29‏/12‏/2010

دروس في فلسفة القانون



المذاهب الشكلية :

هي المذاهب التي تكتفي بالمظهر الخارجي للقاعدة القانونية، فلا تنظر إلا إلى الشكل الذي تخرج به هذه القاعدة إلى الوجود في صورة ملزمة ولذلك فهي ترجع تكوين القاعدة القانونية إلى السلطة التي اكتسبت هذه القاعدة عن طريقها قوة الإلزام في الحياة العملية إذن فهي تربط بين القانون والسلطة التي تكسبه قوة الإلزام في العمل .
وقد نادى بهذه المذاهب الشكلية كثير من الفقهاء والفلاسفة اتفقوا جميعا من حيث المبدأ وهو رد القانون إلى إدارة الحاكم أو السلطان مع خلافات بسيرة في بعض الجزيئات لا تحل ولا تتقص من اتفاقهم على المبدأ ومن هؤلاء الفلاسفة والفقهاء

مذهب أوستن :

الفيلسوف الإنجليزي شغل منصب أستاذ في فلسفة القانون في جامعة لندن في النصف الأول من القرن 19 استمد مذهبه من نظريات الفلاسفة اليونان منذ القدم إذ كانوا يرون أن القانون مبدأ للقوة كما تأثر بما جاء به الفقيه الإنجليزي "توماس هوين" من أن القانون ليس طلبا ولا نصيحة وإنما هو أمر صادر عن حاكم بل القانون هو إدارة الحاكم أو السلطان الذي له السيطرة المطلقة إلا أن له الفضل في سياقة هذه الأفكار بشكل نظري والفكرة التي تقوم عليها مذهب أوستن بحيث عرف القانون بأنه أمر أو نهي يصدره الحاكم إسنادا إلى سلطة السياسية ويوجه إلى المحكومين ويتبعه انجزاء ومن هذا التعريف يتبين أنه لكي يوجد قانون لابد من توفر ثلاث شروط :
1-وجود حاكم سياسي: فالقانون في نظر أوستن لا يقوم إلا في مجتمع سياسي يستند في تنظيمه إلى وجود هيئة عليا حاكمة لها السيادة السياسية في المجتمع وهيئة أخرى خاضعة لما تصدره الهيئة الحاكمة من أوامر ونواهي .
2-وجود أمر أو نهي : القانون في منظور ليس مجرد نصيحة أو إرشاد للأفراد إن شأوا التزموا به أو خالفوه بل هو أمر ونهي لا يجوز مخالفة وقد يكون صريحا أو ضمنيا. وكذلك بالنسبة لقواعد قانون العقوبات أحيانا تقتصر على تحديد العقوبة التي توقع على من يرتكب جريمة معينة وهي بذلك لا تصدر في صيغة أمر او نهي ولكنها ضمنيا تأمر بعدم إرتكاب الجرائم أو تنهي عنها .
3-وجود الجزاء : فكرة الجزاء لدى أوستن هي فكرة جوهرية في القاعدة القانونية بغيرها لا توجد القاعدة القانونية فالحاكم السياسي له من القوة والسلطة ما يمكنه من فرض إدارته على المحكومين عن طريق الجزاء على من يخالفة .
النتائج المترتبة عن مذهب أوستن :

1/إنكار صفة القانون على القانون الدولي العام لأنه يرى بأن جميع الدول متساوية في السيادة ولا توجد في المجتمع الدولي سلطة عليا فوق سلطة الدول توقع الجزاء على الدول التي تخالف القواعد القانونية وعلى هذا الأساس يعتبر أوستن أن قواعد القانون الدولي ما هي إلا مجرد مجاملات تراعيها الدول في سلوكها فيما بينها
2/انكار صفة القانون على القانون الدستوري: لأن قواعد القانون الدستوري هي التي تبين شكل الدولة ونظام الحكم فيها والسلطات العامة داخل الدولة وعلاقتها بعضها ببعض كما تبين حقوق الأفراد السياسية وحرياتهم والمقومات الأساسية للمجتمع وعليه فإن قواعد القانون الدستوري هي قواعد بمحض اختياره وبما أنه هو الذي يصدر هذه القواعد فهو يستطيع دائما مخالفتها لأنها من ناحية ليست صادرة من سلطة أعلى منه ومن ناحية أخرى غير مقترنة بجزاء يوقع في حالة مخالفته لأنه لا يعقل أن يوقع الحاكم الجزاء على نفسه على هذا الأساس يرى أوستن أن قواعد القانون الدستوري ماهي إلا مجرد قيود أو قواعد الأخلاق الوضعية على حد تعبيره تنظم علاقة الحاكم بالأفراد لم تلزمه بها سلطة أعلى منه
3/ جعل التشريع هو المصدر الوحيد لقواعد القانونية باعتباره يتضمن أمرا أو نهيا يصدره الحاكم إلى المحكومين وعدم الإعتراف بالمصادر الأخرى كالعرف مثلا لأشنه لا يصدر من الحاكم إلى المحكومين وإنما ينشأ من إتباع الناس سلوك معين ومنا طويل مع شعورهم بإلتزاميته
4/وجوب التقيد في تفسير نصوص القانون بإدارة المشرع وقت وضع هذه النصوص وعدم الأخذ بما يطرأ بعد ذلك من ظروف جديدة لأن العبرة بإرادة الحاكم وقت وضع النص ولا عيره يتغير الظروف
النقد الموجه لأوستن :
-يخلط بين القانون والدولة وكذلك بين القانون والقوة .
-يؤخذ عنه أن التشريع المصدر الوحيد .-إنكاره للقانون الدولي العام .-إنكاره للقانون الدستوري .
-يؤخذ عليه التعبير بإدارة المشرع وقت وضع النصوص .

مذهب الشرح على المتون :

يختلف مذهب الشرح على المتون عن مذهب أوستن لأنه لم يكن نتاج رأي فقيه واحد وإنما كان ثمرة لأراء مجموعة من الفقهاء الفرنسيين الذين تعاقبوا خلال القرن 19 على فكرة تجميع أحكام المدني الفرنسي في مجموعة واحدة أطلق عليها " تقنين نابليون" وكذلك يختلف مذهب الشرح على المتون عن مذهب أوستن في أن فقهاء مذهب الشرح على المتون ليسوا هم الذين نادوا بهذا المذهب ذلك أن هذا الأخير ماهو إلا مجرد طريقة تفسير وشرح القانون أستخلص منها الفقهاء في أوائل القرن 20 المبادئ والأسس التي قام عليها هذا الأسلوب بالشرح والتفسير وساقوا منها مذهبا له مميزاته الخاصة وحددوا أسماء الفقهاء الذين سارو على هذا الأسلوب وأطلقوا عليه اسم مذهب أو نظرية الشرح على المتون نظرا لطريقة التي سار عليها هؤلاء الفقهاء في شرح تقنين نابليون مثنا متنا وبنفس الترتيب الذي وردت به هذه النصوص في التقنين وقد سميت المدرسة التي تكونت من فقهاء الشرح على المتون " بمدرسة إلتزام النصوص" والأسس التي تقوم عليها مذهب الشرح على المتون على أساسين هما:
1-تقديس النصوص التشريعية: لقد أحدثت تقنيات نابليون جوا من الإبهار والإعجاب دفعت برجال القانون إلى قصر مفهوم القانون على المدونات التي يتم الإعلان عنها رسميا من طرف أجهزة الدولة فالتقنين أصبح هو الوجه المعبر للقانون وإدارة المشرع هي الترجمان الوحيد لإدارة الدولة ولعل السبب في تقديس فقهاء الشرح على المتون للنصوص القانونية يرجع إلى أن النظام القانوني السائد في فرنسا قبل صدور التقنين المدني الفرنسي الذي عرف باسم تقنين نابليون يختلف من الشمال إلى الجنوب فقد الجزء الشمالي يخضع لنظام قانوني أساسه قواعد العرف والتقاليد بينما الجزء الجنوبي يخضع لنظام قانون مستمد من القانون الروماني وقد كان توحيد القانون بلورة تقنين جديد شامل جامع ومانع أمل رجال الثورة الفرنسية غير أن هذا الأمل لم يتحقق إلا في عهد نابليون بصدور تقنية المعروف باسمه وقد قال تقنينه " إن القانون الوضعي مهما بلغ من التطور والدقة لا يمكنه حل محل العقل الطبيعي " مشيرا بذلك إلى محدودية التقنين وقصوره عن الإستعاب الكامل للظواهر القانونية ونظرا للمزايا الكبيرة التي حققها هذا التقنين بتوحيده لنظام القانوني في فرنسا فقد شعر رجال القانون بعاطفة قوية تدفعهم إلى احترام وتقديس هذا التقنين باعتباره المصدر الوحيد للقانون فهو بنظرهم قانون شامل كالكتاب المقدس قد أحاط بكل شيء مما جعلهم يتبعون في شرح هذا التقنين الطريقة التي تتبع في شرح الكتب المقدسة وهي شرح نصوصه نصا بعد نص .
2-اعتبار التشريع هو المصدر الوحيد للقانون: ذلك أن النصوص القانونية في منظور فقهاء مذهب الشرح على المتون تتضمن جميع الأحكام القانونية وتضع جميع الحلول لشتى الحالات وبذلك يعتبر التشريع هو المصدر الوحيد للقانون باعتباره المعبر عن إدارة المشرع ولقد ترتبت نتائج على هذا المذهب وهي:
أ-التزام القاضي بأحكام النصوص التشريعية إذ لا يجوز له الخروج عنها أو المسار بها نظرا لقدوسيتها فمهمته تتمثل في الحكم بمقتضى القانون وليس الحكم على القانون .
ب- إذا عجز الشارع عن استخلاص قاعدة مامن النصوص التشريعية فإن اللوم والعيب في المشرع ذلك لأن التشريع يحوي جميع القواعد والمبادئ اللازمة في جميع الحالات .
جـ- وجب الخضوع إلى نية وإرادة المشرع وقت وضع النصوص وهذا عند تفسير وشرح النصوص التشريعية .
النقد الموجه لمدرسة الشرح على المتون هي
-انه يعتمد على التشريع كمصدر وحيد للقانون .
-الاكتفاء بإدارة المشرع وقت وضع النصوص .
-تقديس النصوص يؤدي إلى النزعة الاستبدادية .

مذهب هيجل :

وهو فيلسوف ألماني وأستاذ له عدة مؤلفات منها كتابه الذي صدر سنة 1821 م بعنوان " مبادئ فلسفة القانون " يرى هيجل أن الدول الحقيقية الواقعية هي التي توقف في حسم التناقض الأساسي بين الوجدان الفردي والمصلحة العامة فالدولة وفق فلسفة هيجل هي تجسيد لإرادة الإنسان وحريته فلا أساس ولا شرعية للقانون إلا إذا كان صادرا عن الدولة فالقانون هو إرادة الدولة سواءا في الداخل أو الخارج ففي الداخل لا يمكن للمجتمع أن يرقى في مصاف الدولة إلا إذا اندمج الأفراد في كيان الدولة فتذوب إرادتهم وحريتهم داخل الكيان من أجل تحقيق صالح عام يبغي أن يكون قاسما مشتركا بين الأفراد وهذا يقتضي خضوع الأفراد المطلق للدولة ويقتضي أن تكون سيادة الدولة واحدة لا تتجزأ تتجسد في شخص واحد له السلطان المطلق وقراره واجب النفاذ باعتباره معبر عن الإدارة العامة التي تذوب في وحدتها جميع الإختلافات، أما في الخارج فطالما أن جميع الدول متساوية في السيادة وطالما أنه لا توجد سلطة عليا تختص في الفصل في النزاعات التي تنشئ بين الدول إذ أن الحرب هي الوسيلة الوحيدة لتنفيذ إدارة الدولة في المجتمع الدولي وحل النزاع يكون لصالح الدولة الأقوى طبقا لمبدأ البقاء للأقوى.
والنتائج المترتبة عن هذا المذهب هي :
1-تدعيم وتبرير الحكم الاستبدادي المطلق طالما أن إدارة الحاكم هي القانون الواجب النفاذ .
2-اعتبار التشريع هو المصدر الوحيد للقانون باعتباره هو المعبر عن إرادة الحاكم
3-لا مجال للإعتراف بقواعد القانون الدولي فالقوة وحدها هي السبيل الوحيد لتنفيذ رغبات الحاكم وقض النازعات كذلك الشأن بالنسبة لقواعد القانون الدستوري فالحكم له السلطان المطلق في علاقته مع الأفراد .
النقد الموجه لهيجل هو :
-الإدعاء بوجود مصدر وحيد للقانون هو التشريع .
-التوحيد بين إدارة الحاكم المعززة بالقوة وبين القانون يؤدي إلى الاستبداد المطلق (لكونه
ألماني يريد إعطاء الشرعية حتى يسيطر الشعب الألماني على العالم )

مذهب كلسن :

كلسن فيلسوف نمساوي اشتغل منصب أستاذ في مادة فلسفة القانون بجامعة فينا سنة 1917 كون مذهبا عرف بـ " النظرية الصافية " ووفقا لكلسن يجب أن يقتصر علم القانون على دراسة السلوك الإنساني مجرد من الاعتبارات والضوابط الأخرى التي هي من اختصاص علوم أخرى كعلم الإقتصاد والسياسة …إلخ فالنظرية الصافية للقانون تبحث في تحديد ماهو القانون وكيف يتكون غير مبالية بما يجب أن يكون عليه.
والأسس التي يقوم عليها مذهب أوستن هي :
أ‌- استبعاد جميع العناصر غير القانونية : يرى كلسن وجوب استبعاد كافة العوامل الغير قانونية كالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والمبادئ الأخلاقية والمفاهيم السياسية وغيرها فالقانون البحت يجب أن يقتصر في دراسته على القانون كما هو والبحث عن صحة صدوره من الهيئة أو الشخص صاحب الاختصاص والتحقيق من مدى إتباعه كما حددته السلطة المختصة أو عدم اتباعه دون البحث في مضمونه إذ كان عادلا أم لا متفق مع مصلحة الجماعة أم غير ذلك إن البحث يتضمن أسباب نشأة القواعد هو من إختصاص علماء الإجتماع والسياسة والتاريخ فالقانون حسب كلسن هو مجموعة الضوابط القانونية ويتكون من قواعد قانونية عامة وفردية .
ب‌- وحدة القانون والدولة: القانون ليس تعبيرا عن إرادة الدولة وليست الدولة صانعة للقانون بل القانون هو الدولة والدولة هي القانون والقانون هو مجموعة إرادات في شكل هرمي إذن فالقانون هو نظام هرمي كل قاعدة تحيا وتستمد شرعيتها وفعاليتها من القاعدة الأعلى منها وصولا إلى نظام القانون هو الدولة فالدولة ليست شخص معنوي بل هي مجموعة من القواعد القانونية وفق تدرج تسلسلي يبدأ من الأوامر الفردية أو القرارات وصولا إلى الدستور الذي هو النهاية الحتمية والسامية لهذه القواعد، أي الدستور وما يتفرع عنه من قواعد قانونية هي الدولة إلا أن كلسن لا يعتبر هذا النظام القانوني دولة إلا بوجود جهات مركزية مختصة بالتعبير عن القواعد القانونية التي تكون منها هذا النظام القانوني وتطبقها عن طريق الإلزام وعلى هذا النحو يدخل كلسن في هذا النظام القانوني الهرمي جميع الضوابط القانونية سواء كانت تتعلق بالنشاط الخاص بالأفراد أو النشاط الإداري أو باستعمال القوة الجبرية مثل المحضر القضائي عمله تعبير عن إرادة الدولة إذ هو مكلف تنفيذ حكم قضائي صادر من القاضي تطيقا لقاعدة عامة وضعها المشرع ومن أهم النتائج المترتبة على هذا المذهب هي :
*رفع التناقض بين اعتبار القانون إرادة الدولة وبين ضرورة تقيد الدولة بسلطان القانون
*وحدة القانون وعدم جواز تقسيمه إلى قانون عام وخاص .
النقد الموجه لكلسن هو :
-انه يخفي مشكلة أساس القانون(لم يتمكن من إسناد الدستور إلى قاعدة أعلى منه)
-دمج الدولة في القانون (أغلب الدساتير تنص على وجوب تقيد سلطة الدولة).
-التشريع المصدر الوحيد .
-أقفل قواعد القانون الدولي .
-القول بوجود قواعد قانونية فردية .
-تجريد القانون من كافة العناصر والعوامل غير القانونية .

المدرسة الموضوعية
مذهب التطور التاريخي

ظهرت بوادر المذهب التاريخي أو المذهب التطور التاريخي منذ القرن الثامن عشر في فرنسا إذ أظهر بعض الفقهاء والفلاسفة أثر البيئة والظروف المحيطة بها في اختلاف القوانين ورأو أن القوانين يجب أن تتناسب وطبيعة البلاد التي تصدر فيها ومن أهم الفلاسفة الذين ربطوا القانون بالبيئة الفقيه منتيسكيو في كتابه روح الشرائع وكذلك الفقيه بورتاليس أحد واضعي التقنين المدني الفرنسي في القرن التاسع عشر الذي عبر عن مبدأ ممن مبادئ التي قام عليها فيما بعد المذهب التاريخي ومحتواه هو : أن القانون يوجد ويتطور آليا مع تقدم الزمن دون تدخل من الإرادة الإنسانية ومقولته المأثورة في هذا الشأن Sad تتكون تقنيات الشعوب مع الزمن فهي في حق لا تصنع وقد تبلورت هذه الأفكار في مذهب واضح المعالم على يد الفقيه الألماني سافيني سمي بالمذهب التاريخي الذي جعل من مبادئه وأسسه بديلا للاعتراض على فكرة التي ظهرت في ألمانيا سنة 1814 والتي تدعو إلى التقنين القانون المدني الفرنسي الذي جمعه نابليون في مجموعات سميت تقنينات والتي كانت تتفق مع المبادئ القانون الطبيعي وما تقوم عليه من مسلمات أولية لا تستند إلى دليل من الواقع المادي
ومن المآخذ التي أثارها أن تجميع القوانين وعدم نطورها وأن الغبرة عند سافيني بالنسبة للقانون هي قواعد السائدة التي تسجلها المشاهدة وتعززها التجربة في مجنمع معين وأن التجارب قد دلت أن القانون ليس واحد ثابتا ولكنه متغير في الزمان والمكان تأثر في ذلك بعوامل البيئة المختلفة المتعددة ومسايرا لتطور ها واختلافها مما يستبعد معه تثبيت نصوصه وقواعده في االتقنين يقضي إلى جمود وقعوده عهن حركة التطور لأسس التي يقوم عليها.
يقوم الذهب التاريخي على تعاليم وأسس تتمثل في :
1- إنكار وجود القانون الطبيعي : في منطق المذهب التاريخي أن القانون ليس من وحي مثل عليا حيث يرى سافيني بأنه لا توجد قواعد ثابتة أبدية يكشف عنها العقل بل القانون عنده من صنع الزمن زنتائج التاريخ
2- القانون وليد حاجة الجماعة : يرى المذهب التاريخي بأن القانون وليد البيئة الاجنماعية وحدها وأنه يتطور حسب ظروف كل مجتمع ويختلف من دولة إلى دولة أخرى بل ويتغير في دولة نفسها من جيل إلى أخرتغير الظروف الاقتصادية والاجنماعية وأن الجماعة لا يحدها زمن معين أو جيل معين بل هي كالسلسلة تندرج في خلفياتها الأجيال وتتعاقب على مر الزمان فيرتبط فيها الحاضر بالماضي ويمهد الحاضر للمستقبل ومن ثمة فليس القانون ثمرة جيل معين من أجيال الجماعة وإنما هو ثمرة التطور التاريخي له>ة الجماعة
3- القانون يتكون وينطور آليا : في منظور المذهب التاريخي أن القانون ينبعث من جهد جماعي مشترك نسهم فيه الأجيال النتعاقبة في دولة معينة ويكنسب يذلك صفة قومية فهو يتكون وينطور في تفاعل مستمر في الضمير الجماعي لكا أمة وهو بذلك يتكون تكوينا ذاتيا آليا لا تخلقه إرادة إنسانية أو تحوله عن الطريق المرسوم وفي نظر ه>ا المذهب يعتبر العرف هو الشكل الأكمل والأصدق للقانون وهو تعبير مباشر وآلي عن الضمير الجماعي الوطني والحاصل أن القانون يخلق نفسه وأن دور المشروع يقتصر على مجرد تسجيل الضمير الجماعي وتطوره على مر الزمن وأن من مخاطر التشريع والتقنين هو موقف التطور التلقائي والجاري للقانون
نقد المذهب :
لقد أسهم هذا المهب إلى تبيان الارتباط الحميم بين القانون والبيئة كما أسهم في تبيان أن القانون ليس هو تعبير عن إرادة الحاكم بل هو نتاج المجتمع وبالتالي المشرع لا يفرض على الجماعة قانونا لا يستحبب لحاجاتها ورغباتها وينبع من حقيقة مشاكلها كما أسهم أيضا في تبيان دور العرف كمصدر من مصادر القانون بعد أن أغفلت القوانين الأخرى إلا ان ذلك لا يمنعنا من تسجيل بعض النقاط عليه.
• أغفل دور الإنسان في تطور القانون حيث ألغى دور المشرع في توجيه القانون واختيار أنسب القوانين كذلك أهمل دور الأفراد فنتيجة كفاح الشعوب تم إلغاء القانون الرق وتم الاعتراف بأهم الحقوق والحريات الأساسية
• معرضة المذهب التاريخي لحركة تجميع القوانين لا تلقى الإجماع فللتقنين مزايا فهو وسيلة لتوحيد القانون في مختلف أجزاء الدولة كما أنه يضفي على القواعد القانونية نوع من الثبات والاستقرار

مذهب الغاية الاجتماعية :

هو مذهب من المذاهب الواقعية نادى له الفقيه الالماني إيرينج كرد فعل مباشر على المنهج التاريخي ، إبرزه في مؤلفاته أهمها : « الكفاح من أجل القانون» و «الغاية من القانون»
الفلسفة التي يقوم عليها :
يرى إيرينج أن القانون في تطور مستمر و لكنه ليس تطورا تلقائيا كما يزعم أنصار المذهب التاريخي بل هو تطور يخضع الى حد كبير لإرادة الانسان و القانون ظاهرة إجتماعية و الظواهر الاجتماعية تختلف عن الظواهر الطبيعية من حيث خضوعها لقانون الغاية دون قانون السببية ، فالظواهر الطبيعية كتعاقب الليل و النهار بسبب دوران الارض ، أو سقوط الاجسام من أعلى الى أسفل بسبب الجاذبية ، تحدث كلما توافرت أسبابها دون أن يكون لارادة الانسان دخل في حدوثها أو دفعها نحو تحقيق غاية معينة ، ومن ثم فهي تخضع لقانون السببية ، أما الظواهر الاجتماعية فلا تتم الا بتدخل الارادة البشرية تدفعها نحو تحقيق غاية معينة و من ثم فهي تخضع لقانون الغاية .و القانون باعتباره ظاهرة اجتماعية ، تلعب ارادة الانسان دورا كبيرا و ايجابيا و نشأته و تطوره ، وقد يصل هذا الدور الى درجة الكفاح و استخدام القوة و العنف لتوجيه القانون نحو تحقيق الغاية المرجوة ، ذلك أن التطور قد يؤدي الى تغيير بعض النظم القانونية القائمة في المجتمع و التي يحرص المستفيدون منها على بقائها و عدم تغييرها ، الامر الذي يؤدي الى قيام الصراع و الكفاح بين هؤلاء المستفيدين و بين من يريدون تعديل هذه النظم ، و يتوقف بقاء أو تغيير هذه النظم على نتيجة هذا الصراع و الكفاح ، بحيث إذا تغلب أنصار التعديل أو التغيير ظهرت نظم قانونية جديدة و أدى ذلك الى تطور القانون ، فالثورات الاجتماعية و حركات التحرير الكبرى التي شهدتها الانسانية في عصورها المختلفة كانت تقوم دائما دغاعا عن مبادئ قانونية ، وكفاحا من أجل تعديل أوضاع قانونية لم تكن تتفق مع الظروف الاجتماعية القائمة ، فمثلا نحرير الفلاحين من الاقطاعيين ، لم يتحقق الا بعد كفاح طويل و تضحيات مريرة لتعديل و تغيير الانظمة القانونية التي كانت سائدة.و على هذ النحو فإن القانون في طبيعته و جوهره ، وفقا لمذاهب إيرينج ليس الا ثمرة الغاية و الكفاح ، الغاية هي حفظ المجتمع و أمنه و تقدمه و الكفاح من أجل تحقيق هذه الغاية ، و لذلك فإن هذا امذهب يسمى أيضا بمذهب الغاية و الكفاح أو مذهب الكفاح .
نقــــــده :
رغم واقعية هذا المذهب ان ابرز دور الارادة الانسانية نشأة القانون و تطوره كما أبرز خطأ المذهب التاريخي الذي ألبس القانون ثوب الآلية و التلقائية دون التوجيه الانساني إلا أن ما يعاب عليه جعل غاية القانون هي حفظ المجتمع و ليس إقامة العدل كذلك يؤخذ عليه أنه جعل الكفاح أساس تطور القانون و هذا تبرير لمنطق القوة حتى و لو لم تكن على حق و تبرير لمنطق الغاية تبرر الوسيلة كذلك يؤخذ عليه أنه أفرط في جعل تطور القواعد القانونية كلها رهنا على إرادة الانسان و هذا ينافي الأعراف التي هي من مصادر القانون و لا تظهر فيه إرادة الانسان بشكل جلي وواضح كذلك المجتمع يجعل القانون و إذا ما طالب عن حقوقه فإن مطالبه عادة ما تكون إجتماعية بحتة.

مذهب التضامن الاجتماعي

الفلسفة التي يقوم عليها لقد أسس الفقيه الفرنسي دوجي في أواخر القرن التاسع عشر مذهب التضامن الاجتماعي و بين القواعد التي يقوم عليها هذا المذهب في مؤلفه المطول في القانون الدستوري الذي تجلى من خلال تأثر دوجي بالنزعة العلمية التي تنطلق من الواقع و ترتكز على الملاحظة و التجربة و هذا التأثر مع انتشار تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الاجتماعية و من هنا أخذ دوجي بهذه الفكرة في تحديد النشأة و تطور القاعدة القانونية لليخرج مجموعة من الحقائق العلمية الواقعية التي يرى بانها أساس القاعدة القانونية أما مدى هذه الحقائق الملموسة مثل الحقائق المثالية فإنها حسية واهية لا يمكن الاخذ بها و هذا ما جعل دوجي ينكر العديد من الافكار و الاسس التي يقوم عليها القانونمثل : الشخص المعنوي ، السيادة ، الحق ....و هذا ما يوضح تأثر دوجي بالنزعة الواقعية العلمية في أواخر التاسع عشر إذ ذاعت بين جمهور العلماء الاجتماعيين عموما و القانون خصوصا فكرة تطبيق المذهب التجريبي على هذه العلوم فقد أسس دوجي مذهبه على أساس حقائق واقعية ملموسة أولاها المجتمع الذي يعيش فيه الانسان مع اقاربه و ثانيها التضامن الذي ينشأ بين افراد هذا المجتمع ذلك أن الفرد لا يمكن أن يفي كل حاجاته و متطلباته بنفسه دون الحاجة الى مساعدة من الآخرين و هنا ينشأ التضامن الذي يزداد حاجة الفرد كلما زاد تطور المجتمع و تنوعه ولقد ميز لا دوجي بين نوعين من التضامن
1- التضامن بالاشتراك (التشابك) : الذي ينشأ عند تشابك حاجات أو رغبات الافراد و يتطلب عندئذ تحقيقها تضامن الافراد فيما بينهم تكاثف الجهود
2- التضامن بتقسيم العمل : الذي ينشأ عند اختلاف الافراد في ميولهم و استعداداتهم هذا ما يجعل كل فرد يتخصص في نشاط أو عمل معين يتضامن مع غيره من الافراد من خلال تبادل الخدمات والسلع و بالتالي تبادل المنفعة و يزداد هذا النوع من التضامن مع تطور البنيان الاجتماعي .
إن وجود مجتمع يترتب عليه التضامن من وجب حمايته عن طريق مجموعة من الضوابط و القواعد التي تنظم سلوك الافراد من أجل الحفاظ على التضامن نجد ذاته و قد يؤدي ذلك الى نشأة الحد الاجتماعي الذي يميز ما بين الافعال التي يجب القيام بها و الافعال التي وجب تركها و الامتناع عنها أي الحد الفاصل بين ما هو صالح و ما هو طالح و يتفرع على هذا الحد الاجتماعي قواعد اجتماعية تنظم الافراد .
لقد عزز دوجي القاعدة القانونية بأساس آخر هو الشعور بالعدل ، الشعور بالتضامن الاجتماعي كاف حسب دوجي ان المقصود بالعدل هو المعنى الواقعي للفكر بعيدا عن المعنى المثالي أي أن الانسان يشعر بالتضامن و العدل في آن واحد غير أن القاعدة القانونية حسب دوجي لا تقوم على إجبار الدولة لكفالة احترامها كما تنادي المدرسة الشكلية التي ترجع القانون الى ارادة الدولة و لاهم القاعدة التي تخضع للمثل الاعلى كما يدعي المنصب القانون الطبيعي لكن هي القاعدة التي يشعر افراد المجتمع أنها ضرورة للحفاظ على التضامن الاجتماعي و انه من العدل استعمال قوة الجبر في الجماعة لكفالة احترامها والانصياع لها .
لقد وجهت لمذهب لا التضامن الاجتماعي جملة من الانتقادات تمثلت في :
1- ان تطبيق المناهج العلمية التجريبي على الظاهرة الاجتماعية القانون صعب و يستحيل في بعض الحالات و هذا لأن العلوم الاجتماعية تخضع لمبدأ الغائية أي أن كل ظاهرة اجتماعية هدف أو غاية تحققها القانون === تنظيم المجتمع عكس العلوم الطبيعية التي تخضع لمبدأ السببية و بالتالي يسهل تطبيق المنهج التجريبي كما أن العلوم الاجتماعية تهدف الى معرفة ماهو كائن و ما يجب أن يكون و هنا فهي تخضع لمبدأ التنبؤ و التطلع و الذي يخرج عن دائرة الملاحظة و التجريب و ليصل الى التفكير كما أن الظاهرة الاجتماعية تمتاز بالتشابه و التغيير المستمر هذا ما يجعل تطبيق المنهج التجريبي عليها شيء صعب و عسير و من ثمة ففكرة لا دوجي فيما يخص تطبيق الملاحظة و التجربة على الظاهرة الاجتماعية على فكرة نسبية لا نستطيع الاخذ بها خصوصا في العلوم الاجتماعية .
2- لقد حملت فكرة دوجي نوعا من التناقض من خلال خروجه عن الاساس الواقعي التجريبي من خلال اعتماده على التضامن بين الافراد كأساس للقاعدة القانونية و اغفاله بالتنافس و التنازع بين الافراد و هذا الاختيار لا يتأتى إلا بالرجوع الى مثل أعلى يغلب اختيار التضامن على التنافس ومن هنا فقد خرج دوجي و نزعته الواقعية باعتماده النزعة المثالية و هذا من خلال ارتكازه على مثل أعلى من أجل حقيقة التضامن بين الافراد و ترك حقيقة التنافس و التنازع ، كما أن التضامن يكون في الخير و يكون كذلك في الشر الشيء الذي يجعل دوجي يستند على مثل أعلى من أجل التسليم بالتضامن بالخير و ترك التضامن بالشر و هذا أيضا خروج عن أساس فكرته الواقعية و الاعتماد على أساس مثالي و هذا يثبت استحالة اتخاذ الواقع بمفرده كاساس للقانون
3- أخذ دوجي بالفكرة الواقعية للعدل و ترك البعد المثالي من خلال إقراره بموجب شعور بالعدل عند كل فرد حسب رغبته و حاجته رغم أن العدل مثل أعلى يشترك فيه كل الافراد ومن ثم فإن الانسان يخضع لفكرة العدل و ليس العكس .
رغم أن مذهب دوجي قد حمل مجموعة من الجوانب السلبية إلا أنه أظهر أهمية الحقائق الواقعية المستمدة من الحياة الاجتماعية و أثرها في تكوين القاعدة القانونية كما أعطى بعدا علميا مبني على أساس الملاحظة و التجربة في القانون .
نقـــــده
لقد أسهم مذهب التضامن الإجتماعي في تبيان دور الحقائق الواقعية المستمدة من الحياة الاجتماعية في تكوين ونطور القانون إلا انه ومع ذلك وجهت إليه بعض الانتقادات منها :
• إذا كان المنهج العلمي التجريبي يعطي نتائج قطعية بحيث تتحقق النتيجة كلما وجد السبب فإنه على خلاف من ذلك بالنسبة للعلوم الاجنماعية ومنها القانون فإنها تتسم بالنسبة كذلك لدوجي لم يلتزم بالمنهج الواقعي التجريبي عندما أقر أن اساس القاعدة القانونية هزو الشعور بالتضامن بين الأفراد المجتمع كحقيقة واقعية وأهمل حقيقة واقعية أخرى تثبتها المشاهدة والتجربة هي حقيقة التنازع والتنافس بين الأفراد في المجتمع نتيجة تعارض مصالحهم وكذلك لا يقتصر التضامن على الخير فقط أيضا التضامن في الشر وهو حقيقة واقعية وترتيبا على ذلك فالتضامن كحقيقة واقعية لا يصلح أساسا للقاعدة القانونية إلا بإعطائه قيمة مثالية كذلك دوجي جعل مجرد الشعور بالعدل أساس القاعدة القانونية وهذا معناه تحكيم الأهواء الشخصية وهذا يؤدي إلى الفوضى في حين أن القانون يجب أن يستند إلى الحقائق الموضوعية ومن العدل كحقيقة ثابتة كما يفرضها العقل وليس كما يشعر به الأفراد فالأفراد هم الذين يخضعون للعدل وليس العدل هو الذي يخضع للأفرد .


المدرسة المختلطة

ومؤسس هذه المدرسة هو الفقيه جيني حيث قامت نظريته على أنقاض المدرستين الشكلين والموضوعية ودمجهما في نظرية واحدة فأخذ عن المدرسة الشكلية فكرة تدوين القواعد القانون وسماه بعنصر الصياغة وأخذ عن المدرسة الموضوعية الحقائق الطبيعية والتاريخية وغيرها وسماه بعنصر العلم وهو ما تأثر به الفقه الحديث .
الأسس التي تقوم عليها نظريته :
عنصر الصياغة : لقد أخذ جيني عن المدرسة ضرورة أن تكون القواعد القانونية في قالب مدون وعلى شكلية معينة أي أن تحرر على شكل نصوص تراعي فيها القواعد الإجرائية حتى يسهل توصيلها للأفراد .
عنصر العلم : وهو مأخوذ من المدرسة الموضوعية وهي عبارة عن مجموعة من الوقائع :
---الوقائع الطبيعية : وهي عبارة عن مجموعة الوقائع التي تحدث من خلال الطبيعة دون أن يكون للإنسان دخل فيها وإنما تقدم له خدمات وتولد له حقوق ومن هنا لا بد من الاعتراف بهذه الحقوق وهي حقوق تكون متولدة مع الإنسان كذلك .
---الوقائع التاريخية : وهي عبارة عن مجموعة الوقائع التي تكونت عبر التاريخ وقدمت خدمات للإنسان وولدت له حقوق .
---الوقائع العقلية: وهي التي تقوم باستنباط الحقوق من الحقوق الطبيعية وكذلك من الوقائع التاريخية.
---الحقائق المثالية : وهو أسمى الحقائق وهو الذي يسعى الإنسان إلى الوصول إليه وهو درجة السمو القانوني .
 
جوهر القاعدة القانونية في الفقه الحديث :

لقد اتجه الفقيه الحديث اثر النقد الموجه إلى مذهب جيني إلا أن الحقائق الأربع التي يتكون منها جوهر القاعدة القانونية لا يصدق عليها جميعا وصف العلم هذه الحقائق لهذا فقد تم جمع الحقائق التي يتكون منها جوهر القاعدة القانونية في نوعين من الحقائق


أولا : حقائق علمية تجريبية تخضع للمشاهدة والتجربة

فالقاعدة القانونية هي نتاج واقع يجب تقويمه بالقياس على مثل أعلى يستخلصه العقل فالفقه الحديث أعطى لجوهر القاعدة القانونية عنصرين عنصر واقعي فالعنصر الواقعي يعتمد على :
حقائق سياسية:وهي عبارة عن مختلف المتغيرات السياسية وتغير أنظمة الحكم في المجتمعات مما يؤثر على المجتمع وحقوقه وبالتالي لابد من وجود قواعد قانونية لتنظم هذه التغيرات .
حقائق تاريخية :وهي عبارة عن مختلف المتغيرات التاريخية التي تساهم في تكوين الجماعة وحقوقها ولا بد من قانون لينظم هذه الحقوق .
حقائق دينية : وهي مجمل الحقائق المستخلصة من أحكام الدين والتي قد تساعد إظهار القواعد القانونية .
حقائق طبيعة اقتصادية واجتماعية :وهي عبارة عن مجموعة المتغيرات داخل المجتمع التي تكون بتدخل المجتمع بتدخل الطبيعة والتغيرات الإقتصادية وكذلك ظروف المجتمع .
وهذا العنصر لا يكفي لتكوين القاعدة القانونية بل يجب تقويم هذه الحقائق بالقياس على مثل أعلى يفرضه العقل ألا وهو العدل .

ثانيا : حقائق عقلية تفكيرية يستخلصها العقل

والنوع الثاني يمثل العنصر المثالي في جوهر القاعدة القانونية .
مفهوم العـدل وصوره :إن للعدل مفاهيم وأنواع مختلفة
مفهوم العـدل : العدل لغة معناه المساواة الإنصاف ، ومفهومه البسيط هو إعطاء كل ذي حق حقه أما المفهوم العميق فهو يتمثل في مجموعة القواعد التي بكشف عنها العقل ويوحي بها الضمير ويرشد إليها النظر الصائب فهذه القواعد هي روح العدل أو هي الفطرة التي فطره الله الناس عليها .
- العدل من حيث الشكل :
أن تحقيق فكرة العدل يستوجب تطبيق القانون بصفة ملزمة ولو عن طريق القوة إذا تطلب الأمر ذلك فالقانون هو إدارة الحاكم يجب احترامها حيث يرى الفيلسوف الإنجليزي أوستن أن القانون الذي يحقق العدل هو إدارة الحاكم ومشيئته يطبقها بالقوة على الأفراد عند الضرورة فالعدل لديه مصدره ضمير الحاكم وينبع من إدارته فالحاكم يراقب ويشرف على توزيع العدل بين الناس توزيعا متساويا ، أما أنصار مذهب الشرح على المتون فيرون أن فكرة تقديس النصوص التشريعية واحترامها باعتبارها شاملا لكل مواضع الحياة فالتشريح وحدة هو الذي يتضمن جميع الأسس التي من شأنها تجسيد فكرة العدل ومفهوم العدالة .
حيث يرى هيجل أن تحقيق فكرة العدل يقوم على تطبيق القانون الذي يكون أساسه من صنع الدولة (يعر عن إرادة الحاكم) فالدولة هي المنوطة باحترام القانون وإجبار الأفراد على طاعتها بما لها من وسائل الإكراه لأجل تحقيق العدالة .
- العدل من حيث المضمون :
يرى أصحاب مذهب القانون الطبيعي ذو المضمون المتغير أن فكرة تحقيق العدل ليست نابعة من قواعد قانونية ثابتة بل أنها مستلهمة من القواعد متغير ومختلفة باختلاف الظروف المحيطة بكل مجتمع .
إن القانون الطبيعي الذي يدركه الإنسان بعقله يتصف بالكمال والمثل العليا هي العدل.
إن فكرة إقامة نظام قانوني على أساس العدل ومحاربة الظلم وجدت في ضمير الإنسان منذ الأزل وستبقى ثابتة لا تتغير أما الذي يتغير فهو الزمان والمكان ولكل جماعة تصورها الخاص لفكرة العدل وفقا لظروفها الاجتماعية فمما يعتبر عدلا في مجتمع ما قد يصبح ظلما مع مرور الزمن في نفس المجتمع ، مثال : الرق ، وقد وجهت انتقادات لهذا الاتجاه يحث أ، فكرة العدل عندهم تؤدي إلى فكرة القانون الطبيعي ذاتها . لأن القانون هو الذي يجعل من العدل مثلا أعلى خاصا بجماعة معينة وفق لظروفها وتصورها لفكرة العدل، فما هو عدل في مكان معين وزمان معين يصبح ظلما في مكان آخر وزمان آخر وهذا ما لا يمكن التسليم به فالعدل ليس تصورا شخصي بل هو إنساني عام فظاهرة الرق مثلا إذا كانت قد أجيزت في مجتمع ما وفي وقت ومكان معين فهذا النظام ليس عادلا فالرق في حكم حقيقة العدل ظالم .
يرى ديجـي أن الشعور بالتضامن الاجتماعي لدى الأفراد هو أساس القاعدة القانونية وهو يتمثل في الشعور القائم لدى الجماعة بماهية العدل كما هو وليس العدل وليس المثل الأعلى للعدل أو فكرته في ذاتها فليست القاعدة القانونية هي التي توضع وفق المثل العليا (العدل) بل هي القاعدة التي تشعر بها الجماعة أنها ضرورية ولازمة إلى صيانة التضامن الاجتماعي ومن العدل تسخير قوة الإجبار في الجماعة لكفالة احترامها .
إن هذا الرأي قد يؤدي إلى تحكيم الأهواء والنزعات الفردية في حين انه يجب أن يسند هذا المثل الأعلى إلى حقائق موضوعية فالعدل يفرضه لعقل وليس ما تعتقده الجماعة .

المطلب الثاني : صور العدل :

يصف الفقهاء العدل إلى نوعان : العدل الخاص والعدل العام
العدل الخاص : هو الذي يحكم العلاقات بين الأفراد ويقوم على أساس المساواة التامة المتبادلة بينهم ويسمي بالعدل التبادلي .
العدل العام : هو الذي يقوم على أساس اعتبار الفرد جزء من المجتمع باعتبار المجتمع هو الكل، فالعدل في هذه الحالة يرمي إلى تحقيق المصلحة العامة ويتم عن طريق إقامة تفاصل بين القيم والأفراد من حيث الحاجة أو لقدرة أو لكفاءة ويشمل العدل توزيعي والعدل الاجتماعي .
- العدل التبادلي : الأصل أنه كان مقصور على علاقات الأفراد التعاقدية الخاصة بالتبادل السلع والمنافع أي يجب للفرد على الفرد ولم يبقى محصورا في نطاقه الضيق من العلاقات التعاقدية بل أصبح يشمل كل ينشئ الأفراد من علاقات أيا كان مصدرها، وهو يقوم على أساس تساوي الأفراد وهذا التساوي يقتضي من الأفراد احترام كل منهم بحق الأخر إما بإعطائه له أو بالامتناع عن الاعتداء عليه وهذا الحق الذي يخص كل فرد قد يكون له ابتداء أو اكتسابا فيما يخص الفرد ابتداء كل ما يتعلق بوجوده أو كيانه المادي والنفسي ويعتبر ظلما اعتداء فرد على جسم فرد آخر بالضرب أو بالقتل أو الإهانة أو القذف، أما ما يخصه اكتسابا فهو ينصرف إلى كل ما يكتسبه من بعد يضيفه إلى نفسه كشيء خاص به والعدل هنا يكون بإقرار كل فرد على ما اكتسبه بطريق الاكتساب المشروع .
- العدل التوزيعي : يقصد به العدل الذي يجب على الجماعة اتجاه الأفراد المكونين لها في توزيع المنافع والأعباء عليه وهنا ينبغي مراعاة اختلاف الأفراد حسب حاجاتهم وقدراتهم وجدرانهم فيترتب على هذه المساواة النسبية فالأفراد لا يعاملون نفس المعاملة المتساوية ( أي يتساوون مساواة مطلقة في الحصول على الوظائف العامة في الدولة ) .العدل الاجتماعي : هو العدل الذي يسود علاقة الفرد اتجاه الجماعة من حيث واجباته نحو الجماعة أساس هذا العدل الاجتماعي يكمن في كون الفرد في الجماعة جزء في الجماعة وهذا الجزء مسخر لخدمة الكل فالصالح العام لا يتحقق إلا عن طريق الاشتراك بين الأفراد لأجل مصلحة واحدة وهذا العدل مبرر لإخضاع الأفراد لسلطة الحاكم الذي له الحق الأمر وكذلك باسم الحق الاجتماعي يسخر الحاكم سلطته لتحقيق الصالح العام

- تطور فكرة العدل عبر العصور :

إن مفهوم العدل لم يصبح مفهوما شائعا في عصرنا الحاضر إلا بعد الثورات الكبر ى التي أريقت فيها الدماء أزهقت في الأرواح وعانت البشرية منها ويلات الجوع والتشرد والدمار إن هاته الثورات المتعاقبة كانت تهدف إلى تحقيق العدل والمساواة وأن الظلم في التفاوت ولكن أليست المساواة المطلقة ظلما ؟ لقد اختلف المفكرون واختلفت المذاهب لتحديد إجابة شافية لهذا التساؤل وسنتعرض إلى الفكر الغربي ونظرته للعدل وكذا إلى الفكر الإسلامي ومكانة العدل فيه .
تطور فكرة العدل في الفكر الغربي :لقد رأى أنصار التفاوت في الفكر الغربي لفكرة العدل أنها تتأسس على احترام التفاوت الموجود ويريدون في ذلك حججا تتعلق بالفوارق الطبيعية والفوارق الاجتماعية وحجج أخرى تبرر هذه الفوارق المختلفة .يختلف الناس بالولادة في قدرتهم ومواهبهم الجسمية والعقلية فمنهم الضعيف ومنهم القوي ومنهم الذكي ومنهم الغبي، فمن الظلم أن نبوئ الغبي أو الغير الكفء منصبا إداريا ممتازا يتوقف عليه نظام بعض الشؤون الاجتماعية أو غيرها وبالتالي منحه مقابل ذلك جزاءات وامتيازات عالية فلو وفرنا له ضرورية الحياة فقط ومنحنا الباقي للقادر الذكي لكن دائما في حدود العدل ، إن هاته النظرة والرأي للفيلسوف أرسطو ومن ماثله الرأي فهو يزعم أن التفاوت قانون الطبيعة من ذلك انه يعترف با استرقاق البعض الآخر هو ضرورة طبيعية ومادام الناس مختلفين من حيث الخصائص العقلية والفيزيولوجية فلابد من توسيع شقة الاختلاف بينهم يقول كاريل اليكس العامل الفيزيولوجي والجراح الفرنسي " فبدلا من أن نحاول تحقيق المساواة بين اللامساواة العقلية والعضوية يجب أن نوسع دائرة هذه الاختلافات وننشئ رجال عظماء "، وبعد تحليل هذا الكلام نجد أن تقسيم سكان البلاد الحرة إلى طبقات مختلفة لا يرجع إلى المصادفة أو العرف الاجتماعي وإنما هو مؤسس على قواعد بيولوجية صلبة وكذلك على صفات الأفراد الفيزيولوجية والعقلية، ففي المجتمع الديمقراطي كما ترى " بريطانيا وفرنسا " استطاع كل شخص أن يبلغ المكانة أو المركز الذي مكنته مقدرته من بلوغه.
إن اليوم معظم عامة الشعب يدينون بمراكزهم وأوضاعهم إلى الضعف الوراثي لأعضائهم وعقولهم بالإضافة هذا الرأي فقد تبنى هذا الموقف بعض الأديان القديمة البراهيمية والتي بدورها تقسم الناس إلى أربع طوائف أعلاها الكهنة أو البراهمة وأدناها السفلى والأبخاس ونجد اليهود الذين زعموا أنهم وحدهم شعب الله المختار بل الاضافة إلى الحركة النازية التي قسمت الجنس البشري إلى طبقات أسماها الجنس الآري وقد علل أنصار التفاوت هذا النوع من الفوارق الاجتماعية والطبيعية بأنها كحافز يدفع الأفراد إلى السعي والنشاط ذلك أن الإنسان بطبعه مفطور على السعي لتحقيق آماله الواسعة في حياة بعض الناس في الرفاهية والعيش في النعيم يثير من حولهم ويعطيهم رغبة أقوى في العمل قصد الوصول إلى مستواهم، وهذا التفاوت لا يعني عدم مساواتهم أمام العدالة لأن ذلك يتحول إلى ظلم إلا أن هذه الطروحات تشبه إلى حد ما المبادئ التي انطلق منها التوسع الاستعمار في الحديث بدعوى أن القوة لها الحق بل ومن العدل أن يحتل القوي الضعيف ويسير شؤونهم المختلفة ويثبت العلماء أن العرق الصافي من المستحيل وجوده وأن كل بلاد العالم مزيج من العروق حتى إن الدم الذي تفتخر به ألمانيا نفسها إنما هو دم هجين إلى حد بعيد أكثر من غيره لأن العلم والواقع يؤكد أن الدم الهجين باعث على التقدم والنبوغ والحيوية .
هناك أنصار المساواة في الغربي يقول شيشرون مخاطبا شعبه الروماني " الناس سواء وليس أشبه شيء من الإنسان والإنسان لنا جميعا عقل ولنا حواس وأن اختلححفنا في العلم فنحن متساوون في القدرة على التعليم " وعن كتاب توماس جيفرسن في إعلان الاستقلال الأمريكي " إن جميع الناس قد خلقوا متساوين "
نقـد : بالرغم إنه لا يمكننا إنكار فكرة المساواة إلا انه لا يمكن مساواة الناس في الحقوق والواجبات لأنه تختلف إمكانيتهم وقدراتهم العقلية والجسدية والعملية، فإذا سلمنا بالمساواة التامة والمطلقة فكيف يخدم بعضهم البعض .
فكرة العدل في الفكر الإسلامي : إن العدل معناه إزالة الفوارق المصطنعة والفروق الواسعة التي نشأت بين أفراد والمجتمعات بطرق غير مشروعة ولابد من فتح الطريق أمام الجميع وتكافئ الفرص في جميع المجالات، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : لا فضل لعربيا على عجميا إلا بالتقوى يعتبر العدل أحد المبادئ الأساسية لنظام الحكم وغايته المقصودة وقد حرص الإسلام على تقريره حفاظا على كيان المجتمع البشري فقد جاء في قوله تعالى على لسان نبيه : وأمرت لأعدل بينكم ويقصد بالعدل في الإسلام بوجه عام تنفيذ حكم بمعنى الحكم بمقتضيات ما جاءت به الشريعة الإسلامية وهو واجب في علاقة الفرد بنفسه وعلاقته بغيره من الناس وعلاقة الحاكمين بالمحكومين ومن شدة حرصه تعالى على العدل أنه لم يشدد على استعمال القوة مع مقترف أكبر الكبائر أي الشرك بينما شدد في استعمال القوة مع الباغي والمعتدي ومع الطرف الغير القائم بالعدل ويتضح ذلك قوله تعالى: فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلو التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله وإذا كان الله تعالى قد وجه الخطاب بالعدل للمؤمنين يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط) إن المساواة في الإسلام لها أهمية كبيرة يقول تعالى:  يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم""، يتضح من هذه الآية أن الإسلام يقر مبدأ المساواة بين جميع الناس ويجعلها أحد أصوله التي تجد أساها في العقيدة التي جاءت لتكريم الإنسان باعتباره من أصل واحد وهو آدم فلا مجال للإدعاء بالانتساب إلى جنس أسمى مما عداه من الأجناس أو إلى طبقة هي أرقى الطبقات فالإسلام لا يعترف إلا بمفاضلة قوامها الأعمال وليس الإنسان وللمساواة صور كثيرة في الفقه والتاريخ الإسلامي نذكر منها المساواة بين الأفراد جميعا في تطبيق القانون فالكل في مستوى واحد أما القانون فلا فرق بين الحاكم والخليفة أو من هم في مناصب السلطة العليا وبين عامة الناس وتثبت هذه المساواة كذلك أمام القضاء فلا وجود لمحاكم خاصة تختص بالنظر في خصومات طائفة معينة من المجتمع ومحاكم أخرى مختصة لعامة الناس. قال تعالى : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ويقول: ولو شاء ربك لا أمان من في الأرض كلهم أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وقد طبق هذا المبدأ على ارض الواقع وعلى أوسع نطاق فلا يخلو كتاب من كتب الرسول صلى الله عليه وسلم منها موجه للقبائل "ومن كان يهوديا او نصرانيا فانه لا يفتن عنها وعليه الجزية" ويقول عمر بن الخطاب في معاهدته مع أهل بيت المقدس عقب فتحها " هذا ما أعطى عمر أمير المؤمنين أهل إليياء من الأمان أعطاهم أمان لأنفسهم ولكنائسهم وصلبانهم … لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقصه منها ولا من خيرها ولا من صلبهم لا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ". إن الإسلام لم يعطي للإنسان مساواة مطلقة إلا في حدود الحقوق والواجبات فهناك تفاوت مكفول للإنسان بقول تعالى ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات وكل إنسان مسير لما خلق له فلكل ذي حق حقه .

مرسلة بواسطة: aymen boubidi // 9:03 ص
التصنيفــات:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة لمدونــةboubidi