث يستند القاضي الجزائري إلى قانون البلد الذي وقع فيه الفعل الضار لتأكد من تحقق شروط المسؤولية التقصيرية سواء أن كانت بفعل الشخصي أو الغير أو الأشياء، كما يبين هذا القانون نوع الضرر الذي يتعين تعويضه هل المادي أو المعنوي أو معا[30].
غير أن المحاكم الجزائرية لا تطبق قانون محل وقوع الفعل الضار الذي يحدث في الخارج إذ كان هذا الفعل مشروعا في الجزائر و غير مشروع في البلد الذي وقعت فيه هذا ما أضافته المادة 20 في فقرتها الثانية من القانون المدني الجزائري.

-الفرع الثاني: الاستثناءات الواردة على تطبيق القانون الأجنبي أما م المحاكم الجزائرية

قد يستبعد تطبيق القانون الأجنبي على نزاع قانوني معروض على المحاكم الجزائرية برغم من تحقق مبررات و شروط تطبيق ذلك النص القانوني الأجنبي، و التي نعتبرها بمفهوم المخالفة استثناءات واردة على تطبيق النص القانوني الأجنبي أمام المحاكم الجزائرية و هذا إما لسبب متعلق بالنظام العام أو بسبب الغش نحو القانون على التالي:
- 1) النظام العام: قد يرفع النزاع الذي يشتمل على عنصر أجنبي أمام القاضي الجزائري، لكن يتضح لهذا الأخير أن قاعدة الإسناد قد أشارت إلى تطبيق قانون أجنبي تصطدم أحكامه بمبادئ النظام العام و الآداب العامة[31].
ولقد حاول غالبية الفقهاء تعريف النظام العام بيد أنهم تعرضوا لانتقاد مرير بسبب غموض فكرة النظام العام، لذلك نجد أن الكتاب الإنجليز تعرضوا لنظام بقولهم: " لأنه المبدأ الذي يستوجب استبعاد تطبيق القانون الأجنبي في الأحوال التي يخالف فيها تطبيقه سياسة القانون الوطني أو قواعد الآداب العامة أو يتعارض مع ضرورة المحافظة على النظام السياسي فيها" [32].
كما يعرف غالبية الفقهاء النظام العام بأنه: " تلك الوسيلة التي يستبعد بها القانون الأجنبي الواجب التطبيق على العلاقة القانونية و إحلال القانون الوطني محله بسبب اختلافه مع هذا الأخير اختلافا جوهريا بحيث يتنافى و المصالح الحيوية لدولة " [33].
والمشرع الجزائري كغيره منن التشريعات استبعد هو الأخر تطبيق القانون الأجنبي الذي فيه مخالفة للنظام العام، بحيث يجوز للقاضي أن يثير مسألة النظام العام من تلقائي نفسه و إن لم يدفع به الأطراف أثناء سير الدعوى و هذا تطبيقا لنص المادة 102 من القانون المدني الجزائري، مثال إذا كان النزاع القائم عن دين سببه مخالف لنظام العام و الآداب العامة و هذا تطبيقا لنص المادة 96 من القانون المدني الجزائري.
- 2) الغش نحو القانون: من الموانع التي تحول دون تطبيق القانون الأجنبي أمام المحاكم الجزائرية هو الغش نحو القانون إذ يستبعد القانون الأجنبي ليس من طرف القاضي الوطني المطروح عليه النزاع بل عمدا من طر ف الأطراف عن طريق تغير ضابط الإسناد الذي يتحدد به القانون الأجنبي الواجب التطبيق على علاقة قانونية معروضة على المحاكم الجزائرية [34] ولقيام فكرة الغش نحو القانون يجب توفر شرطين لتسمك بالغش نحو القانون:
- الشرط الأول/ تغيير ضابط الإسناد: و هذا لا يمكن إلا في الحالات التي يكون فيها ضابط الإسناد من الضوابط التي يمكن تدخل إرادة الأفراد في تغييرها، كتغيير الجنسية أو تغيير الموطن[35]، بحيث يغير ضابط الإسناد الذي يحدد القانون الأجنبي الذي سيطبق على النزاع المعروض على المحاكم الجزائرية.
- الشرط الثاني/ نية الغش: كذلك يشترط لقيام الغش نحو القانون توفر نية الغش والتحايل ولما كان وهو عنصر معنوي و يقصد به نية التهرب من تطبيق القانون الواجب التطبيق [36]، و لما كانت النية من المسائل الباطنية يصعب على القاضي و كذا الأطراف المتنازعة إثباتها لذلك يذهب جانب من الفقه إلى ضرورة عدم الأخذ بهذا الشرط و الاكتفاء فقط حسب الشرط الأول [37] .

خــاتمة:

نجد أن المشرع الجزائري قد أصاب في تحديده لتلك الحالات التي تطبق بشأنها قواعد القانون الأجنبي على بعض المسائل المتنازع عليها أمام المحاكم الجزائرية و التي يحتوي على عنصر أجنبي بحيث حدد بعض الفئات المسندة ثم ربط كل فئة منها بقانون معين عن طريق ضابط الإسناد لتتشكل مجالا من مجالات تطبيق القانون الأجنبي أما المحاكم الجزائرية و لعلى الحكمة من ذلك هو حماية لمالح الأطراف المتنازعة و كذا المراكز القانونية المكتسبة في ظل ذلك القانون الأجنبي، مع تقيد هذا التطبيق للقانون الأجنبي و استبعاده إذا كان فيه تعارض مع النظام العام النظام العام.

الهوامش:
-[1] د. أعراب بلقاسم: القانون الدولي الخاص الجزائري (تنازع القوانين)، دار هومة، الجزائر،2001
-[2] د. علي علي سليمان: مذكرات في القانون الدولي الخاص الجزائري، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984
-[3] المادة 28 من القانون المدني الجزائري
-[4] المادة 36 من القانون المدني الجزائري
-[5] المادة 10 من القانون المدني الجزائري
-[6] د.اسحاق إبراهيم منصور: نظريتا القانون و الحق و تطبيقاتهما في القوانين الجزائرية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر،2004
-[7] عز الدين عبد الله : القانون الدولي الخاص، الجزء الثاني،ط.9، بدون نشر، 1986
-[8] د. أعراب بلقاسم، المرجع السابق
-[9] د. زروتي الطيب: القانون الدولي الخاص الجزائري مقارننا بالقوانين العربية، الجزء الأول، تنازع القوانين، 2000
-[10] جمال محمود الكردي: مصير الطلاق الإسلامي لدى الاحتجاج به في الدول غير الإسلامية
-[11] المادة 11 من القانون المدني الجزائري و المادة 97 من قانون الحالة المدنية
-[12] المادة 13 من القانون المدني
-[13] –Précis de droit international prive.8 ed Dalloz .1962
-[14] د.علي علي سليمان: المرجع السابق
-[15] –Paris 4 Avril 1952.Rev.Crit.droit international prive 1952
-[16] د.علي علي سليمان: المرجع السابق
-[17] د.فؤاد الذيب: القانون الدولي الخاص، دمشق، 1986
-[18] المادة 17 من القانون المدني الجزائري
-[19] د.علي علي سليمان : المرجع السابق
-[20] – Batiffol(H) et Lagarde (P)droit international prive. 7ed paris L.G.D.I tome 1 .1981 tome2 1983. -[21] – Batiffol(H) et Lagarde (P) Op. Cit
-[22] د.هاشم علي صادق: دروس في القانون الدولي الخاص، ط.1 الدار الجامعية لطباعة والنشر 1983
-[23] د.جلال وفاء محمدين: الحماية القانونية للملكية الصناعية وفقا لاتفاقية تريبس، سلسلة رسائل البنك الصناعي، عدد 59، الكويت1999
-[24] د.هاشم علي صادق: المرجع السابق
-[25]- Bartin principes de droit international prive selon la loi de la jurisprudence française. Vol 3 paris 1935. -[26] د.عبد المنعم رياض و سامية راشد: الوجيز في القانون الدولي الخاص، الجزء الثاني تنازع القوانين و تنازع الاختصاص القضائي الدولي، 1974
-[27] د. أعراب بلقاسم، المرجع السابق
-[28] د.عبد المنعم رياض و سامية راشد: المرجع السابق
-[29] مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري ج .1
-[30] د. أعراب بلقاسم، المرجع السابق
-[31] د.نادية فضيل: تطبيق القانون الأجنبي أمام المحاكم الوطنية، دار هومة الجزائر 2001
-[32] الهداوي حسين: تنازع القوانين و أحكام في القانون الدولي الخاص العراقي ط.1 مطبعة بغداد العراق 1972
-[33] د.هاشم علي صادق: المرجع السابق
-[34] د.نادية فضيل: المرجع السابق
-[35] د.نادية فضيل: الغش نحو القانون، رسالة ماجستير جامعة الجزائر 1984
-[36] د.سعيد يوسف البستاني: القانون الدولي الخاص و تعدد طرق حل المنازعات الدولية الخاصة، منشورات الحلبي ط.1 ،2004
-[37] د.نادية فضيل: المرجع السابق

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 7:16 ص
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi