19‏/7‏/2011

الخدمات النفســـــــية في مجال الانحـــــــراف و الجريمة





الخدمات النفســـــــية في مجال الانحـــــــراف و الجريمة





د/ عمار بوخدير
جامعة باجي مختار- عنابة






الخدمات النفســـــــية في مجال الانحـــــــراف و الجريمة
د عمار بوخدير
جامعة باجي مختار
عنابة


-مقدمة1
 يعتبر السلوك الإجرامي من أخطر السلوكيات التي تهدد المجتمعات في أمنهـــا واستقرارها ، فهو يتضمن  تهديدات للأخــلاق و القــيم و التقــاليد والآمــان الاجتماعي. ونظرللآثار الوخيمة و الخطيرة التي تنجم عن السلوك الإجرامي، فقد أصبح محل اهتمام خاص من قبل  العديد من الأكادميين السيكولوجييــــــن والاجتماعيين  والسياسيين و رجال القانون و الأمن، حيث توجهت جهودهم نحو دراسة الظاهرة الإجراميــة بالأساليب العلمــية الموضوعيـة بغية تحديد عواملــها و أبعادها الرئيسية ، فضلا عن  وضع التدابير الوقائية و العلاجية التي تقلل من أخطارها و عواقبها.
وتعد الخدمات النفسية إحدى التدابير و الإجراءات الأساسية التي يعتمد عليها في عمليات العلاج و التأهيل للمجرمين لما لها من دور فعال في مساعدة المجرم في التغلب على مشاكله النفسية و الاجتماعية ، بالإضافة إلى تزويده بالأساليب الناجعة التي تعيد توازنه و تحقق تكيفه الشخصي و الاجتماعي.
وتسعى هذه الورقة إلى إلقاء الضوء على أهم أساليب التكفل السيكولوجي الحديثة التي من شأنها إعادة تأهيل المجرم نفسيا و اجتماعيا وجعله مواطنا فاعلا في مجتمعه.
2- تعريف الجريمة
يعد مفهوم الجريمة من المفاهيم التي أهتم بها الكثير من الباحثين في حقول معرفية مختلفة كعلم الاجتماع، و علم الأجرام، و علم النفس، و الطب العقلي، و علم البيولوجية ... و غيرها من العلوم.و قد نتج على ذلك نوع من الغموض في استخدام المفهوم من حقل معرفي لأخر، بل نجده قد استخدم استخدامات متعددة داخل الحقل الواحد، و عليه فإن المرء لا يعثر على تعريف واحد لمفهوم الجريمة يتفق عليه جميع الباحثين داخل الحقل الواحد. و سوف نتعرض فيما يلي إلى مفهوم الجريمة في الحقل الاجتماعي و السيكولوجي و القانوني.

1.2- تعريف الجريمة من المنظور القانوني:
تعرف الجريمة من الناحية القانونية بأنها " ذلك الضرب من السلوك الذي يجرمه القانون الوضعي (01) و هي ذلك الفعل أو الامتناع الذي نص القانون على تجريمه، و وضع عقوبة جزاء على ارتكابه(2)
بناء علي التعريفين لا يشكل الإتيان بأي سلوك أو فعل لم يجرمه القانون الجنائي أي جريمة. فالقانون هو المصدر الوحيد للتجريم و العقاب.
2.2- تعريف الجريمة من المنظور السوسيولوجي:
يركز هذا الاتجاه على الربط بين الجريمة و بين مصالح و قيم المجتمع حيث يرى أصحاب هذا الاتجاه بأن الجريمة تقتضي وجود قيم معينة تحضى بقبول واهتمام من قبل الدولة يتطلب حمايتها و تجريم كل فعل من شأنه المساس بها،ومن تعريفات هذا الاتجاه، التعريف الذي قدمه عالم الاجتماع الفرنسي دوركهايم الذي مفاده أن الجريمة هي كل فعل أو امتناع يتعارض مع القيم و الأفكار التي ترسخت في وجدان الجماعة (3)
و من التعريفات التي يؤخذ بها الكثير من علماء الاجتماع حاليا هو: الجريمة نوع من الخروج عن قواعد السلوك التي يرسمها المجتمع لأعضائه، بمعني أنها كل انحراف عن المعايير الجمعية الذي يتصف بقدر هائل من الجريمة و النوعية و الكمية (4).
3.2- التعريف للجريمة من المنظور السيكولوجي:
لقد تعددت الآراء و تباينت الاتجاهات بين علماء النفس في تحديدهم لمفهوم الجريمة، و يرجع ذلك إلى طبيعة التوجهات التي يعتقد فيها كل باحث و إلى نظرتهم لطبيعة السلوك البشري، و بالرغم من هذا الاختلاف إلا أن علماء النفس ينطلقون من فكرة واحدة و هي أن الظاهرة الإجرامية ليست ظاهرة اجتماعية خالصة، أو مادية خالصة، أو قانونية خالصة، بل هي فعل إنساني يقوم به الفرد و يتحمل عواقب هذا الفعل إذا توافرت الإرادة و الحرية و الاختيار.
و بصورة عامة، يذهب التحليليون إلى اعتبار السلوك الإجرامي على أنه سلوك معاد للمجتمع و هو و لا شك كأي نوع من أنواع السلوك الشاذ أو غير السوي و لذلك فإن الشخص المجرم لا يختلف عن الشخص المريض الذي يأتي بالسلوك الشاذ.
و حسب هذه الرؤية فإن السلوك الإجرامي ما هو إلا نوع من السلوك الشاذ المرضى ألذي يحتاج إلى العلاج كما تحتاج الأمراض العقلية إلى العلاج و الوقاية (5). و أن كل فعل إجرامي ما هو إلا تعبير عن صراعات نفسية تدفع صاحبها إلى الوقوع في الجريمة.
وعلى العموم يمكن تعريف الجريمة من الناحية النفسية على أنها إشباع لغريزة إنسانية بطريق شاذة لا يتبعه الرجل العادي في إرضاء الغريزة ذاتها و ذلك لأحوال نفسية شاذة انتابت مرتكبي الجريمة في لحظة ارتكابها بالذات (6).
4- تفسيرات السلوك الإجرامي:
4-1- التفسير في التراث السيكولوجي:
إن النظريات التي استندت على العوامل السيكولوجية في تفسير السلوك الإجرامي من الكثرة و التنوع بحيث يتعذر التطرق إليها جميعا في هذه المقالة، و عليه سينحصر الجهد في تناول أشهرها و أبرازها و هي السلوكية و التحليلية.
يرى أصحاب الاتجاه السلوكي أن الإنسان لا يولد مزودا باستعدادات أو قدرات طبيعية فطرية تحقق له ضبط النفس و تسهل له التوافق و تساعده على كبح و توجيه بعض الرغبات و الحاجات الفطرية اللاجتماعية التي لا تتوافق مع قيم و معايير المجتمع، بل إن هذه القوة الداخلية الضابطة قوة يتعلمها الإنسان و يكتسبها عبر مراحل نموه الفسيولوجي، و من خلال عمليات التفاعل الاجتماعي.وقد رفض واطسون رائد الفكر السلوكي كل ما هو وراثي أو غريزي، ولم يعترف في تفسيره للسلوك الإنساني، بما فيه السلوك الإجرامي، إلا بما هو مكتسب من البيئة.
فوفق هذا الاتجاه يفسر السلوك الإجرامي على أنه سلوك مكتسب و متعلم ولكنه خاطئ و غير مقبول. فالطفل الذي ينشأ على الإجرام و الضعف كان محاط بنماذج سيئة وعلى الأخص الآباء، إذا كانوا غير مسؤولين هم أنفسهم  الذين يتصفون بسوء المعاملة، و كذا الأقران السوء العدوانيين .و يمكن أن ترجع الجريمة إلى عوامل أخرى كالإعلام  (7)
ويفسر السلوكيون الجدد الظاهرة الإجرامية على أساس أنها استجابة نمطية داعمة للتوتر والقلق الناتج عن استمرار مشاعر الإحباط وقد فسر مورر MAURER الجريمة على أنها استجابة لسوء عملية التطبيع الاجتماعي والى الفشل في تعلم القيم وفي امتصاص عوامل الضبط الاجتماعي وعيوب في نمو الضمير (8)
تقوم وجهة النظر التحليلية وتحديدا نظرية فرويد في تفسير الجريمة على أن للنفس البشرية مكونات ثلاث رئيسية هي الهو والذات، والذات العليا. فالهو يتمثل في الجانب اللاشعوري من النفس الإنسانية ويتضمن النزاعات الفطرية والاستعدادات الوراثية، وهي تعمل على تحقيق أكبر قدر من الإشباع لتلك النزاعات الغريزية دون إقامة أي وزن للقيم والمعايير السائدة في المجتمع.
أما الذات فتمثل ذلك الجانب الشعوري من النفس الذي يكون على صلة دائمة بالواقع محاولا تسوية الخلافات وإيجاد التوازن بين نزعات الهو الغريزية، وأوامر ونواهي الذات العليا، ومتطلبات العالم الخارجي (القيم والتقاليد). وتشير الذات العليا أو الأنا الأعلى إلى الجانب المثالي من النفس البشرية، وتتضمن هذه الأخيرة جانبين هما الضمير (مستودع المحرمات والنواهي)، والذات المثالية وتحتوي القيم والمثل والأخلاقيات (9).
يعتقد فرويد أن السلوك الإجرامي الذي يأتي به الفرد يكون العامل المسبب له إما فشل الذات في تطويع وتهذيب النفس، وإما بسبب انعدام وجود الضمير أو عجزه في السمو بالنزعات والميول الفطرية إلى مرتبة الإشباع المشروع أخلاقيا وقانونيا. ففي كلتا الحالتين تنطلق النزعات الغريزية من عقالها لتحقيق إشباعا تاما أو جزئيا ضاربة بذلك عرض الحائط كل ما يتصل بالقيم والمبادئ التي يجب احترامها داخل المجتمع.
ويرى فرويد أن المجرم قد يفلح في كبت نزعاته وإسقاطها في اللاشعور، ولكنه مع ذلك يعود للتعبير عنها رمزيا بسلوك يعتبر جريمة في نظر القانون وإجمالا، فإن الجريمة تعود إلى احد الأمرين (10) :
1-   إما عجز الذات عن مواجهة ضغوط الهو من جهة، وصرامة الذات العليا من جهة ثانية، وفشلها في التوفيق بين نزعات الأولى ومثل الثانية.
2-   و إما إلى تخلف الذات العليا نفسها أو ضعفها بحيث لا تجد الذات من يزودها بالقوة بحيث تكون قادرة على الردع، في كلتا الحالتين تجد الهو نفسها بدون رقيب فتفعل ما تريد.
4. 2 – التفسير في التراث السوسيولوجي:
تمثل الاتجاهات الاجتماعية محاولة علمية منهجية تربط السلوك الإجرامي بأرضية اجتماعية واسعة، يمكن أن تعتبر مسؤولة عن نشأة وتكوين الأنماط السلوكية الإجرامية. وتركز هذه الاتجاهات على ربط الفرد بالجماعة أو بالمجتمع المحلي أو المجتمع الكبير.
وبالرغم من اختلاف العلماء في نظرتهم وتفسيرهم للسلوك الإجرامي إلا أنهم يؤكدون على فكرة جوهرية، وهي دور البيئة التي يعيش فيها الفرد كعامل أساسي يساهم والى حد بعيد في تكوين الجريمة.
ولا ينظر علماء الاجتماع، في تفسيرهم لشخص المجرم كشخص مختلف من الناحية العضوية أو العقلية أو المرضية، بل كشخص مختلف من الناحية الاجتماعية عن سواه من الأشخاص غير المجرمين.
فالسلوك الإجرامي برأيهم يشكل حالة لا اجتماعية أو حالة عدم توافق اجتماعي. فمعظم التفسيرات الاجتماعية للسلوك الإجرامي تدور حول محور واحد وهو الانحراف الاجتماعي، وهو من جهة سلوك لا اجتماعي أو غير متوافق مع معايير وقيم وتقاليد المجتمع . ومن أشهر النظريات الاجتماعية المفسرة  للسلوك الإجرامي نظرية سثرلاند SUTHERLAND(11).أو فعل أو فعل لم يجرمه
  تعتمد نظرية سثرلاند في الاختلاط التفاضلي على شرح كيفية انتقال الساوك الإجرامي عن طريق التعليم عن الآخرين أو من خلال الاحتكاك بالمنحرفين في تعلم الاشكال الاجرامية و البواعث و المبررات التى تشجع على ارتكاب الجريمة من خلال علاقات شخصية و ثيقة . بين الأفراد المنحرفين . و تقوم النظرية على عدة فرضيات منها .
 - أن السلوك الاجرامي مكتسب بالتعلم .
 - يتعلم الفرد السلوك الاجرامي عن طريق التفاعل مع اشخاص آخرين .
 - تتم عملية تعلم السلوك الاجرامي في إطار علاقات أولية حميمة و تنفى هذه الفكرة دور
 و سائل الاعلام في احداث الجريمة .
- أن عملية تعلم السلوك الاجرامي بالمخالطة و بإتصال الشخص بالمجرمين لا تقتصر على ما يتعلمه الفرد عن طريق التقليد بمفرده ، بل تشمل أيضا كل خبرة شخصية مر الفرد بها ، كأن يكون هو نفسه ضحيه جريمة
قصارى القول ، فإن الاتجاه الاجتماعي في تفسير الجريمة ، و على خلاف الآتجاهات البيولوجية و الفسيولوجية و النفسية ، ر بما هو أهم  الاتجاهات شيوعا و اكترها استعابا  للعوامل  و الظروف التى يشيع تواجدها عند دراسة عوامل الجريمة
.
       التفسير حسب النظرية البيولوجية                                                     4-3
  على خلاف وجهات النظر السيكولوجية و الاجتماعية يرجع بعض العلماء السلوك الاجرامي الى عوامل بيولوجية وراثية ، حيث يرون أن " المرضى نفسيا ربما يكونون قد ورثوا جينات سيئة أو رديئة ، و ربما يرجع ذلك إلى إصابة في خلايا الدماغ ، بمعنى وجود عجز عصبي ما لديهم يجعلهم أقل قدرة على الاستجابة للضوابط الاجتماعية مقارنة بزملائهم ممن يطيعون القوانين . و من العلماء الذين يتبنون هذا الطرح العالم الاطالي سيزار لمبروزو الذي فسر الجريمة من خلال قاعدتين أساسيتين (12) .
فحسب القاعدة الأولى يرى لمبروزو أن المجرم إنسان يختلف عن غيره من الناس بملامح و قسمات و طباع خاصة ، و أن سلوكه الاجرامي يفسر في رجوعه إلى الحياة البدائية الأولى  فملامحه و قسماته تختلف من حالة لآخرى بحسب ميوله الاجرامية . فالمجرم الذي يميل إلى ارتكاب الجرائم الجنائية له ملامح و قسمات خاصة تميزه عن المجرم الذي يميل إلى جرائم القتل .
- أما القاعدة الثانية فترتبط بالتحديد العضوي و النفسي السابق للإنسان المجرم ، فالمجرم عبارة عن هيئة أو صورة أو طبع مماتل للإنسان البدائي .فالقسمات التي تحدد المجرم من غيره ناجمة من الفكرة السابقة حول حديثه عن إرتداد الإنسان المجرم إلى الحياة الإنسانية الأولى . و هذه الفكرة هي اساس كلامه من أن المجرم الحقيقي هو مجرم بالولادة .
 هذه هي جملة أفكار لمبروزو حول الاجرام ، و نشير إلى أن هذا الإتجاه لم يكتب له النجاح ، كما انه لم يؤيد في الأ عتقاد من حيث وجود علاقة سببية بين الاجرام و نمط الجريمة . و بالرغم من الإعتراضات التى لا قتها نظريته ، الأ أن هناك عددا من العلماء و الباحيثين الذين يعتقدون بوجود عوامل بيولوجية أو تكونية في الجريمة.
5-التكفل النفسي بالمجرمين
توجد عدة صور للتكفل النفسي بالمجرمين أثناء إيداعهم وبعد الإفراج عنهمويمكن تلخيص هذه الصور كالتالي:
-1 التكفل النفسي التمهيدي:
من أهم صور التكفل النفسي التمهيدي مساعدة النزيل على التخلص من التوترات النفسية والمشاعر السلبية التي تسيطر عليه نتيجة عمليات الضبط والمحاكمة والإبداع بالسجن. فالنزيل عادة تسيطر عليه أفكار ومشاعر سلبية من أنه شخص مرفوض ومغضوب عليه وأنه قام بارتكاب خطيئة ضد المجتمع ، وبسبب ذلك يقع فريسة للقلق والتوتر والإحساس بالخوف والاغتراب.
أيضا وفي أحيان أخرى، قد يشعر النزيل بأنه شخص مظلوم ولا يرى نفسه مذنبا، إذ يقيم سلوكه تقييما مغايرا، هذا حسب نظريته الشخصية للحقوق والواجبات، ويؤدي به الشعور بالبراءة إلى العناد والتصلب في الرأي، ومقاومة النظام، ورفض التعامل مع القائمين بأمر إصلاحه وعلاجه.
ويتدخل الأخصائي النفسي في هذه الفترة الحرجة لتهيئة النزيل لتقبل بيئة السجن الجديدة، ومحاولة التأقلم معها، من خلال استخدام خبرته ومهاراته (التقدير، التقبل، التعاطف الوجداني ...)، أثناء المحادثة والحوار للتعرف على حاجاته والعمل على إزالة هذه التوترات النفسية والمشاعر والأفكار السلبية التي تسيطر عليه عند دخوله السجن.
ولتمكين النزيل من التأقلم مع واقع وطبيعة الحياة داخل السجن يعمل الأخصائي النفسي على تبصيره  وتعريفه بنظم المعاملة بالمؤسسة (السجن)، وبرسالتها التربوية ويزوده بمعلومات وشروح حول لوائحها وطبيعة النظام المطبق بها، وغيرها من المعلومات التي يتعين الإطلاع عليها لمعرفة حقوقه وواجباته، وقد تؤخذ هذه العملية (تكييف النزيل) فترة من الزمن.
5-2. التكفل النفسي التشخيصي والعلاجي:
يتضمن هذا النوع من التكفل إجراء فحوص واختبارات قصد التعرف على الأمراض النفسية والجسدية التي قد تكون لدى السجين، على اعتبار أن تجربة الإبداع والحبس تجربة قاسية ومرهقة بإمكانها تفجير أمراض نفسية لدى السجين فقد تبين أن نسبة من المجرمين كانوا يعانون من ما يعرف بهذيان السجين (13)، وهي حالة تستلزم التشخيص والعلاج ليس فقط لمساعدة السجين، وإنما أيضا للحيلولة دون استخدامها كحيلة أو مبرر لإبعاد مسؤولية المجرم بسبب المرض العقلي الذي يوحي به هذا الهذيان.
يشمل التكفل النفسي أيضا تطبيق اختبارات وإجراء مقابلات عيادية متعددة قصد تشخيص وتقييم حالات النزلاء (دراسات لتاريخ الحالة) ودراستها دراسة شاملة من النواحي النفسية والعقلية والتعليمية تسهيلا لرسم طرق علاجهم وتوزيعهم على نشاطات البرنامج التمهيدي المسيطر لهم.
 يركز التكفل النفسي أيضا على علاج بعض السلوكيات الإنحرافية لدى النزيل التي تكون موجهة نحو الآخرين لسبب ما، كالرغبة في السيطرة على الغير، أو الزعامة، والسلوكات الإنحرافية الجنسية،و قد يكون السلوك العدواني للسجين موجها نحو الذات، كمحاولته الإضراب عن الطعام، أو إحداث إصابات بنفسه، أو حالات التفكير بالانتحار والتي تعود إلى الإحساس باليأس، أو سوء المعاملة داخل السجن أو للشعور بالغربة عن البيت(14).
هذا وتوجد خدمات استثنائية أخرى متنوعة يتلقاها السجين غرضها حل مختلف المشكلات النفسية والعلائقية التي تواجهه وتعيق توفقه مع بقية المسجونين ومع الإدارة.
5-3. التكفل النفس الوقائي أو الاندماجي:
 نعني بالتكفل النفسي الوقائي والإندماجي ذلك التأهيل النفسي الذي يعمل على تبصير المجرم بطبيعة الجرم الذي ارتكبه وبعواقبه وأضراره، فضلا عن التدخل لإعداد المجرم (النزيل) وتهيئته، من خلال الخدمات التعليمية، والمهنية، والترفيهية، والجلسات الإرشادية لمواجهة المرحلة الانتقالية ما بين حياة السجن، والعودة إلى الحياة العادية للتقليل من ظاهرة العودة.
تهدف خدمات وبرامج التأهيل النفسي معاونة النزيل وتمكينه من مواجهة مختلف المشاكل النفسية التي يعانيها والتغلب عليها، مثل فقدان الثقة بالنفس، والخوف من الوصم  والعار، والشعور بالاكتئاب، والقلق، والخوف والميول العدوانية التي غالبا ما يكون السجين مصابا بها.
كما يهتم التأهيل النفسي بإعادة بناء الشخصية، وتحقيق توازنها النفسي وإذا تبين أن السجين يعاني من مرض الاكتئاب أو الهوس فإنه يحول إلى أخصائي الطب العقلي.
إلى جانب التأهيل النفسي، توفر مؤسسات إعادة التربية نزلائها برامج وخدمات مهنية متنوعة لتأهيلهم وإعدادهم للحياة العملية بعد الإفراج عنهم . ففي مجال التكوين المهني والعمل يتمتع النزلاء بفرص هامة  تدريبية باعتماد برامج خصوصية منجزة بالاشتراك مع مراكز التكوين، كما يسمح للراغبين منهم في اختيار التخصص أو الحرفة المناسبة لهم، وتتعدد هذه الحرف من الحرف الإدارية إلى الحرف الفلاحية، فحرف الصناعات التقليدية.
وفي مجال العمل تتاح للمسجونين الفرصة للعمل داخل المؤسسة ويتقاضون نظير ذلك راتبا يعينهم على تسديد بعض الأغراض التي يشترونها من داخل المؤسسة ويهدف العمل داخل المؤسسة إلى غرس قيمة العمل لدى السجين وإعداده للاندماج في سوق العمل بعد الإفراج عنه. كذلك يمكن العمل داخل السجن من إقرار النظام، حيث أن النزيل الذي لا يعمل يوجه فكره نحو الهروب أو التمرد.
وتمثل الخدمة الترفيهية جزءا مهما من برامج خدمة السجين نفسيا، وتكمن أهميتها من كونها تساعد النزيل على استغلال وقت فراغه بصورة بناءة سليمة، وتجنبه التفكير في متاعبه، فضلا عن الشعور بالتسلية والارتياح.
ويدعم التأهيل النفسي التأهيل الاجتماعي، وفيه يعيد الأخصائي الاجتماعي وصل التنزيل بأسرته ومجتمعه ودمجه في النشاطات (الثقافية، الترفيهية، الرياضية، المهنية) داخل السجين، فمن خلال هذا النوع من التأهيل توضح للسجين أهمية احترام القوانين والامتثال للمعايير الاجتماعية في المحافظة على أمنه وأمن مجتمعه، وكذا توضيح أنسب الطرق لإشباع حاجاته المادية والنفسية، وكيفية تجنب الصراع الناتج عن المواقف المحبطة التي تعترض حياته.
ولأغراض الاندماج الاجتماعي للسجين يحاول الأخصائي النفسي، في نهاية فترة الإبداع أو قبل مغادرة السجين المؤسسة، تبصير النزيل بأن فرصته في النجاح بعد خروجه من السجن تتطلب تغيرا جذريا في سلوكه، وأن هذا التغير هو نتيجة مباشرة لاتجاهاته الاجتماعية نحو المجتمع.
إن نجاح عملية الاندماج الاجتماعي عملية صعبة تتضافر في تحقيقها جهود الأخصائي النفساني والاجتماعي ، وجهات أخرى داخل المجتمع المدني، فضلا عن السجين نفسه خاصة إذا كانت عمليات اصطلاحه وتأهيله ناجعة.
ونشير في هذا الجزء إلى أن برامج وخدمات التكفل النفسي للسجين تتنوع بتنوع سن السجين و نوع الحالة و على الأخصائي  النفساني أن يحسن الإنصات والاتصال مع السجناء، وعليه الأخذ بالفكرة الأساسية التي  تقوم عليها النظرة الحديثة في  التعامل مع السجناء والتي مؤداها أن للعقوبة وظيفة نفسية واجتماعية وهي تأهيل الجاني وجعله مواطنا صالحا عن طريق تنمية إمكانياته ومؤهلاته وتهذيب سلوكاته وأخلاقه، ومساعدته على التوافق مع نفسه ومع محيطه الاجتماعي.

-6أســاليب التكفـل النفسـي بالمجرميــن:
تمثل أساليب التكفل النفسي الجانب التقني الذي يتبع مع المجرمين أثناء فترة إيداعهم بمؤسسات إعادة التربية وبعد الإفراج عنهم. وتشمل هذه الأساليب العلاج النفسي ، والإرشاد النفسي و التوجيه التأهيلي المهني، ... وغيرها وفيما يلي توضيحا موجز لها:

   
 6-1العــلاج النفســي:
إلى جانب العلاج الطبي الجسدي والعلاج الطبي العقلي، تتوافر بمؤسسات إعادة التربية مجموعة من الخدمات النفسية يقوم بها أخصائيون نفسانيون (إكلينيكيون) مؤهلون ومدربون على الأساليب العلمية الحديثة في علاج وتأهيل المساجين.
ويؤخذ العلاج النفسي صور متنوعة لكل منه ميدانه وأسلوبه الخاص، وما يناسبه من حالات، مع أنه يمكن استخدام أكثر من أسلوب في علاج حالة معينة.ومن الطرق الأكثر شيوعا في علاج نزلاء السجون، العلاج النفسي التحليلي، والعلاج السلوكي، والعلاج العقلاني – الإنفعالي، العلاج النفسي التدعيمي.
 وتستخدم هذه الطرائق أساليب علاجية متنوعة كالإيحاء، والتداعي الحر، تدبر القلق، التخيل، الإقناع، النصح، التدريب على الاتصال الاجتماعي .... وغيرها.
يفيد العلاج النفسي في معرفة أمور عدة:
-         معرفة الدوافع (الشعورية واللاشعورية) التي دفعت بالسجين إلى أن يرتكب الجريمة.
-         معرفة ما إذا كان السجين يعاني من اضطرابات نفسية أو عقلية كانت المحرض على الجريمة أو ترتب عليها.
-         معرفة مدى توافق السجين مع ذاته.
-         التعرف على سمات شخصيته، وهل تصاحبه مثلا اضطرابات معينة ومشاداة هذه الاضطرابات وتأثيرها على سلوكه.
أما أهدافه فيمكن جمعها في الآتي:
×    زيادة وعي الفرد (السجين) واستبصاره وفهمه.
×    تقوية الأنا وتنميته.
×    تغيير البناء المعرفي وأساليب التفكير الخاطئة.
×    تعويد السجين على اعتماد النفس وتحمل المسؤولية.
×    تنمية الكفاية الذاتية والقدرات الذاتية(15).
6-2الإرشاد النفســي:
يستخدم الأستاذ النفسي أكثر ما يستخدم مع الحالات ذات الاضطرابات الخفية في الشخصية.
يلعب الإرشاد النفسي دورا هاما خلال مرحلة التكفل النفسي المبكر من ذلك أنه يساعد على إزالة التوترات النفسية والمشاعر السلبية التي يعانيها السجين بعد دخوله السجن، فمن خلال إقامة العلاقة الإرشادية الجيدة (التقبل، التقدير، التفهم الوجداني) يستطيع المرشد النفساني تهيئة السجين للبيئة الجديدة، وإزالة الكثير من مشكلاته وتوتراته.
وكما هو الحال في العلاج النفسي، ينصب الاهتمام في الإرشاد النفسي على شخصية السجين من خلال تدعيم الذات لإزالة المشاعر السلبية المرتبطة بوضعه الحالي، إلى جانب تعديل وتغيير استجابته وأفكاره واتجاهاته الخاطئة.
ويستخدم الإرشاد النفسي أيضا لتحديد المشاكل وإيجاد الحلول وتكوين القدرات الكافية لدى النزيل لحل مشكلاته واتخاذ قراراته بنفسه فضلا عن توعيته بأهمية صيانة صحته النفسية و الجسدية.
ومن الطرائق الشائعة في الإرشاد النفسي، الإرشاد الديني وبمساعدة رجال الدين الذين لديهم خبرة في المعاملة العقابية بهدف تنمية القيم الدينية والأخلاقية لدى السجين وزيادة إدراكه ووعيه بشأن الأسباب التي أدت به إلى ارتكاب الجريمة.
فعن طريق الإرشاد الديني يتمكن السجين من تكوين بصيرة جيدة عن العوامل والأسباب الذاتية التي دفعته إلى القيام بذلك السلوك الإجرامي، وكذا معرفة وإدراك العوامل الخارجية التي ساهمت في موقفه، ومن تمة الشعور بالمسؤولية والواجب.
وقبل الانتهاء من هذا العنصر يجب أن أشير إلى أنا الإرشاد النفسي يعتمد على أساليب وطرائق متنوعة هي نفسها التي يستخدمها المعالج النفساني مثل الإيحاء، النصح ، الإقناع، تأكيد الذات، التوضيح، التعاطف، التقبل، عكس المشاعر ...الخ.
6-3التوجيــه التأهيلــي المهنــي:
على أساس من دراسة الحالة وعمليات التقييم والتشخيص المختلفة يتم جمع بيانات متنوعة عن النزلاء مثل مؤهلاتهم، استعداداتهم، قدراتهم، ميولهم، اهتماماتهم، هواياتهم ...  التي تفيد في وضع وبناء البرنامج التأهيلي المهني لهم.
وقبل توزيع النزلاء على مختلف البرامج التأهيلية تجرى عمليات توجيهية شتى لهم  كالتوجه نحو نوع الدراسة (التعليم) المناسبة لخصائصهم، ثم التوجيه إلى نوع المهنة أو الحرفة التي سوف يتدربون عنها، وأخيرا توجيههم إلى العمل ومتابعتهم فيه.
وتهدف برامج التأهيل المهني لمؤسسات إعادة التربية إلى تكييف شخصية السجين لتأكيد عملية العلاج بدلا من تأكيد العقاب، ويعني ذلك استعمال التأهيل المهني كأداة للتكيف الاجتماعي والتربية، ولإعادة السجين إلى حياته العادية.
ويمكن التكوين المهني السجناء، الذين ليس لهم مهنة أو حرفة، على ممارسة إحدى المهن أو الحرف التي اختاروها عند توجيههم.
يشمل التكوين المهني دروس نظرية وأخرى تطبيقية، يتم البعض منها داخل مؤسسة إعادة التربية والبعض الآخر بمراكز التكوين العادية، وفي الحالة الأخيرة تتكفل إدارة المؤسسة بحراسة ونقل المسجونين إلى مراكز التدريب.
توفر مؤسسات إعادة التربية لنزلائها عدد من البرامج التدريبية في مهن  الصيانة الصناعية ،الكهرباء، التجارة، الحلاقة، التلحيم، الإعلام الآلي، وحرف فلاحية أخرى متنوعة.
يسعى التكوين المهني للمساجين إلى جعلهم أكثر اعتدادا بأنفسهم وأكثر اعتمادا على أنفسهم في كسب العيش الكريم ،فضلا عن ذلك تحسين حراكهم الاجتماعي.
وللتكوين المهني آثار إيجابية أيضا على مؤسسات إعادة التربية ذاتها من ذلك أنه قد يكون وسيلة فعالة لحفظ النظام وتحسين العلاقات بين المسجونين بعضهم ببعض، وبينهم وبين الإدارة.و لان التكوين المهني يقتطع الكثير من وقت السجين فإنه يجعله ينصرف عن التفكير في المسائل السلبية أو التفكير في الهروب والتمرد والعصيان.
6-4العمــــل:
ينظر للعمل داخل مؤسسات إعادة التربية على أنه يشمل قيمة تأهيلية غير مباشرة تؤدي إلى إحداث تغيرات عامة في العلاقات والجوانب الأخلاقية من شخصية السجين بعد الإفراج عنه (15).
كما أن للعمل قيمة اجتماعية من ذلك أنه يمكن النزيل من تحسين وضعيته الاجتماعية (من شخص عادي عديم المهارة إلى الشخص ماهر)، ويمكنه من العيش الكريم بعد خروجه من المؤسسة.ومن شأن العمل أن يجعل النزيل يعيد الاعتبار لذاته، والثقة في نفسه، وأن يعطي للعمل ذاته قيمة كبرى.
 ويجب أن نشير بأن معظم مؤسسات إعادة التربية، تضمن للسجين مقابلا ماديا نظير عمله، يمكن أن يصرف له جزءا منه أثناء تواجده بالمؤسسة ويصرف له الجزء الآخر بعد الإفراج عنه أو يرسل لأسرته بموافقته.
وقبل أن النهي هذا المقال يتعين ذكر بعض التجارب (16) هنا وهناك في التكفل بالمجرمين. ففي بعض الدول وتحديدا بالولايات المتحدة الأمريكية لجأت إحدى الولايات (نيويورك وكاليفورنيا) إلى أساليب خاصة من تأهيل المساجين، حيث يتم التركيز  على التكفل النفسي أكثر من التركيز على مجرد الاعتقال والحبس. فعندما يودع المتهم في السجن فإنه يحال على مكان للعلاج، حيث يخضع لإشراف أحد الأطباء العقليين وأحد الأخصائيين النفسانيين، وعندما يلاحظ على السجين علامات التقدم والتحسن فإنه ينقل إلى قسم آخر حيث يسمح له بالزيارة، الأمر الذي يساعده على التمتع بجو طبيعي يعيده للحياة في العالم الخارجي.
وفي بعض الدول لا يقتصر التكفل النفسي للمجرمين على فترة وجودهم داخل مؤسسة إعادة التربية بل يتعدى ذلك إلى متابعة ظروف حياتهم بعد الإفراج عنهم من خلال مساعدتهم على إيجاد عمل ملائم يكفل لهم العيش الكريم وبالتالي تجنب عودتهم للإجرام.
وفي الجزائر عقدت مؤتمرات حول تسيير مؤسسات إعادة التربية انتهت بطرح مشروع إصلاح العدالة يتضمن العديد من الأفكار والتصورات، وحتى الحلول للوصول إلى مستوى مقبول من التكفل النفسي والاجتماعي والصحي والمهني للسجين.
المراجع:
1)   سمير عبده، التحليل النفسي للجريمة، دمشق: دار الكتاب العربي 1989، ص 10
2)   سمير نعيم أحمد، الدراسة العلمية للسلوك الإجرامي، مقالات في المشكلات الاجتماعية و الانحراف الاجتماعي، القاهرة، مكتبة سعيد رأفت 1969، ص 3
3)   عبد الرحمان محمد أبو توته، علم الإجرام، إسكندرية، مكتبة الجاهي بيروت 1999، ص 41
4)   نفس المرجع السابق، سمير عبده، ص 13
5)   عبد الرحمان العيسوي، علم النفس في الحياة المعاصرة، إسكندرية 1978، ص 5
6)   رمسيس بهنام، لإجرام و العقاب، علم الجريمة و علم الوقاية و التقويم، إسكندرية، منشأت المعارف، 1978 ص 3
7)   عبد الرحمان  محمد العيسوي، علم النفس الجنائي أسسه وتطبيقاته العملية، الدار الجامعية للنشر الإسكندرية، 1998، ص 147.
8)   جليل وديع شكور،أمراض المجتمع، بيروت ، الدار العربية للعلوم 1998،ص: 71.
9)   السيد رمضان، خدمة الفرد التحليلية: عمليات ومجالات نوعية للممارسة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2003، ص:329.
10)          نفس المرجع، ص:325
11)          جابر نصر الدين: السلوك الأغراض والجريمة، نخبر التطبيقات النفسية والتربوية، جامعة منتوري قسنطينة، 2007، ص 113.
12)          عدنان الدوري، أسباب الجريمة و طبيعة السلوك الاجرامي،ط،3 الكويت،دار السلاسل،1985،ص،215-216.
13)          جابر نصر الدين، المرجع السابق،ص،59.
14)          جلال الدين عبد الخالق والسيد رمضان، الجريمة والانحراف من منظور الخدمة الاجتماعية، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 2001، ص 201. 202.
15)          عبد الرحمن العيسوي،علم النفس الجنائي، المرجع السابق،ص:288.
 









مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 10:28 م
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi